!!هؤلاء الذين حرموا تشريح الموتى وحللوا حرق الناس أحياء

 أرنست وليم 

التشريح بهدف المعرفة العلمية التجريبية الخالصة، بعيدا عن الطقس المرتبط بالذبح أو التحنيط حيث اختلطت المفاهيم ولم ينتج ربما إلا القليل من المعرفة العلمية التي شوهتها الخرافة وقتلتها الاسطورة، عُرفت ولأول مرة في تاريخنا المعروف في الاسكندرية البطلمية ومنذ القرن الثالث قبل الميلاد مع إرادة رجل اراد ان تكون مدينته، وإن لم تحمل اسمه، هي عاصمة الدنيا وشعاع نور للعالم بالعلم في كل ميادينه، أنه بطليموس الاول سوتير، أي المخلص ( 367 – 383 ق.م )، ومن جاء بعده من سلالته بطليموس الثاني والثالث الذين حملوا المشعل – فإن لم يتركوا اسمهم على المدينة تركوا اسمهم على عصر كامل: العصر البطلمي.

فبينما كان تشريح الجثث لمقاصد علمية/طبية محرما في كل مكان في العالم القديم، كان ذلك ممكنا ولأول مرة في التاريخ، بشكل اكيد (1)، في المدرسة العلمية بالإسكندرية البطلمية – ففيها ظهر، دون ملاحقة من سلطة سخيفة تحتكم لرأي رجال دين وأصحاب اساطير ومشعوذين، وأصحاب الحياة بعد الحياة والجسد من طين لطين، رجل دعي ابو علم التشريح بحق: ” هيروفيلوس الخلقدوني” ( حوالي 320 – 250 ق.م ) الذي هاجر مدينته “خلقيدونيا” في اسيا الصغرى ليجد في الاسكندرية أرض لا تهرطق علمائها… فميز بين الشرايين والأوردة مع اهتمام خاص لدراسة النبض وعلاقته بالصحة العامة، وبين الاعصاب الحسية – المستقبلة، والأعصاب المسئولة عن ردود الفعال الإرادية والا-إرادية وفي علاقتها بالجهاز العصبي المركزي، وعرض عرضا تشريحيا إكلينيكي لكل عضو في جسم الإنسان وإفرازاته أو ميكانيزما عمله… ووضع موسوعة في تسع مجلدات رئيسة في التشريح ذكرها كثير من الكتاب، وكان من بينهم  جالينوس الذي عاصر الطاعون الانطوني، ولكنها لم تكن في متناول يدهم منها غير عناوينها مع بعض الاقتباسات الصغيرة، إذ انها حرقت مع ما حريق من مكتبة الاسكندرية الأول (2)

كان من الممكن لفخر الدين الرازي ( 780 – 923 م) الذي لقب “جالينوس العرب” أو “لأبن سينا” ( 980 – 1073 م) الذي دعي “بابقراط العرب” أن يتقدمان اكثر من ذلك بكثير لولا اعتمادهم على ملاحظات جالينوس بعد أن ضاعت كتابات ابو التشريح في 30 ق.م حيث الحريق الذي كاد أن يؤدي بحياة يوليس قيصر المنشغل عن الحرب بعشقه لكليوباترا – وما كان عندهم من باعث ديني أو لتحريم الدولة الدينية القائمة آنذاك لحرمة تشريح جسد البشر، تحد بند حرمة الموتى.

 ويبدوا من الملاحظات الدقيقة التي عرفها المؤرخ والفيلسوف والطبيب عبد اللطيف البغدادي والتي ذكرها في كتابه: ” الافادة والاعتبار في الامور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر “، عن الهياكل العظمية وخاصة الجماجم حيث لاحظ  ان الفك السفلي ليس له مفاصل كما ادعى جالينوس، كانت بنت الصدفة التي اوجدته في مصر في ايام المجاعة العظيمة التي ضربت بلاد النيل في القرن الثاني عشر، حيث تركت الجثث في كبرى المدن على قارعة الطريق تتحلل لكثرة عدد الموتى، ثم جاء العالم الكبير أبن النفيس ( 1213 م – 1288 م) العالم والفيلسوف، ورغم نفيه انه قام بتشريح جثث لبشر، خوفا بالتأكيد من السلطة الدينية واتهامه في دينه من قبل الفقهاء والمشايخ وهياج الرعاع، إلا ان كل ملاحظاته تؤكد انه فعل ذلك كثيرا إذ يقول اكثر من مرة في كتابه “شرح تشريح القانون”: “يقول المبجل جالينوس [كذا] والتشريح يكذبه ”  – فقد كان أول من قال أن الدم يمر من التجويف الايمن للقلب إلى الرئة حيث يختلط الدم بالهواء الآتي من عملية الشهيق، ومنه إلى التجويف الايسر متخذا مساره هذا عن طريق الوريد الشرياني. والاكثر أهمية نفيه لما قال به جالينوس وبعده ابن سينا من أن هناك فتحات او ثقوب صغيرة بين تجاويف القلب تسمع بمرور الدم عبرها – فهذا الوصف الدقيق لا يمكن أن يقوله من لم يقل بالتشريح. وما كان لعلم يقوم بغير هذا الفن قبل ان يكون متاحا التصوير عبر الجسد بالأشعة السينية أو الرنين المغناطيسي أو التصوير الطبقي او الفوق صوتي – السونار – أو البث البوزيتروني – الحقن بمادة مشعة… إلخ.  

