!هل سيدفن البرلمان الهندسة الطبية فى مقابر الصدقة؟

د. خالد منتصر  

الطب بدون هندسة طبية يعود بنا إلى عصر الكهنة والسحَرة والعلاج بالراوند والبردقوش، الطب الحديث بنى مجده وتقدمه وإبهاره على أكتاف الفيزياء والكيمياء والرياضيات وعلوم الكمبيوتر، بمجرد دخولك إلى أى مستشفى محترم ستجد بصمات الهندسة الطبية الحيوية فى كل حجرة، وستشم أنفاس المهندس الطبى فى كل ركن، يكفى أن تنظر إلى جهاز الرنين المغناطيسى والسونار ومضخة الأنسولين والأذن الصناعية وغسيل الكلى والجاما كاميرا والماموجراف وجهاز رسم العضلات… إلخ، تخيلوا هذا المهندس الذى يدرس أصعب منهج علمى يجمع بين الطب والهندسة، بين التشريح والفسيولوجى والميكانيكا والكمبيوتر، تخيلوا هذا المهندس الذى لا بد أن نحتفظ به كجوهرة نفيسة نادرة نفاخر بها العالم كله، ألقينا به فى سلة قمامة الإحباط والاكتئاب، وأجبرناه على الهجرة لاعناً اليوم الذى دخل فيه هذا القسم كواحد من أوائل الكلية، وكتبنا فى خانة بطاقته مهندس كهربا!

كانت قد وصلتنى عدة رسائل من خريجى قسم الهندسة الطبية تصرخ من الظلم والإهمال، تفوقوا ودرسوا وسهروا وراهنوا على المستقبل، لكن النتيجة «صفر»، نفق معتم فى بلد صار فيه الطب سبوبة، والمهندس سباك صيانة، وإدارة المستشفيات سبوبة سمسرة لمناقصات الأجهزة الطبية، صار المهندس الطبى مجرد بصمجى على مناقصة، أو حامل ملفات ومفكات، أو مجرد محلل لزواج الفساد من الطب، وعقد قران النصب على الصحة، فوجئت بأن قانون الصيادلة الذى على وشك أن يوافق عليه البرلمان يسحب آخر طوق نجاة لمهندسى الأجهزة الطبية ويمنحه للصيادلة، ولم يرتفع إلا صوت الدكتورة شيرين فراج، عضو مجلس النواب، التى رفضت القانون، وقالت إن ما جاء بمواد قانون الصيدلة بإعطاء حق بيع وتسجيل الأجهزة والمستلزمات الطبية للصيادلة، يعد تغوّلاً جسيماً على مهنة الهندسة الطبية، مؤكدة أن الصيدلى معنىّ بدراسة الدواء، وهذا مجال تخصصه، فى حين أن الصيادلة لا يقومون بدراسة الأجهزة والمستلزمات الطبية، وهى خارج نطاق تخصصهم، وأشارت د. شيرين إلى أن ما جاء بمواد القانون فى هذا الأمر مرفوض تماماً، لأنه يعطى حقاً لمن لا يملك علماً أو معرفة على أصحاب العلم والمعرفه الأصليين والمتخصصين فى الأجهزة الطبية، وهم خريجو الهندسة الطبية بكليات الهندسة، متسائلة: هل يعلم الصيادلة طرق عمل أجهزة الأشعة والموجات فوق الصوتية والرنين المغناطيسى؟ وهل تطرقوا لدراستها؟

أحسست بعمق المرارة التى يتحدث بها صديق يعمل بمجال الهندسة الطبية، وهو يقول لى: «هذه المهنة فى مصر، فى اعتقادى أنها أصبحت جثة هامدة، ومهندسوها تم إعداد مقبرة جماعية لهم، فأعداد الطلاب المقبلين على القسم فى هبوط دائم وفى انحدار دائم، أما الخريجون فهم غير مقبلين على الماجستير أو الدكتوراه، وذلك بسبب أنهم لا يرون مستقبلاً لهذه المهنة فى مصر، ومعظم المهندسين الآن فى الخارج بل ينصحون الباقين بالسفر، وعلى سبيل المثال (من إجمالى 12000، يوجد نحو 6000 فى مصر)، وهذا رقم تقريبى»، هل من الحصافة والحكمة يا مجلس النواب أن تضيف إلى إحباط هؤلاء المهندسين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم تفوقوا، إحباطاً جديداً، لأن فئة عددها كبير وضخم وهم الصيادلة يريدون مساحة جديدة من الكعكة تستقوى على تلك الفئة القليلة من أصحاب التخصص والخبرة؟!، الأسهل بدلاً من مناقشة القانون هو دفن تخصص الهندسة الطبية فى مقابر الصدقة، وأخذ العزاء فى «عمر مكرم»!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Medcical امحوتب كلينك, د. خالد منتصر and tagged , , , . Bookmark the permalink.