العالم عشية ظهور المسيحية

روما والديانة “السنكريتيزية” الجامعة Syncrétisme

أرنست وليم  

من الاشياء التي انتهت مع العالم “الوثني” هي حرية كل شخص في تبني ما شاء من دين، بل وفي اداء طقوس اضافية اخرى على ديانته والمشاركة فيها مع الاخرين من باب الرغبة في التمازج أو جلبا لرضى الالهة الموقرة أو قوة الطقس وما له من اثر يُرتجى، بغير حرج على الاطلاق ولا خشية من لوم لائم. فالروماني اعتقد بالفعل، وقبلة العالم الهلينستي كله بحرية الاعتقاد كحق اصيل للفرد حتى وإن كان عبد بما شاء من ايمان محله القلب والاعتقاد. أن لكل شعب آلهته التي تبدو مختلفة ولكنها متقاربة جدا وإن تباينت اسمائها أو القابها فتعددت قوائم الآلهة المتشابهة وأن تمايزت بعناصر اُعتبرت ميزة لشعب تجلت له بشكل أخر – فباستثناء مناسبات معينة يجب اظهار الولاء للإمبراطورية والإمبراطور الممثل لروح الامبراطورية – اي “جينو” أو عبقرية الامبراطورية – بطقس قومي دليل الولاء والانتماء للجامع المشترك الموحد بين شعوبها وأطيافها وأفرادها… فأنهم في غير ذلك جميعهم شعوبا وفرقا وأطياف وأفراد احرارا تماما في ممارسة ما شاءوا من طقس واعتقاد بما ارادوا – وان حرم الرومان في تشريعاتهم استغلال المستضعفين والذبائح البشرية وأعمال النصب باسم الدين أو ممارسة السحر الاسود أو الخروج عن الاداب العامة أو اي شبهة سياسية تحت بند حرية الاعتقاد… لقد كانوا في وثنيتهم عظماء فعلا.

فكثرة قوائم النظائر بين الآلهة:

زيوس – اوزير – سرابيس – هدد – أمون – جوبيتر – اهورا مازدا – براهما… 

عشتار – إنانا – افروديت – فينوس – ايزيس – سبيل… 

تموز – آتيس – ادونيس – اوزير – هرمس – توت أو تحوت – ميثرى…

وأحيانا تختلط القوائم أو تتداخل فكل هذه عقائد لاهوتية مطاطة دليلها الادعاء لقوم خاشعين “مدوشين” “مدروشين” مستثمرة حالة شعورية مؤاتية غير منضبطة بقانون او منهج محكم أو نسق واضح، فهي نتاج تمازج ثقافي لشعوب غلبها الهوى وكاريزما رجال نجهلهم، فمثرى كإله شمسي يصير في قوائم أخرى نظير مارس، حورس، بعل جبيل، سول انفيكتوس، أو “مسيح” أهورا مازدا مثرى المؤله…

إلا أن الجميع ومنذ الإسكندر الاكبر ومشروع الإنسان العالمي الاول تحت تأثير الثقافة الهيلينية [ اليونانية الكلاسكية] في تفاعلها مع الثقافة والديانة والروحانيات الشرقية والتي تمخضت على ما نسميه الثقافة الهيلنستية [ اليونانية الشرقية ] كان ميالا إلى نوع من انواع السنكريتيزم – أي عمل تواليف تفاضلية تكاملية تقرب المسافة بين الثقافات والأديان وإن اخرجت أحيانا نقاط التقاء أو مسخ – ولكنها نجحت في النهاية في خلق عقلية دينية ذات خطوط عريضة مشتركة، فلم تكن قاصرة على توحيد الآلهة وصنع مجمع واحد للآلهة لهم كبير – أمون، زيوس، جوبيتر، بعل، اهورامازدا، براهما، ومن حوله آلهة صغيرة، ذات وظائف محددة – سميت فيما بعد ملائكة للصالحين منهم، وشياطين للأشرار المحبوسة في الهاوية، “هادس”، بل امتدت للأفكار والعقائد أيضا، فصارت فكرة الثواب والعقاب في دار اخرة، وجهنم، ونهاية العالم، ومسيح مخلص، وخلود الروح، والعناية الإلهية، والقدر، والملائكة أو الجينو أو القرين الحارس… أفكار مشتركة في شبه اجماع عليها في جوهرها وأن اختلفت في بعض التفاصيل هنا وهناك.

