الاجْتِهَادُ لِفَهْمِ كَوْكَبِ الفِيزْيَاءِ

(تَجْدِيْدُ الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ بِتِقْنِيَاتِ الفِيزْيَاءِ المُعَاصِرَةِ)

د. بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

الفجوة كبيرة وتعد شاسعة بين ما يعتري الوطن العربي من صيحات متعالية ومستدامة تنادي بضرورة تجديد الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى وقد كتابة هذه السطور سوى بعض اللقاءات والندوات والتجمعات الإعلامية التي باتت تؤكد حتمية تجديد الخطاب وتطويره وتجميله ووضع كافة مستحضرات التجميل فوقه وعليه وفي ثناياه أيضا لكن الخطاب نفسه مازال بمنأى عن تداولية المجتمع الفكرية والدينية، وبين ما أطالعه عن قصد بغير ملل أو كلل عن كل جديد بعلم الفيزياء، ربما لأنني أنتمي لقبيلة اللغة العربية دراسة وعملا وكتابة.

لِمَاذَا الفِيزْيَاء الآن؟

لكن تظل الفيزياء بمنأى عن اهتماماتنا الحياتية المعاصرة، ومن سوء أنظمتنا التعليمية المنصرمة أنها أقنعتنا طيلة سنوات الدراسة البائسة أن الفيزياء مادة دراسية تنقضي بإعلان درجة النجاح أو الرسوب فيها، وأن المتخصصين في هذا المبحث المعرفي بمعزل عن الحياة والكوكب الأرضي بأكمله، والحقيقة أن الفيزياء بعيدا عن أهل تخصصها الأكاديميين هي استشراف مستقبلي لحياتنا وآلية أو إحداثية حتمية لفهم واقعنا الآني لرصد ما سنكون عليه بإذن الله في المستقبل البعيد.

هذا باختصار ما سعيت لتقدمة آخر كتب العالم الفيزيائي الأميركي ذي الأصول اليابانية الدكتور ميشيو كاكو Michio Kaku  الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لمشاركته الفعالة في نظرية الأوتار الفائقة والتي تعد بحق إحدى النظريات الاستثنائية الموحدة للطاقات في الكون. والكتاب هو (مستقبل العقل.. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته)  والذي قام بترجمته هذا العام 2017 الدكتور سعد الدين خرفان أستاذ الهندسة الكيميائية بسورية التي لا تزال تل أبيب تسعى وتحاول وتهرول جاهدة إلى تقويض أركانها وتفتيت دعائمها مدعمة بالمد والرفد الأميركي.

مِن الخِطَابِ الدِّيْنِيِّ إلى الفِيزْيَاءِ :

وثمة علاقة وطيدة بين ما تسعى إليه جملة من البلدان العربية لتجديد الخطاب الديني وبين الثورة الفيزيائية الاستشرافية التي يقدمها لنا ميشيو كاكو في كتابه، وهي علاقة العلم بتطور الفكر لدى المجتمعات، وعلاقة تمكين المهارات العقلية وصولا إلى خلود المعرفة نسبيا وبين قمع التفكير والغلو في التكفير وشيوع التيارات الراديكالية المتطرفة.

وميشيو كاكو الذي يعمل أستاذا للفيزياء النظرية بجامعة سيتي في نيويورك ومؤلف العديد من الكتب العلمية ذائعة الشهرة والانتشار مثل كتب (الفضاء المفرط)، و(ما بعد آينشتاين)، و (فيزياء المستحيل)، و (فيزياء المستقبل) يشير إلى أن العقل والكون هما أعظم سرين من أسرار الطبيعة كلها، ومع التقدم الواسع والمتسارع في تقنيات العلم تمكن العلماء من تصوير مجرات تبعد عنا مليارات السنوات الضوئية، والتصرف بالجينات التي تتحكم في الحياة، وتفحُّص المسار الداخلي للذرة، لكن يفجؤنا كاكو بحقيقة أن العقل والكون مازالا يفلتان منا، ومازالا يثيران دهشتنا، مؤكدا أنهما ـ العقل والكون ـ الجبهتان الأكثر غموضًا وإثارة في العلم.

