سأخبرك يا عزيزى: لماذا (تونس) على خطى العلمانية والريادة؟

محمد ملازم  

” سأخبرك ياعزيزى كيف جفف التعليم التونسى منذ زمن ينابيع التعصب أى رهاب الاختلاف الذى هو الجذر التربيعى لعداء (المرأة وغير المسلم والعقل والحداثة)..

هذا برنامج تعليمى كانت وجهته منذ البداية ادخال الفلسفة (البرنامج الفرنسى) منذ بداية التسعينات للسنتين الاخيرتين من التعليم الثانوى والى جميع الاختصاصات بما فيها الطب والدراسات الدينية لتدريب طلبتها على اكتساب الفكر النقدى الذى يقدم كل ادعاء دينى أو دنيوى أمام محكمة العقل لمساءلته عن شرعيته العقلانية ويحصن عقولهم ضد الاحكام المسبقة والجمود الذهنى والنرجسية الجمعية ووهم الحقيقة المطلقة وتعليمهم أن الحقيقة المطلقة الوحيدة هى أن لا شىء بمطلق لان كل حقيقة هى دائما جزء من حقيقة أشمل برسم الاكتشاف، وبادخال تدريس الاعلان العالمى لحقوق الانسان والمواثيق اللاحقة التى عمقته والكفيلة بتحرير وعى الشباب من سطوة قيمتى (الحلال والحرام) الشرعيتين وتخصيبه بالقيم الانسانية والكونية وتحصينه ضد انتهاكها والسكوت عن انتهاكها، وبدخال علوم الحداثة الى دراسة الظاهرة الدينية لجعلها فى متناول العقل لاكتشاف أسرارها ودلالاتها التاريخية، الاجتماعية والنفسية سواء من خلال تاريخ الاديان المقارن الذى يلقى أضواء على المسارات التاريخية لتكون الاديان وتطورها وتلاقحها.

فلا سبيل لفهم تاريخى للديانات التوحيدية الحية، اليهودية، المسيحية، الاسلام، من دون مقارنتها بالديانات الوثنية الميتة، البابلية والمصرية خاصة، التى تطورت عنها، أو من خلال السسيولوجيا الدينية الضرورية لفهم وظائف الدين فى رهانات الفاعلين الاجتماعيين الذين كثيرا ما يستخدمونه لاهداف دنيوية، أو دراسة الظاهرة الدينية بعلم النفس للكشف عن الحاجتين الاساسيتين اللتين يلبيهما الدين : حاجة الكائن الانسانى الهش نفسيا أو اجتماعيا للحماية الابوية، وحاجة النرجسية البشرية الى البقاء والخلود.

ان تدريس الفلسفة الحديثة ياعزيزى غائب عن معظم دول (المنطقة العربية) ربما باستثناء الامارات والتى طلبت اساتذة للفلسفة من تونس، ولكن فى معظم الدول العربية تدرس الفلسفة فى الثانوية كتلقين وهو ما ينفى الفلسفة لان التلقين والفلسفة ضدان لا يجتمعان. وحدها (تونس) التى ترجمت البرنامج الفرنسى للفلسفة ترجمة وبالطبع البرنامج الفرنسى يستبعد كل تلقين فبرنامج الفلسفة عبارة عن نصوص لمختلف الفلاسفة من الاغريق حتى الفلسفة الحديثة والمؤكد انه برنامج يطلب من التلميذ أن يفكر فيها بنفسه بعيدا عن التلقين وغسل الادمغة، وفى تونس تدرس الفلسفة فى السنتين الاخيرتين من التعليم الثانوى لتدريب نخب الغد على التفكير بنفسها لا بأقوال وأفعال أسلافها. فلذلك هذا المشروع كان كفيل خلال عقود بتخريج نخبه ذات وعى غير سلفى وفى العقود التالية يمتلك القدرة على تخريج نخب ذات وعى معاصر تماما للعصر واحداثياته.

فلذلك كانت وحدها تونس التى شرعت غداة الاستقلال 1956 فى اصلاح الاسلام انطلاقا من تحديث خطبة الجمعة وقوانين الاحوال الشخصية فألغت ” مفسدة تعدد الزوجات ” كم أسماها الامام (محمد عبده)، الطلاق التعسفى، الزواج المبكر الذى يمنع الفتاة من اتمام تعليمها الثانوى، وأعطت الحق فى الاجهاض والحد من النسل

