الأنوثة الثمرة المحرمة

ف.ف.  

أثناء تصفحي لموقع فيسبوك، وجدت فيديو لطفلة لا تتجاوز العام ألبستها والدتها شال مرصع باللولي والخرز زاد من جمالها وكانت الطفلة تتمايل مع نغمات الموسيقى بشقاوة محببة تخطف القلب. شعرت ببهجة شديدة وأنا أشاهدها، ولأنني من هواة قراءة التعليقات شرعت في قراءة التعليقات على الفيديو، وليتني ما فعلت. فقد تبددت البهجة وحلت محلها الكآبة الممزوجة بالغيظ والحنق وشعرت أنه ما من جهاز يمكنه قراءة ضغطي في تلك اللحظة.

سيل من التوبيخ للأم لأنها تبرز جسد طفلتها “اللي ببامبرز” وتلبستها ما يشبه ملابس الرقاصات، وكيف أن تشجيعها لها على الرقص على نغمات الموسيقى من قبيل الميوعة وإفساد لأخلاق الطفلة واتعياد على مثل هذه الأمور ولعياذ بالله، وكان الأجدر بالأم أن تعلم ابنتها الحشمة وأن تسمعها آيات الذكر الحكيم فتشب على التقوى والإيمان بدلا من الميوعة والانفلات. واندفعت إحدى السيدات تقرع الأم على فعلتها الشنائع وتنصحها أن تهذب ابنتها ونتشأها على الخلق الحميد فليس من إسلامنا التمايل والرقص. وفجأة تحول الجميع إلى وعاظ وتقاة رغم أننا نسجل أعلى نسبة دخول على المواقع الإباحية!! أنها الشيزوفرينا التي ابتلينا بها منذ أن سلمنا عقولنا لشيوخ الوهابية أصحاب مذهب التقية.

كم أنت مجرمة أيتها الأم فكيف تتركين طفلتك تعيش طفولتها بإنطلاق. كيف واتتك الجرأة أن تتركي مزامير الشيطان تصافح أذن صغيرتك فيتحرك جسدها البض بتلقائية مع  إيقاع الموسيقى. وكان الأجدر بك أن تلفلفيها فلا يظهر منها شيئ كي تعتاد لبس الأقمطة وتعتاد على مدارة جسدها وبغض أنوثتها. كان عليك أيتها الأم المفسدة لابنتها أن تسمعيها شريط عن عذابات النساء يوم القيامة لتعرف أنها وبنات جنسها وقود النار. كان الأولى أن تسمعيها شريط للحويني أو ابن يعقوب عن حقوق الزوج على الزوجة فما هي الإ أربع سنوات تصلح بعدها للمفاخدة، وتفهميها أن جسدها ليس ملكها بل ملك الرجل الذي سيكون زوجها فيجب أن تحافظ عليه لأجله.

وكم أنت صالح وتقي وورع أيها المجتمع الذي لم يرى من الطفلة إلا جسد أنثوي يتمايل في دلال مثير، ورأيت فيها المنفلتة باعتبار ما سيكون، رغم أن بعض رجالك يسيل لعابهم إلى حد جفاف حلوقهم لرؤية أنثى تخطر وتتهادى، وبعض نسائك ممن يهاجمن بنات جنسهن يعانين مرارة القهر والذل ولا يملكن حيلة إلا إفراغ غضبهن في نساء مثلهن.      

الأنوثة في مجتمعنا الشرقي الذي يحكمه كهنوت الشيوخ هي الثمرة المحرمة على بنات حواء. ورغم أن المرأة خلقت تحمل بداخلها صفات الأنوثة من رقة ودلال إلا أن المجتمع يعتبر إظهارها عدم أدب وميوعة ومحاولة لإثارة غرائز الرجال. فتربى الفتاة منذ نعومة أظفارها على أن جسدها محرم لأنه موضع فتنة فلا ينبغي إظهاره بل يجب طمس كل معالمه حتى يأتي “ابن الحلال ويشيل” فتنقطع علاقتها بجسدها ويتحول إلى أمانة عندها تحفظه من الأعين التي تحاول اختراقه، وتحفظه من إحاسيسها الأنثوية التي تعتريها فتكبتها خشية أن تتسبب في أذية جسدها الذي ينتظر تسليمه لصاحبه. ومنذ الصغر تستقبل أذنيها عبارات التحذير من إقتراب أي ولد منها “حرام تلعبي مع ولد، وحرام تقعدي جنب ولد، وحرام تضحكي مع ولد”، بينما عقلها عاجز عن فهم “حرام ليه” فهي طفلة لم يتشكل وعيها الجنسي بعد، كل ما تدركه هو الاختلاف المظهري بينها وبين الولد، ولكنها تنفذ تنبيهات الأم والأب رغبة في الجائزة ورهبة من العقاب. فتصاب الطلفة بالرعب إذا ما اقترب منها ولد وتبدأ في الصراخ والبكاء وكأنها رأت شيطانًا. تكبر ويكبر معها المعتقد ويصبح أكثر رسوخًا. وتصبح هي أكثر تشددًا من أهلها فإذا لاحظت بروزًا وتبلورًا لملامحها الأنثوية أو ضبطت أحاسيس الأنثى تتسلل إليها، ينتابها الرعب وتبحث عن وسيلة لتكفين جسدها ووأد مظاهر الأنوثة، وتكبت مشاعرها وأحاسيسها وتدفنها فلا الجسد ملكها ولا المشاعر حق مشروع لها، بل عليها انتظار من تعجبه البضاعة فيشتري وتسلمه الأمانة وترتاح من عبء حراسة جسدها الذي طالما أرقها.  

حتى بعد الزواج، مازالت العلاقة بينها وبين جسدها مقطوعة فهى تزينه وتبرزه كي تقدمه إلى مالكه مبتهلة أن ينال رضاه. ويتحول هذا الجسد إلى وعاء يطلبه متى احتاجه وكيف يشاء لا يحق لها الاعتراض أو الرفض فهو ملكه وهي حافظته. ورغم كل هذا قد تأتيها صدمة أن المالك منزعج فسعادته غير مكتلمة مع أمرأة لا تعرف كيف تتعامل مع زوجها، وتعلوا شكواه ويهدد بالبحث عن سعادته مع أخرى وأنه سأم من جسد بلا أنوثة ودلال، وتنهال عليها الاتهامات وتكيل لها عبارات التأنيب وهي تائهة في بحر لجي تتقاذفها أمواج الحيرة فهي لا تعرف أي خطأ ارتكبت وأي ذنب اقترفت فقد ربيت على كبت أحاسيسها ومشاعرها وتناسيها وعدم البوح بها حتى لا توصم بالفجور والبجاحة،  وها هي اتبعت التعليمات بحذافيرها وهو تزوجها “لأنها خام” فكيف لها أن تعرف أمور الدلال والأنوثة هي منحته ما تعرف فكيف بما لا تعرف.

الضغط الشديد يولد انفجارًا لا يقل عنه شدة بل. والكبت المفروض على المرأة بتحويلها إلى مجرد جسد ووعاء للرجل سوف يؤدي إلى رد فعل عكسي من المرأة وتمرد على كل القيود المفروضة، وبدلا من أن يتكامل عنصري المجتمع لحفظ توازنه  يتحول إلى حلبة مصارعة بين آدم وحواء في معركة الكل فيها خاسر.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس, ف.ف and tagged , , , . Bookmark the permalink.