!بيني وبين انحناءات جسدها متران وبركان

عايشة حسين عبد الواحد  

بروكسيل،بلجيكا، 2010 الساعة الحادية عشر ليلا، توقفت الأمطار لتوها عن الهطول مخلفة ورائها بضع قطرات من الماء علي أرضية الشوارع والتي تنعكس عليها أضواء المصابيح الصفراء فتبدو الأرضيات وكأنها تلمع، أسير مترنحا وأنا أرتدي معطفي الصوفي الأسود وألف وشاحي الفلسطيني المخطط بالأبيض والأسود حول رقبتي، كنت أدندن أغنية “لويس أرمسترونغ” “what a beautiful world” وأتراقص في حلقات دائرية وحيدا كالأبله في الشارع وعلي الرغم من أنني كنت أحمل حقيبة الغيتار علي ظهري إلا أنني لم أشعر بالثقل قط بل كنت كطائر محلقٍ في الأفق البعيد بلا قيود وهذا هو ما يفعله بك سحر هذه المدينة الآخاذ،جئت إليّ بلجيكا منذ عامين، كنت قد حصلت علي بكالوريوس العلوم من جامعة الأسكندرية وتقدمت للحصول علي رسالة الماجستير في التكنولوجيا الحيوية من إحدي الجامعات البلجيكية وبالفعل تم قبولي، في الأجازة الأسبوعية الأولي اصطحبني أصدقائي إليّ إحدي الحانات التي تُعزف بها موسيقي الجاز، يقولون أن موسيقي الجاز كالأوبرا إما أن تعشقها أو تبغضها منذ الوهلة الأولي، إما أن تؤلم أذنيك أو تلتحم بأدق ثنايا روحك، أما عني فقدت وقعت في غرامها منذ البداية فتركت الجامعة واشتريت بنصف القسط الخاص بباقي نفقاتي الدراسية غيتارا والنصف الأخير سجلت به اسمي في دورة لتعليم عزف الجاز ثم التحقت بعد ذلك بفرقة موسيقية، سلبت بلجيكا لبي منذ البداية رغم برودتها القارسة إلا أن كل شَيْءٍ في هذه المدينة يبعث فيك الدفء؛ معمارها التاريخي الجميل، روائح الشيكولا الساخنة مشتجرة بروائح أرقي العطور، راقصو السالسا والتانجو والفالس الذين يملؤون الشوارع، عازفو الكمان في محطات القطار، وابتسامات العجائز أصحاب المخابز صباحا، وأصوات موسيقي البلوز والجاز والبوب التي تحيط بك من كل حدبٍ وصوبٍ ليلا، لا مجال في مثل هذه المدينة للحزن، إنها تحيا فيك ما أماته جنودالإحتلال والحكومات القمعية والأنظمة المستبدة!

أخيرا وصلت إليّ شارعي حيث أقطن عند نهايته علي اليسار في سكن تمتلكه عجوز بلجيكية من أصول فلسطينية، عندما رأت شالي الفلسطيني لأول مرة اغرورقت عيناها بالدموع وضمتني إليّ صدرها كأم عاد إليها ابنها الضال وازدادت أساريرها انفراجا عندما علمت أني هجين بنصفٍ مصري والآخر فلسطيني، أما علي يمين الشارع ترتص العاملات بالجنس أمام “الڤتارين” الخاصة بالمحلات، ترتدي كلٍ منهن فستان شديد القصر وتغطي ما تبقي من ساقيها بجوارب سوداء شفافة بها فتحات ثم تضعن فوق هذا الفستان معطفا من الصوف بألوان زاهية كالبرتقالي والأصفر والزهري تماما كألوان أحمر الشفاه الصاخبة التي يضعنها لجذب انتباه الزبائن،بعضهن شقراوات بالخلقة، والبعض يصبغن شعرهن صبغات شقراء ردئية والبعض الآخر يضعن الشعر المستعار الأشقر ويريحن أنفسهن، أجسادهن هزيلة شديدة النحافة، وجوههن شاحبة، لشدة تشابههن تشعر كما لو كنَّ ممسوخات!

أسير في المنتصف وأنا أفكر أن هنا في بلجيكا العشر دقائق من ممارسة الجنس تكلفك عشرة يورو أي ما أجنيه أنا في ساعة، أي أنني لو عملت كعاهرة لمدة ثلاث ساعات يوميا لمدة أسبوع سأغطي جميع نفقاتي الشهرية من ايجار سكن وطعام وشراب وكهرباء وماء ومواصلات !!، اللعنة !بما تفكر بحق الجحيم يا “بيچاد” !، ثم أبدأ في الضحك علي نفسي، وبينما أنا في خضم أفكاري تلك، ظهرت هي كشبح من حيث لا أدري عند آخر “ڤاترينة” في الشارع وأمام منزلي علي الجانب الآخر بالضبط، شعرها أسود داكن، ترتدي فستانا قصيرا لكن ليس بقصر الأخريات ومعطفا رماديا ولا تلبس أية جوارب، لا تضع أحمر الشفاه ولكنها تضع قليلا من الكحل لتحد به حواف عينيها، لديها تلك الشامة السوداء الضخمة فوق شفتها العليا والتي أجزمت بحدسي الذكوري أنها طبيعية وليست مرسومة، تستند بظهرها علي زجاج ” الڤاترينة”، غير معنية بتاتا بمرور الزبائن من الرجال، تمسك في يديها كتابا تقرأه واستطعت بنظرتي المتفحصة لها أن ألمح اسمه “la princesse de Babylone”، عاهرة تقرأ لڤولتير !، ما هذا بحق الشيطان؟.