ولابد هنا اشارة للسادة الذين يستشعرون بالضيق والاسى لمثل هذا التغيير والتدخل والذى يرونه هجوم على المقدسات والتعاليم الدينية بأسم مبدأ السيادة والهوية لابد الاشارة ياسادة بأن : كل مشكل قومى لا يحل فى الوقت المناسب يتحول الى مشكل دولى لان الحدود بين الداخل والخارج اخذه فى التلاشى، فالسوق الدولية والعولمة وثورة المعلومات والتكنولوجيا، عمقت التبعية المتبادلة بين جميع الامم، وما زالت تعجز النخب العربية عن حل مشكلاتها المزمنة، وأود التذكير هنا لامور مشابهه لعل تجدون فيها العبرة ومنها : ان الجمهورية الاسلامية الايرانية لم (تعلق) حد الرجم، الذى ذهب ضحيته فى العقد الاول للثورة 1200 امرأة الا بفضل تدخل الاتحاد الاوروبى. ولم ينس شيوخ الازهر اعتراضهم منذ ثلاثين عاما على دمج المرأة فى سلك القضاء بأنها ” عاطفية ” الا عندما أحسوا بضغوط خارجية قوية، فلم يعترضوا على تعيين امرأة فى مجلس الدولة والحال أن 23% من القضاة التونسيين نساء.

ان اصلاح العالم العربى والاسلامى دينيا، سياسيا، اقتصاديا، تعليميا، مهمة فوق وسائله، اذا ترك لوحده ومصلحة مشتركة بينه وبين الانسانية، التى يهمها قطع الطريق على فوضى عالمية دامية بأسم ” الجهاد الى قيام الساعة ” أو امتلاك أسلحة الدمار الشامل أو غيرها من الجنون والاهواء.

  فيا عزيزى المصدوم او المصعوق بما يحدث فى تونس ولا تدرى بميكانيزم التغيير والحداثة اريد أن أشير لك ياصديقى واقول لك كما قال المفكر الجزائرى (العفيف الاحضر) فى احدى مقالاته عن النرجسية الدينية والذى اشار فيها الى : ” ان الانطواء النرجسى على الذات واللااهتمام بالعالم الخارجى مع افراط فى تقدير صورة الذات الجليلة (هو فى الواقع تعويض لصورة الذات المستبطنة سلبا) هو عرض الاصابة النرجسية.

فان تجليات النرجسية الدينية الاسلامية عديدة منها حظر زواج المسلمة بغير المسلم ” غير المكافىء لها “. بالمعروف بين بعض القبائل البدائية التى تحرم الزواج من خارج القبيلة، وكما تجلى فى تقديس اللغة العربية التى تماهت بالقران وهو ما أعاق تطوير رسمها ونحوها واثراء معجمها بالمصطلحات الغربية على غرار العبرية التى عبرنت 90% من مصطلحاتها. العرب، كما لاحظ مالك بن نبى، فتنتهم لغتهم الجميلة فحولوها الى وثن يعبدونه. مؤخرا أفتى القرضاوى بتحريم كتابة القران بغير الرسم العثمانى الهيروغليفى والحال ان ابن خلدون حبذ تغييره كما قال، ومنها اخيرا نسخ الاسلام لجميع الديانات! 

فالاعلام والتعليم خاصة الدينى يعيدان الانتاج الموسع لهذه النرجسية. الاعلام بما هو مدرسة بلا جدران يدخل التعصب والهذيان النرجسى الى كل مكان، كما ينتج التعليم الدينى بالتسلسل أجيالا من المهووسين بنقاء الهوية الدينية مثل هوس النازيين بنقاء الهوية العرقية، كما استولى على النازيين رهاب تمازج القوميات والثقافات بالامس أصيب اليوم دعاة النرجسية الدينية برهاب تلاقح الاسلام مع الديانات والثقافات الاخرى. النرجسية الدينية تخضع لنفس منطق النرجسية القومية : تحويل التفاوت التاريخى بين الثقافات والقوميات الى تفاوت طبيعى، جوهرانى واخيرا حتمية سحق العرق الارى ” الاعلى ” لجميع الاعراق ” الدنيا ” فى النازية وحتمية انتصار الاسلام ” الدين الوحيد الحق ” على جميع الديانات ” الباطلة ” فى النرجسية الدينية.

فهذا بالطبع باستثناء التعليم الدينى التونسى والذى رفض هذا الخطاب وتصالح مع واقع وذهنية وقيم عصره، فما زال التعليم الدينى الذى أعد مناهجه وكون المكلفين بتنفيذها جماعات ذات طموح سياسى كبير ومن لف لفهم، صناعة تفبرك فقهاء الارهاب وتحقن الادمغه والطلبة والشعوب بسعار النرجسية الدينية ومنها سأذكر امثلة بداخل مناهج : ” الاديان التى يتبعها الناس كثيرة (..) لكن الدين الحق واحد هو دين الاسلام اما الاديان الاخرى فهى باطلة ” (محمد بن عبد الوهاب ” التوحيد ” ص 33، الدرس الثالث عشر طبعة وزارة التعليم، الرياض)

” الاديان الاخرى مهلكة لصاحبها ” (نفس المصدر)، الاسلام ليس مستقبل البشرية المحتوم وحسب بل مستقبل الجن أيضا “، ” العالم كله من انس وجن يجب عليه ان يدخل فى الاسلام ويترك أديانه الباطلة والا فان مصيره النار ” (نفس المصدر ص 34).