ورغم أن المهتمين بتجديد الخطاب الديني وبمواجهة الفكر المتطرف لايزالوا في صالة الانتظار أمام الخطاب نفسه دون الاستبصار إلى طبيعة العقل الذي ينتج هذا الخطاب سواء كان متطرفا مغاليا في تكفير الآخر، أم متوازنًا مع طبيعة المجتمع المدني الباحث عن هوية طبيعية، نجد الفيزياء أكثر شغفًا بالعقل المنتج لكافة أنماط الخطابات الفكرية والدينية والاجتماعية، لاسيما وأن التطورات المعاصرة في الفيزياء خلال العقد المنصرم أسهمت في تفسير بعض إنجازات العقل.

فباستخدام تقنية MRI  أمكن للعلماء قراءة الأفكار التي تدور بعقولنا، هذا حقاً، بل ربما يندهش المهمومون بتجديد الخطاب الديني ـ وأنا من هؤلاء ـ بأن علماء شركة IBM  حاليا مغرورقون بإمكانية التواصل بالعقل مع الحاسبات الإلكترونية كبديل عن استخدام الفأرة أو الصوت، ليس هذا فحسب، بل دفع الفواتير ببطاقة الائتمان عن طريق قراءة الأفكار وتأليف أعمال موسيقية باهرة. وربما سيقص أحفادي بعد قرون قصصهم عن ما تناوله ميشيو كاكو في كتابه من أن العقل سيتحرر يوما ما في المستقبل البعيد من قيود الجسد، ليتجول بين النجوم، وربما سيكون بإمكان المرء أن يضع مخططاته العصبية بالكامل على أشعة الليزر وإرسالها بعد ذلك إلى أعماق الفضاء.

ووسط استكمال الدهشة التي تعتريني وغيري من استراتيجيات مواجهة التطرف الفكري والديني ومحاربة شيوخ وأئمة الزوايا التي أنتجتها ثقافة مبارك ودعمتها السنة الاستثنائية المضافة إلى عقود مبارك التعليمية على أيدي الجماعة التي حكمت مصر بغير خطة أو رؤية تستند إلى موجهات للعقل، تطالعنا الفيزياء العجيبة بأن أحدث آلة في أدوات عمل عالم الأعصاب وأكثرها دهشة وإثارة هي الجينات الضوئية Optigenetics ، والتي اعتبرها عدد كبير من العلماء بأنها ضرب من الخيال أو المستحيل، لأنها بالفعل كما يشير ميشيو كاكو عصا سحرية تسمح للمرء من خلالها تنشيط ممرات معينة تتحكم في السلوك بتسليط شعاع ضوئي على الدماغ.

حسنًا، ما فائدة هذه الآلة ونحن بصدد تجديد خطابنا الفكري والديني وربما السياسي أيضا في عالمنا العربي المعاصر؟

باختصار شديد أثبت علماء الفيزياء أن باستخدام هذه التقنية المثيرة والمعروفة بـ Optigenetics   يمكن التحكم ببعض تصرفات الحيوان، وبإدارة مفتاح ضوئي من الممكن جعل ذباب الفاكهة يطير فجأة، والديدان تتوقف عن التلوي، والفئران تجري بجنون في دوائر، وحتى التجارب على البشر أصبحت موضع نقاش الآن.

مِن الفِيزْيَاءِ إلى الخَِطَابِ الدِّيْنِيِّ :

ولاتزال فكرة مواجهة التطرف الفكري والديني تؤرق الأنظمة السياسية ومن بينها النظام المصري بالضرورة، لأن ظاهرة التطرف كما تفطنها أصغر بناتي تشكل معضلة وعائقا أمام عجلات التنمية والاقتصاد والحلااك الاجتماعي الإيجابي، ولهذا فكرت مصر في تشكيل لجنة وطنية لمواجهة التطرف الفكري لاسيما في جنوب مصر، والحق أقول إنني شاركت في إحدى جلساتها بمقر صندوق التنمية الثقافية منذ أكثر من شهر وقدمت خطة لا أدعي أنها تتسم بالتكامل والشمول لمواجهة الظاهرة لكنها على الأقل تفي بمواجهة التطرف الفكري في الجامعات لا عن طريق قمع الحريات أو استلاب الآراء الطلابية بقدر ما هي تسعى لتفعيل واستغلال طاقات ومهارات الطالب الجامعي بغرض إشراكه في تحريك تلك العجلات التنموية والاقتصادية والاجتماعية. 