 وقفت أمام بوابة المنزل أفتش في ميدالية المفاتيح عن المفتاح الخاص بالبوابة وفجأة أحسست بيد تلمس ذراعي بكل هدوء وتهمس في أذني بكل رفق : لقد رأيتك وأنت تراقبني!، سقطت الميدالية علي الأرض، توترت كثيرا، تعرق جبيني، تجمدت أحبالي الصوتي فلم أستطع أنا أنبس بنبت شفة أدافع بها عن نفسي، حاولت أن التفت إليها حتي وجدتها تهمس في أذني مرة أخري بلكنة فرنسية تتخللها بعض العربية الركيكة والتي أدركت بفراستي ودرايتي الواسعة باللهجات أنها عربية مغربية: أرغب في حمام ساخنٍ..!، تسمرتُ أمام جرأتها الغريبة قرابة العشر دقائق، أحملق بها وأنا أفكر فيما طلبته لتوها، أي بائعة هوي تلك التي تطلب من رجل مجرد حماما ساخنا، هل هي وسيلة لعوب جديدة لاستدراجه للجنس وإجباره علي دفع المال، أما أنها حقا لا تريد سوي حماما وفي هذه الحالة هل يعد ذلك امتهانا لذكورتي ألا يجذب عاهرة فيَّ كرجل سوي صابوني السائل و”ليفة” الاستحمام الخاصة بي؟!، علي أية حال صعدنا معا إليّ الاستديو، دلفت هي من الباب بكل أريحية وثقة، انطلقت إليّ الحمام بخطيً ثابتة كأنها تعيش هنا، أما أنا فجلست علي الفراش أخلع حذائي، لحظتها تذكرت أن باب الحمام لا يحكم إغلاقه وبحاجة إليّ الصيانة وأنا لم أهتم بصيانته بصفتي رجل يحيا وحيدا،. وعلي حين غرة انفتح الباب علي مصرعيه وظهرت تلك المرأة عارية تماما أسفل المياه، شاهدتها وهيا تستحم بفطرة مراهق يمارس الجنس لأول مرة، يختبر لذة الوصول الأولي، ينتفض جسده وكأنما الكهرباء تسري فيه دون أن يفهم لماذا.

يخفق قلبه كماكينة لا تتوقف تروسها عن الدوران، يدفعه جسده دون أي مقاومة نحو الكمال، ذلك اليقين اللحظي ألا شيء يهم في هذه الحياة سوي الجسد الذي يحترق بين يديك شوقا،كانت تتمايل تحت المياه بشعرها الغجري الأسود وسمارها البرونزي الأمازيغي، تبرز عظمتا عنقها باحمرار مثير وتتوسطهما شامة سوداء كالتي تعلو شفتيها، تتدحرج المياه علي ثدييها واللذين تشعر من تدويرتهما أنهما شمسان برونزيتان، تنتصب حلمتاها النبيذيتان كلؤلؤتين، تضع الصابون السائل فينسال بكل انسيابية علي جسدها لفرط نعومته عدا البعض منه والذي يستقر لبضع ثوانٍ في سرّتها، تلك السرَّة التي لها مركزيتها الخاصة فهي رابطة العقد التي تفصل بين حياتك الدنيا وفردوسك الأبدية، ترفع شعرها ليتعري ظهرها بذلك الخط الذي في المنتصف والذي تتفرع منه يمينا ويسارا ثنيات جسدها فيبدو كشجرة تمد أغصانها بعيدا، يزين جسدها وشم لثعبان الكوبرا، يرتخي ذيله بلفاته أسفل ظهرها ويمتد رأسه لفوق قرب عنقها وينتهي لسانه يميناً عند تلك الغمازة في كتفها من الخلف، كان جسدها بفوضويته وجرأته وعذوبته خليط بين لوحة فنية ل “سلفادور دالي” وقصيدة شعرية ل “لا مارتين” وسمفونية ل “موزارت“…!

 كان حضاريا وهمجيا، يجمع بين فجاجة امرؤ القيس وكياسة عنترة، تارة تحرض رجولتك بشراسة لبؤة وتارة أخري تمر بمحاذاتها دون أن تمسسها بهذا الاستفزاز الحميمي الذي يبقيك علي نار هادئة لا يطفئك ولا يضرمك، كانت امرأة صاخبة أكثر من اللازم للحد الذي لا ضوضاء أنثوية بعدها تُسمع، كان جمالها قاسيا ووعرا يجعل أنفاسك تلهث لمحاولةفقط إيجاد نقطة ارتكاز تستقر فيها، ظللت أراقبها بإمعان قرابة الخمسة عشر دقيقة حتي انهيت حمامها وفِي الواقع لا أدري إن كانت لاحظتني وأنا أشاهدها أم لا، ها هي تقترب الإلهة أو ربما الشيطانة تلف منشفة حول جسدها وأخري حول شعرها، اقتربت مني وأنا جالس علي الفراش وقفت بين قدمي وضعت رأسي علي صدرها وعانقتني ثم تمسكت بذراعيَّ ووضعتهما عند خصرها، لحظتها فقط تشبثت بها طويلا دون وعي، ثم ابتعدت لتكمل ارتداء باقي ثيابها، أما أنا فلاحظت وشما آخرا عند ذراعها كان مكتوب بالعربية “كلارا”، غادرتني كلارا دون أن أودعها، دون أن تسمع صوتي لمرة واحدة، غادرتني وغادرني شيء معها تلك الليلة، شيء من السلام الداخلي، شيءٌ من السكينة، وشيءٌ من الوطن، رحلت ولم أرها لمرة أخري في حياتي،رحلت ولم تترك لي سوي كلمة من خمسة أحرف لا أدري إن كان اسمها حقا بالإضافة إليّ منشفة تحمل رائحتها..!

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, عايشة حسين عبد الواحد and tagged , . Bookmark the permalink.