(The Danish Girl)الفتاة الدنماركية

المرأة… حياة.!

خالد عاشور  

الفكرة بدأت لعبة.!

واللعبة تطورت الى حقيقة، من لحم ودم، ومع الوقت… نمت الشخصية.. خرجت للضوء بعد ان كانت حبيسة بسجد رجل… أينار ويجنر… الفيلم بدأ سريعا… محايداً…. لم ينحاز الى نوع على حساب الآخر… ليست المشكلة في النوع… المشكلة هنا في الحياة… كيف تريد لحياتك ان تستمر… بداخل كل منا رجل وامرأة.ا 

هكذا ناقش فيلم (الفتاة الدنماركية) الفكرة.. والقصة تحكي عن زوجين من الدنمارك، فى عشرينيات القرن الماضى، يعملان كرسامين تشكيليين.

الزوجة جيردا ويجنر، قامت بدورها الممثلة السويدية (أليسيا فيكاندير– Alicia Vikander)، والزوج آينار ويجنر، وقام بدوره الممثل البريطانى (إيدى ريدماين– Eddie Redmayne ).

بدات اللعبة بغياب الموديل الذي ترسمه زوجته وكلاهما يرسم… عرضت عليه الزوجة ان يقوم هو بدور الموديل… لم تدرك وقتها انها تفتح قبراًً لتدفن فيه زوجها اينار ويجنر… وتخرج بدلا منه (لي لي البي).. وهنا تبدأ القصة الحقيقة التي أخذت من رواية بنفس العنوان للكاتب الأمريكى ديفيد إبرشوت، نشرت عام 2000، وهى مأخوذة عن قصة حقيقة لأول عملية تحول جنسى لرجل الى امرأة فى التاريخ. كاتبة السيناربو لوسيندا كوكسون لم تتقيد بفكرة الرواية فأبدعت.

الفيلم يناقش موضوع شائك.. معقد.. كل من تناوله تناوله اما بسخرية ك(السادة الرجال) في مصر .. وغيرها في الغرب… لم يقع الفيلم – لا في النمطية – ولا في السذاجة في العرض.. ولم يتوغل في علم النفس.. كل ما فعله انه توغل في الأنثى… توغل في روحها وجمالها… تعمق في تشريح ذاتها كأمراة لا كجسد… تعمق الفيلم في مشاعر المرأة دون ابتذال… شارحا بجمال لا يوصف حياتها… وهنا لا استطيع ان انكر عبقرية الممثل الرائع إيدى ريدماين والذي نال قبل هذا عن فيلم (نظرية كل شئ) جائزة أفضل ممثل والذى جسد فيه شخصية عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج. ولا انسى أن اعتبر أن الكلب ذو الوجه المقسوم للونين هو من عبقرية الأسقاط للازدواجية في حياة البطل، أو في نوعه الجنسي.

لم يدافع الفيلم عن قضية التحول الجنسي ولم يقحمك في مشاهدها.. وعلى استحياء تناول تغيرات المرأة من الداخل… وبعبقرية دخل عالمها… دورتها الشهرية وشبقها حينئذ… اعتزاز المرأة بكونها امرأة، حتى لو ارتدت جسد رجل…! لم يقحمنا بمشاكل الدين مع القضية.. فالدين لا يرى النفس البشرية… هو يريدها صاغرة تحت اي نوع.. الدين لا يهتم غير بالجسد.. يحبسه ولا يحرره… ربما اكبر ما تفعله الأديان من خطأ انها تعاقب المرأة على جسدها لكونها امرأة.. في حين ان الطبيعة ذاتها امراة… المرأة هي الحياة.! 