ومع وجود لغة مشتركة بينهم وهي اليونانية الكوينية – الدارجة، التي صارت لغة التعامل بين الجميع، لغة عالمية –صار ممكن فعلا نشوء ديانة هي نتاج هذا التفاعل التوفيقي المشترك في جله بل وحتى استيعاب الاضداد داخل النسق العام للمذهب الواحد احيانا لتكون ديانة عالمية، لا يشعر أحد أنها غريبة عنه إلا بمقدار بسيط سهل تجاوزه. 

وقد جاهدت ديانات شرقية كثيرة لتصير ديانة مشتركة عالمية – مثل عبادة ايزيس التي لقيت نجاح اكبر من سيرابيس الذي كان من المفترض ان يكون هو المتقدم إذ انه جمع بين اوزير، وزوس – جوبيتر، ثم حققت المثرائية نجاح اكبر مماثل لعبادة الشمس المنتصرة “سول انفيكتوس ” وكلاهما صارا رغم اصلهم الشرقي، الاول فارسي والثاني شرق اوسطي –سوري، إذ صارت ديانة الفيالق الرومانية منذ الامبراطور اورليان 250 م، وقد حاولت الاسرة السورية من اباطرة روما فرضها قبلا خاصة مع الامبراطور المُلقب “إيلاغابال” أو “ايلجاباس” – وهو سوء نطق لأصل اسمه السامي “أيل جبيل” أي الله الجابل، من جبل في اللغات السامية ومنها العربية بمعنى خلق – فتصير الإله الخالق، المرتبط بالشمس لذلك لقب احيانا هليوجاباس، والشمس المنتصرة هي سول انفيكتوس باللاتينية.

 .ثم ظهرت “المانوية” التي اسسها ماني الفارسي، وأوحى له الله بإنجيل آمنت به اعداد كبيرة جدا، وانتشرت شرقا بين البوذيين والفرس والأرمن والمصريين وشمال افريقيا وكامل الامبراطورية الرومانية التي ارادت ان تجمع اليهود والمسيحيين والفرس الزرادشتيين والمازداكيين والبراهمانيين والبوذيين على ديانة واحدة، سنكريتيزية، وكان القديس اغسطينس أحد اتباعها المتحمسين، ورغم قتل برهام الاول ملك الفرس له عام 272 م، ميتة شنيعة استمرت لأكثر من 26 يوما ليلفظ انفاسه الاخيرة تحت ثقل السلاسل وضرب السياط، ثم قطعت رأسه وسلخ جسده وحشي بالقش وعلق على باب مدينة “قدنيشابور” – ايران – ورأى تلاميذه في موته وعذاباته ما رأى المسيحيين فن آلام يسوع المصلوب (*) – ولاقا اتباعه والمؤمنين به ما لاقى المسيحيين من اضطهاد ولنفس الاسباب والتي على رأسها رفضهم الاشتراك في تقديم فروض الطاعة أو العبادة للأوثان أو لرموز الامبراطور والإمبراطورية، وقد شملهم مرسوم ميلانو 313 م _ وكاد العالم بين اختيارين إما المسيحية وإما المانوية… ولكن اعتناق قسطنطين الديانة المسيحية، صنع الفارق طبعا. لو اختار الامبراطور المانوية لصار العالم كله مانويا – فالديانة اختبار سلطان واختيار سياسي وشأن ارضي، هذا هو ما يخبرنا به التاريخ. 

تم على أثر اختيار قسطنطين للمسيحية، منح امتيازات ومال واقطاعات وتسهيلات جعلت المسيحية تتفوق بطبيعة الحال وتنتشر بالمنح والأعطية واللجوستيك في عدة سنوات أكثر مما حققته من نجاح لأكثر من ثلاث قرون. ثم جاء ابناء قسطنطين فواصلوا ما بدأه الاب حتى اعتلى ثيودوسيوس الأول العرش فجعل من المسيحة الديانة الرسمية القانونية الوحيدة عام 391 م – بمرسومه الشهير، ثم ثيودوسيوس الثاني الذي اضطهاد ومنع وحظر كل هذه الديانات باستخدام سلطة روما الباطشة من هدم اخر ما بقي من هياكل على رؤوس اصحابها وتعقب كل مَن لا يؤمن بالمسيحية على انها الحق المبيّن، هذا المرة ليس ادعاء بل تاريخ وواقع.

فانتصرت المسيحية في النهاية بسيف روما، لمسيحية هي نتاج هذا السنكريتيزم، خلاصة معتقد العالم آنذاك، انتصرت المسيحية الهيلينستية الرومانية التي لا علاقة لها بيسوع الناصري الجليلي الذي مات كما مات غيره محكوم عليه بالصلب كمثير فتنه ودعي ملك لم يصب من ملكه شيئا في حياته.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, ارنست وليم and tagged , . Bookmark the permalink.