وخطورة ظاهرة التطرف الفكري تتمثل في كونها مهادًا للإرهاب الذي يعصف بالأخضر واليابس، وظاهرة الإرهاب هي بالفعل التي تقوض المجتمعات المدنية التي ترنو إلى التقدم أو التطور فيأتيها هذا الوحش الكاسر ليقضي بآمالها وأحلامها.

          ولعل أبرز أسباب انتشار الراديكالية قهر الحوار وقمع الحريات، لذلك ارتبط التطرف الفكر بالعنف السياسي، وبدا إن أية محاولة للإفراط في التفكير الجانح هي خطوة رئيسة للتطرف ومن ثم الإرهاب الذي تجاوز تخوم الكلمة وحدودها إلى إرهاب الجسد والإيذاء البدني.

ولا شك أن هناك علاقة وطيدة بين التطرف الفكري وتمكين العقل، حيث إن المتطرف غالبا كما تشير كافة الدراسات النفسية والاجتماعية المتأصلة في هذا المجال إلى أنه لا يتسم بسعة الأفق بل بالضيق، وهذا ما يجعله فريسة سهلة القنص للتيارات الراديكالية التي تسعى إلى إحداث حالة من الفوضى والتمزق السياسي تحت ستار الدين غالبا، واستغلال الصراعات السياسية. والكارثة أن مجتمعا كالذي نعيش في كنفه يتسم بالثقافة والتنوير إلا أن دور المثقف نفسه صوب إحداثيات التطرف والعنف والإرهاب بات باهتا وأضعف من أن يشار نحوه بقليل من الضوء.

فالمثقف المصري لا يمتلك قدرة على استشراف الخطر بصفة عامة، وعادة ما أتعجب من أمر الذين يصرون على إلصاق أسمائهم بلقب المفكر لاسيما وأنهم تنتابهم فجأة ظهور مثل هذه الحركات والتنظيمات في الوقت الذي كان أمامهم متسع من الزمن يسمح لهم بتجديد خطابهم الثقافي وتهيئة العقل العربي لاستقبال التنوير، وظل المثقف المصري ينتظر أية إحداثيات جديدة في المشهد السياسي والديني دون أن يبدأ في حركة التثوير المرتقبة والمنتظرة منهم فكانت النتيجة ظهور تيارات مناوئة تستهدف تقويض المنطقة كلها تحت رعاية أمريكية بعدما اقتنعت الإدارة الأمريكية بعدم جدوى التدخل المباشر وخصوصاً المكابدات التي لحقت بالقوات الأمريكية في العراق وكذلك ما تكبدته من خسائر اقتصادية أرهقت ميزانيتها عقب نجاح الثورات العربية تحديداً في مصر وتونس فكان من الأفضل لديهم الالتجاء إلى تدعيم فصائل قصيرة العمر تاريخياً من أجل زعزعة الاستقرار السياسي والاجتماعي وتفتيت القوى التي يمكن أن تناهض الكيان الصهيوني ومصالح الإدارة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن أصحاب الفكر الراديكالي بحاجة ماسة إلى مراجعات فقهية وأخرى مجتمعية، فإن أدوار المثقف والمفكر العربي اليوم أصبحت بحاجة إلى ثمة مراجعات فقهية من زاوية إعادة النظر إلى أحداث المشهد السياسي المعاصر، وليس الاكتفاء بالتعليق على الأحداث، وعلى سبيل المثال إذا كان تنظيم الدولة الإسلامية قد فكر وخطط ودبر فإن رهان نجاح هذا التنظيم مشروط بمدى مشاركة المثقفين الوطنيين في تجديد الخطاب الديني ومواجهة الفكر المتطرف بواقعية، والبقاء في حالة مشاركة مستدامة مع الحدث وليس الاقتناع بمقعد المشاهد السلبي.

وإذا حاولنا رصد الفكر المتطرف وأسباب انتشاره المتسارع فإن الرائي يدرك على الفور شيوع فكرة نظرية المؤامرة المتأصلة لدى أولئك معتنقي الفكر المتشدد، وأصحاب النظرية أنفسهم يرون ضرورة السخط على كافة الأوضاع في المجتمع بدءًا برئيس الدولة انتهاءً بأصغر موظف في الدولة يحمل بطاقة تموينية.