توغل الفيلم في تناقضات النفس البشرية… مشهد (اينار – لي لي ) وهي تدخل بيت لعرض فتايات(الاستربتيز ).. وهي تتحسس جسدها كفتاة الأستربتيز، لتطرد اينار الرجل بقوة.. لتحل مكانه الأنثى(لي لي) في هدوء وصراع نفسي عميق… مشهد اينار (لي لي) وهي تمارس القبلة لأول مرة وتشعر لكونها امراة من الداخل بينما هي محبوسة في جسد اينار… المشهد الأكثر ابداعا وهي تقف امام المراة تتحسس جسدها وتدارها هذا العضو الذكري البغيض بالنسبه لها بين فخذيها لتعود كما تحب (لي لي)… أكان لا بد يا جيردا ان توقظي (لي لي) هذا ما دار في عقل (لي لي) الحديثة الولادة كأمراة، وهي تغادر كونها (اينار) الرجل الفنان زوج (جيردا) الزوجة الرائعة التي قامت بدورها الفنانة (أليسيا فيكاندير) التي لو كان الأمر بيدي لأعطيتها اوسكار احسن دور مساعد بلا تردد.

بعبقرية استطاعت (أليسيا فيكاندير) التعبير عن ارتباك وحيرة مشاعر الزوجة (جيردا)، وانقسامها النفسى بين حبها لزوجها ورغبتها فى أن يجد سعادته في ان يكون امرأة (لي لي)، وقفت الى جانبه حتى النهاية في مشاهد هي الأروع طوال الفيلم.. حيرة المراة جسدتها بروعة وعظمة… المرأة المحطمة التي تفقد اعز ما لديها وهو زوجها الرجل لتسلمه لمراة هي التي اخرجتها للحياة في لعبة عادت عليها بفقدها الزوج.. غير انها وقفت الى جانبه حتى النهاية ولم تخنه حتى في اكثر اوقاتها حاجة اليه… المراة اكثر جمالا حين تحب من الرجل… المراة الحقيقية لا المزيفة.!

ست سنوات زواج القتها خلف مشاعرها لتترك لزوجها ان يخرج المرأة (لي لي) بداخله وتوافق على ان يقوم بعملية تحويل نوع.! بمساعدة صديقة القديم الذي اكتشف اولا كون اينار انثى حين كانوا اطفالا فقبله… وهربت منه حين شعرت بفقد زوجها اينار وتحوله ل (لي لي).. ورغم حاجتها لرجل لم تخن اينار.. واحترمت بداخله (لي لي).!

الفيلم من البداية ركز على كون الانثى هي الحياة… غاص بعبقرية في هذا .. استحضر لنا الأسطورة الأغريقية وأن الأنسان كان في البداية يمتلك النوعين.. رجل وامراة في جسد واحد فلما غضبت عليه الألهة قسمته نصفين.. يبحث كلاهما عن الآخر.!

دور (آينار) أو (لى لى) رشحت للقيام به في البداية الممثلة نيكول كيدمان، غير ان المخرج تون هوبر، اختار “إيدى ريدماين” وهذه عبقرية اشهد له بها… لأنني لم اكن استطيع تصديق نيكول كيدمان كرجل.. ولكن (ايدي ريدماين) اقنعني بعبقرية بالشخصيتين (اينار – لي لي ) .

المخرج توم هوبر كان عبقريا حين تناول شخصياته من الفنانين التشكيليين، وهو ما ظهر منذ تتر البداية، صور فوتوغرافية لمشاهد طبيعية فى الدنمارك… تحديدا المكان الذى نشأ فيه (آينار)… وهى المشاهد التى حولها اينار الفنان إلى لوحات استعادها من ذاكرته.. خاصة لوحة الأشجار الخمس التى ظهرت فى الفيلم.. وفي نهايته بينما تلقي زوجته ايشارب يطير ويتحرر كما تحررت روج زوجها الذي تحول الى (لي لي ) بعد ان تم عمل عملية تحويله بنجاح…. كما أن المخرج توم هوبر وفى مشاهد كثيرة في الفيلم لم يستخدم التواصل البصري للكاميرا أو القطع للانتقال من مشهد لآخر وابدل ذلك بصيادين… أو للبحر مصحوبة بأصوات النوارس… أو لمدينة باريس بشوارعها وسمائها من علو.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, خالد عاشور and tagged , , . Bookmark the permalink.