لا عجب من أن تكتب هذه الشخصية السايكوباتية، والتى هدمت قبور الصحابة وقبر الحسين فى كربلاء وقتلت شيعتها بمن فيهم النساء والاطفال، هذا الهذاء النرجسى الاقصائى. المذهل حقا أن ” يلقن للاطفال فى الاعدادية ليبث فيهم العجز عن الاعتراف بمبدأ الواقع، الانطواء على الذات، الحب الحصرى للذات، الاقصاء الراديكالى للاخر، قيادة الناس الى الجنة بالسلاسل، الهوس بنقاء الهوية، جنون العظمة، التعصب، الطائفية والارهاب

ان الشعوب التى استطاعت الدخول الى الحداثة هى تلك التى نجحت فى فك تماهيها مع ماضيها. (ألمانيا) لم تدخل فى الحداثة الا بعد اقامة الحداد مرتين على تراثها، (اليابان) اقامت الحداد على تراثها مرتين لسنتى 1868 و 1945. فى الاولى أقامت بثورة الميجى، الحداد على جانب ثقافتها الاقطاعية وصولا أخيرا الى تبنى الدساتير ونظم التعليم الحديثة. لا تستطيع اليوم أية ثقافة أن تصمد الا اذا حدثت نفسها ويسرت نفسها لتحبب نفسها لابنائها.

والان سؤال المرحلة الذى واجب كل فرد مسلم ان يسأله لنفسه (ما العمل لتحرير الشعور واللاشعور الاسلاميين من وجوب ” مخالفة الكفار ” و ” غزوهم الفكرى ” ؟

هناك امكانيتان : الاولى تحققت فى ايران التى حققت بثورتها الاسلامية نرجسيتها الدينية حتى اخر فانتازم، فخالفت الكفار فى كل شىء كما زعمت ونادت : حرمت موسيقاهم وقيمهم وأغلقت المؤسسة الدراسية أربع سنوات لاسلمة المعرفة والمناهج وهكذا، وفى نفس الوقت، تجاوزت نرجسيتها الدينية عبر تحقيقها. فتحرر مسلموها من الحنين الى دولة المهدى المنتظر بعدما أحبطهم ظهورها فلم يتعرفوا على أحلامهم وأوهامهم فى الجمهورية الاسلامية التى حولت بلادهم الى سجن كبير غلق ايران فى وجه الحضارة الغربية والذى أوجد شهية انتهاك المحظور دائما. والاغرب اكثر ان شيعة ايران هم اليوم اكثر شعوب العالم الاسلامى استغرابا وعلمانية

اما الامكانية الثانية الاقل ألما ودما وهى اعادة ثقة العرب المسلمين بأنفسهم بما فيه الكفاية لينفتحوا على الغرب. وكلما انفتحوا أكثر وحققوا تنمية أكثر كلما تعزز احترامهم لانفسهم وثقتهم فيها.

فلذلك كان وسيكون الحل فى احلال تعليم دينى تنويرى محل تعليم النرجسية الدينية السائدة هو الطريق الملكى لبلوغ هذا الهدف : اكتساب احترام الذات والثقة فى النفس لاقامة الحداد على وجوب مخالفة الكفار والولاء والبراء وايات السيف والجهاد الى قيام الساعة وتطبيق الشريعة واحتقار العقل والمرأة وغير المسلم والحنين الى دولة الخلافة الراشدة واستعادة الاندلس واقامة حكم اسلامى فى فرنسا فى الخمسين عاما القادمة !

تعويض النصوص الظلامية فى التعليم الدينى بنصوص عقلانية من المعتزلة والفلاسفة والمصلحين والكتاب المعاصرين تدربهم على التفكير بأنفسهم وعلى الانفتاح والحوار والتأخى الانسانى كما رسخت هذا المناهج التونسية.

تدريس حقوق الانسان والفلسفة فى جميع مستويات وفروع التعليم الادبى، العلمى المهنى والدينى، كما هو الحال فى تونس، لفتح الوعى الاسلامى للقيم الكونية والفكر النقدى الذى يعلمه رد الفعل الصحى بوضع نفسه موضع تساؤل وليس يقين بالحقيقة المطلقة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, محمد ملازم and tagged , , , . Bookmark the permalink.