مرت ثلاث قرون حتى تُرجم كتاب ابن النفيس  ” شرح تشريح القانون” إلى اللاتينة على يد “أنريا ألباجو” عام 1520 م، ثم طبع في البندقية عام 1547 م – مما جعله متاحا لكل دارسي الطب، ليحل محل كتاب ابن سينا “القانون” الذي كان درة العلم في عصره شرقا وغربا لقرون، إذ صوب كثير مما جاء فيه وشهد القاصي والداني أنه الأكثر علما بعد ابن سينا – وقد لُقب بدوره “بابن سينا الثاني”.

ومن الجدير بالذكر، لشرح هذا التداخل بين العلم والدين، أن “ميشيل سرفيتو” العالم الاسباني – والرياضي والفلكي والكيمائي واللاهوتي كان من أول المتلقفين لهذا الكتاب، ولكل الكتابات المترجمة من الشرق الذي كان مفتاح أوربا إلى اكتشاف العالم القديم، حتى لقبه المصلح البروتستنتي الشهير “مارتن لوثر” بالمراكشي، تحقيرا واستخفافا به، فقد كان المصلح البروتستنتي الاشهر، شهيرا بسلاطة اللسان ايضا. 

 ورغم انه نشر عدة مطبوعات له خاصة بالطب، إلا أنه وعلى غير المتوقع، ذكر في كتابه اللاهوتي الذي طبع عام  1552 م بعنوان “استرداد المسيحية” أو “ارجاع المسيحية” بمعنى اعادة المسيحية إلى وضعها الصحيح – ما جاء من شرح ابن النفيس فيما يختص بالدورة الدموية وتشريح القلب وعمل الجهاز التنفسي في تجديد الدم.

هذا الكتاب هو ما سيحرق معه في 27 اكتوبر عام 1553 م – بعد أن صوت جميع اعضاء محكمة التفتيش البروتستنتية في جنيف، بزعامة وتحريض “جون كالفن” مؤسس الكنيسة الكالفينية المشهورة حول العالم اليوم بالكنيسة الاصلاحية – أو كنيسة الاصلاح – ومنها طائفة كبيرو في مصر – عندما صرخ كالفن، “أما أنا وإما هو” – فكان هو.

وصدر الحكم بحرقه بالإجماع الكامل، ووضع هذا الكتاب على رقبته بعد أن وضع على رأسه “ظعبوط”  الهرطقة، القرطاس الطويل للشيطان – وفي الساعة الثانية من بعد الظهر أمطرت السماء فكان الحطب مبلولا، ولم يشأ الذين رفضوا توسله أن تقطع رأسه بالسيف لا الموت حرقا – أن يستبدلوا الحطب بأخر جاف حتى يعجل من النهاية في عذاب اقل ! ورغم انهم قبلوا منه ما قدمه لهم من اخر ما يحمله من خواتم ذهبية إلا أنهم قبلوا الهدية وضنوا على انفسهم مشقة استبدال الحطب أو لإبقاء لذة التشفي ومتعة رؤيا هرطوقي يحرق لفترة اطول – أنهم بروتستانت يا سادة، من اصحاب الايمان بالخلاص على اساس الايمان، الايمان الذي خلصهم من سلطان الكنيسة الكاثوليكية على ايمانهم ولكنه لم يخلصهم من سلطان الشيطان على قلوبهم – أن بين المؤمن والإنسانية إشكالية يصعب فهمها ولكن تسهل رؤيتها دائما.

 وأشعلوا النيران التي حرقته على نار هادئة، واستمر بعد الحرق اكثر من ثلاث ارباع ساعة يلفظ فيها انفاسه في عذاب ما بعده عذاب…

لقد حُكم عليه قبلا من قبل الكاثوليك بعد ان قُبض عليه في فيينا – فبراير عام 1553 م،، فحكم عليه في فينا من محكمة التفتيش الكاثوليكية في 17 يونيو من نفس العام بالحرق غيابيا، لأنه كان قد نجح في الهرب إلى جنيف – سويسرا معقل البروتستنتية الاصلاحية، معتقدا أن البروتستنت اقل بشاعة وهمجية وتوحش وشيطانية من الكاثوليك، فبينما حرق الكاثوليك مجسم من الخشب والقش وعلى رقبته ذات الكتاب – قام البروتستنت بحرق الأصل – وبئس التاريخ تاريخ هؤلاء على أولئك.

.-******

(*)  الصورة المرفقة هي في الموضع الذي حرق فيه ميشيل سرفيتو، في جنيف… لقد تقدم هؤلاء لأنهم اعترفوا بماضيهم بغير زيف – فإن لم يكن الماضي مجيد، فالحاضر والمستقبل مجيدا بصدقهم.

 (1) بعض الباحثين يرى أن عالم اسمه “الكمايون القرطوني” قد سبق ” هيروفيلوس الخلقدوني” إلى علم التشريح – وهو من علماء القرن السادس قبل الميلاد – إلا أن كل ما عرف عنه هو تشريح الحيوانات حية وميته فقط، توصل بالفعل لملومات قيمة ولكن لم يكن هناك بديل فيما يخص الطب البشري، والطب بشكل عام من تشريح الجسم البشري وهو ما قام به هيروفيل حيث وجد في الاسكندرية ما يسمح له بذلك. ( انظر مقال الاستاذ ابراهيم البجلاتي: التشريح – فن الطب وعلم الفن التشكيلي – جريدة الفنون – عن المجلس القومي للثقافة والفنون والآداب – الكويت )

 (2)H.N. Sallam, « L’ancienne école de médecine d’Alexandrie », Gynécol. Obstét. Fertil., vol. 30, 2001.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, ارنست وليم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.