وما أخطر على الدولة المصرية التي تبادر إلى تثبيت أركانها بثبات المواطن نفسه من الرفد الغربي لصناعة الكيانات السرية المتطرفة، والهدف الأساسي لهذا الرفد الغربي هو تفتيت الداخل وتقويضه وزعزعة أركانه. وبمراجعة فكر بعض المتطرفين وفقا لتصريحاتهم الصحافية ولقاءاتهم الفضائية وجدت أنهم تعرضوا لمبادرات موجهة من قبل أمراء التيارات المتطرفة كان سعيها التشكيك في نصوص الفقهاء المعتدلين المتقدمين والمتأخرين على السواء، وصولا بهم إلى الاقتناع بفكرة التعالي عن كل النظريات والفلسفات والتيارات الفكرية المتباينة.

ومخطئ من يظن أن الأمم حينما تنكسر أو تنحدر قيمها الفكرية والاجتماعية وتنحسر في قوقعة الأفول يبزغ التطرف وينتشر الإرهاب والعنف، بل إن معظم الحضارات المشرقة والمتقدمة يكثر أعداؤها بصور محمومة، وتاريخنا الإسلامي كفيل بسرد حقائق تفيد أن معظم التيارات والطوائف المتطرفة تسارعت في انتشارها وقت الصعود الحضاري.

ومن أجمل وأمتع ما قرأته من توصيف لأصحاب الفكر المتطرف هو ما قدمه الدكتور طريف شوقي في مقالته الماتعة التي استهدفت بناء استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري، فلقد قدم توصيفا لمحددات الفكر المتطرف يمكن من خلالها فعلا مواجهة هذا الفكر لآليات ومحددات واقعية فعالة. فلقد قدم ثمة محددات لأصحاب الفكر المتطرف منها ضعف التحكم الانفعالي، ونقص المهارات النقدية، وبزوغ المفهوم غير الواقعي عن الذات، وضعف الارتباط الوجداني والعاطفي، والغياب النسبي للتنشئة النقدية في الأسرة. وغير ذلك من محددات أراها وربما يراها غيري أيضا كفيلة بوضع استراتيجية لمواجهة التطرف الفكري والديني.

لكن الأهم من هذا كله ما قدمه الدكتور طريف من أساليب واقعية لمواجهة التطرف يمكن إجمالها في الانفتاح على الخبرات المتنوعة وتحليلها، وحث الفرد على البحث عن أصل المسائل الفقهية، وتدريب المواطن على عمليات المحاججة. وفي الأخيرة لقد قدمت بحثا في نهايات 2015 استهدف تدريب الطلاب الجامعيين على استخدام تقنيات الكتابة الحجاجية الإقناعية وهي نمط ضروري ومهم لمواجهة أصحاب الفكر الأحادي الذي لا يقبل الحوار ولا يعترف بالاجتهاد ولا يفطن لحقيقة الحجاجية.

والأجدى من كل هذا أيضا أطمح أن تسعى اللجنة المشكلة لمواجهة التطرف الفكري إلى تركيز الخطاب الديني الذي لم يجدد حتى لحظة الكتابة الآنية على إبراز الدور النقدي الإيجابي لدى الفرد. ولذلك هناك ضرورة لتمكين العقل وتنمية مهاراته لدى الأفراد وحث الجامعات على استحداث مقررات للتفكير الناقد والإبداعي.

العَوْدَةُ إلى كَوْكَبِ الفِيزْيَاءِ :

تحت عنوان جانبي ” كيف يفهم الفيزيائيون الكون؟ ” بكتاب العالم الفيزيائي الياباني ميشيو كاكو (مستقبل العقل) يخبرنا المؤلف أن علماء الفيزياء حينما يحاولون فهم شئ ـ كظاهرتي التطرف والإرهاب مثلا ـ يجمع البيانات أولا، ثم يقترح نموذجا أو استراتيجية عمل عبارة عن نسخة بسيطة عن الموضوع الذي يدرسه بحيث تلتقط تفاصيله الرئيسة، ويمكن للعالم الفيزيائي توصيف هذا النموذج بسلسلة من المتغيرات، ثم يستخدم الفيزيائي نموذجه للتنبؤ بالتطور المستقبلي بتمثيل حركاته. هذا باختصار ما ينبغي أن يكترث به القائمون على أمر تجديد الخطاب الديني لا من حيث المبادرات السريعة المفاجئة، لكن من حيث تدبر الظاهرة وتحليلها واستقرائها بعناية.

ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , , . Bookmark the permalink.