اللاهوت علي ضفاف النيل، رأس السنة القبطيّة والذكرى الخطرة

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 

ما المقصود أولاً بالذكرى؟

الذكرى تاريخ، ليس تاريخ أشخاص أو أفراد فحسب، بل تاريخ شعب. وما أهتم به هنا هو الذكرى كتاريخ شعب، تاريخ أمة، هذا التاريخ هو ذاكرتها.

هناك نوعان من الذكرى

ذكرى الأحداث الماضية، فيها تُسَرد الأحداث من مؤرِّخين أو شهود عيان. تختلط فيها ربما ذكرانا الشخصية، فتصبح الذكرى هنا تذكارًا لأيام مضت كانت جميلة وتحمل في تذكارها نوستالجيا الحنين إلى الماضي. في عالمنا العربي وفي مصر غالبًا ما تُصاغ هذه الأحداث سياسيًّا، ودينيًّا، وعرقيًّا أحيانًا. المراد منها فقط هو السيطرة على حاضر من يسمعونه ويقرؤنه، والذهاب بهم نحو مستقبل يريده ويخططه حاكم مستبد وحاشيته.

لا يذكر هذا التاريخ الاخفاقات إلا نادرًا، ويبجل الحاكم ويمجده حتى يموت أو يختطف منه السلطة حاكم آخر، وتبدأ مسيرة أخرى من طمس التاريخ، فقد يتحول كل ما سبق إل أن يوصف بالعهد البائد. وتبدأ مرحلة أخرى من صياغة تاريخ يهواه ويريده ويملي خطوطه أهل السلطة. يكتب المؤرخون ما لا يضعهم في قلق أو مشاكل، وقد لا يكون الحاكم نفسه يعرفهم، ولكنهم كانوا قد استقبلو سجّانا في صدرهم يجثم عليهم حينما يمسكون بالقلم. هذا التاريخ تاريخ مختارات، مشوَّه ومفصل، مزيف يسعى إلى تزييف ذاكرة أمة بأثرها. تاريخ كتبته يد الأقوياء، ووضع تفاصيله المنتصرون، ولا مجال فيه لأن يتحدث الضحايا أو المظلومون. يُقتل الضحايا مرتين، مرة جسديًّا ومرة حينما تصمت أفواههم أبدا عن الكلام في صفحات تاريخينا، ويطويهم النسيان وتحششو أفواههم صحف تاريخنا فلا تعد آذاننا تسمع لهم أنينًا. فتدجَّن السلطة الإنسان بتزوير تاريخه، وهذا ما يفعله أيضًا المستعمِرون إلى جانب الحكام المستبدين

الذكرى الخطرة

نوع ثانٍ من الذكرى، هذا ما أهتم به. الفضل يرجع في هذا الموضوع إلى اثنين من اللاهوتيين الألمان يورجن مولتمان ويوهان بابتست متس. الذكرى الخطرة قراءة للتاريخ، استحضار للماضي في الحاضر، تصبح الذكرى خطرة عندما نقرأ تاريخنا بدون أن يكون ذلك مجرد معرفة إن كان هذا حدث حقًّا أم لا. بل الذكرى من حيث أنها تستطيع أن تنير حاضرنا (متس). علينا جميعنا كعرب، إن أردنا مستقبلاً أفضل، أن نبدأ في قراءة التاريخ من خلال ما يرويه المظلومون والضحايا، وهذا ليس بالأمر السهل، يحدث هذا من خلال الشك في كل ما نقرؤه وكل ما تضعه السلطات بين أيدينا من التاريخ.

ضحية من ضحايا تاريخنا يمكن أن أنعته بالضحية بأداة التعريف. فيه بدأ التاريخ يصبح مرّةً تاريخ الضحايا والضعفاء، وليس تاريخ القتلة والأقوياء. تاريخ الداعين إلى السلام وليس فقط تاريخ من قتلوا وقُتلو. رجل من الطبقة الوسطى اليهوديَّة. حوكم كمخرب أمام مستعمريه، خانه أهل وطنه ونٌفِّذ فيه حكم الإعدام علنًا. هذ الشخص اسمه يسوع. فيه تصبح الذكرى خطرة حيث إن فيه يستطيع الإنسان قراءة التاريخ مرة أخرى. فنحن في أغلبنا لا زلنا نظلم من نُعتوا بالمخربين والمهيجين والهراطقة. وها هو يسوع أيضًا واحد منهم، نال ما نالوه من نعت.

في يسوع المسيح تصبح الذكرى خطرة، لأن فيه يجد الضحايا والمتأالمون والمسجونون تعبيرًا عن معاناتهم. تاريخ المسيح يستطيع أن يصبح تاريخهم وتاريخنا. تاريخ كل واحد منا. إن كل العنف والقتل والقهر والاستبداد لن يستطيع أن يطمس الحقيقة أبدًا ويكمم أفواه من يصرخون دهرًا. حضور المسيح في سر الإفخارستيا هو حضور لخ في قلب تاريخينا، في كل احتفال إفخارستي يقدم المسيحي ذاكرته أمام الله ويبدأ فتذكر المسيح الحاضر هنا والآن ليبددأ الممؤمن الحقيقي قراءة الماضي مستنيرً بضوء الحاضر ليعرف كيف يقاوم ويناضل. ذكرى المسيح ذكرى خطرة لأنها في استحضارها تلهم كثيرين وتجعل المسيح حاضرًا فعَّالاً، سيستطيع المقهورون أن يفتحوا أفواههم، ولعلنا إن تذكرناه في سمعناهم مرةً واحدة، أصغينا إليهم بعيدًا عن تذوير ذاكرتنا الفردية والجماعية.

الخطيئة مفهوم جديد

الخطيئة في هذا المضمار ليست إذًا خطيئة شخصية فحسب بل هي خطيئة اجتماعية وتاريخية. لا بد من انتاج فكر لاهوتي يستطيع وضع حد لهذا التزوير ومن ثم إذ يشعر الإنسان بماضيه، في أنصع صوره بقدر إمكان المعطيات التاريخية، يمضي قدمً نحو تصحيح مسار الحاضر حتى نصل إلى مستقبل أفضل، لنا ولمن يجيئون بعدنا. نحن الآن مسؤولون، عن إعداد مستقبل أفضل للبشرية، للعالم العربي ولمصر. لن يكون هناك مستقبل أفضل إن لم نسع إلى حاضر أفضل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in جون جبرائيل الدومنيكانيّ and tagged , , , . Bookmark the permalink.