الذكرى الخطرة: مذبحة رابعة وصلب المسيح

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ 

للإيمان المسيحيّ ذكرى أخرويَّة يجب أن تنفتح على المستقبل: «الإيمان المسيحيّ سلوك، فيه يتذكَّر الإنسان وعود الله والرجاء الذي عشناه بفضل هذه الوعود، الإيمان هو سلوك نعيش فيه بفضل ما حدث في الماضي من صدق الله. يكتمل الإيمان في ذكرى الآلام: موت وقيامة يسوع المسيح. فالتاريخ ليس تاريخ المنتصرين والناجحين فحسب، بل هو تاريخ الخاسرين والمقتولين أيضًا.

يشدّد اللاهوتي الألمانيّ متس على أنَّ الروحانيّة هي التعبير عن الذكرى الخطرة لموت وقيامة يسوع المسيح. كما يبرز أهمّية الذكرى في الخبرة البشريَّة. فهذه الخبرة معبَّرٌ عنها في روايات الذاكرة. الذكرى هي التي تمنح الإنسان هُويَّته التاريخيَّة. وتتكوَّن هذه الهُويَّة حينما تنهض هذه الذكريات. لقد تكوَّنت هويَّة العبيد عن طريق انتزاعهم من جماعاتهم التاريخيَّة وتشويه ذاكرتهم.

 أصبح الوضع الراهن يقدِّم التاريخ بلا بداية ولا نهاية. في هذا الخطاب، يصبح الخلاص نتيجةً لتحكُّمٍ زائد يُمارَس على طبيعة التاريخ، من خلال سيطرة العلوم، وقبضة التكنولوجيّا والتحكّم السياسيّ. وهكذا يُفَسَّر التاريخ على أنَّه تاريخ الانتصار وتاريخ النجاح. ولا مكان لذكرى الخاسرين وآمالهم الضائعة أو المحبَطة. بهذا المعنى، الذاكرة هي في قلب تكوين ضميرنا الجماعيّ، إلاَّ أنَّها ذاكرة انتقائيَّة لا تتذكَّر إلاَّ انتصارَ الأقوياء؛ وتحطِّم الضحايا، مكوِّنةً بذلك ضميرًا مزيَّفًا لماضينا، وتشتت التضامن لتنعت الضحايا بالنهم الكبيرة وتسجنها في إطار سواء دينيّ أو إيديولوجيّ أو عرقيّ، فيصبحُ التاريخ أفيونًا لحاضرنا. عندما تعمل الذاكرة بهذه الطريقة يستمرّ التاريخ – الواقع كما كان في الماضي، لا يجد أمامه أيّ عوائق. وتستمرّ دبّابة التاريخ في سحق معارضيها وفقرائها وضعفائها

الذكرى الخطرة

ذكريات خطرة تستفزّنا، ذكريات تُسلِّطُ فيها خبراتُ الماضي ضوءًا باهرًا، وتعيد إلى يومنا حَدْسًا جديدًا وخطرًا لحاضرنا. تسلِّطُ نورًا قاسيًا يغشّى الأبصار على المشكلة التي اعتدنا عليها منذ زمنٍ طويل، وعلى تفاهة ادِّعائنا بالواقعيَّة. تفجِّر هذه الذكريات واحدةً من أكثر الاتِّساقات سيطرةً وتحمل في داخلها جوانب تخريبيَّة. ستُختَبَر هذه الذكريات كلقاءاتٍ خطرة واستحضار للماضي لا يمكن التنبّؤ به. مع هذه الذكريات يجب أن نستحضر معها ذكريات تحتوي المستقبل. فليس من قُبيل الصدفة أن تتَّخذ النظم القمعيَّة الشموليَّة تشويه الذاكرة سمةً أساسيَّة لها. يبدأ تدجين الإنسان ما أن نبدأ بنزع ذكرياته. هنا يكمن مبدأ كلِّ استعمار وبالأخصّ الداخليّ وهو الأخطر.

تلك الذاكرة تصدمنا وتُخرِجنا ممَّا اعتدنا عليه؛ ويحدث ذلك لحظة نعي بحقيقة آلام البشر. يُطلق متس على ذكرى آلام البشر اسم الذكرى الخطرة، لأنَّها «تُعرقِل» تطوّر المنطق اللاَّسرديّ للطريقة التي عليها الأشياء، وتكشف رؤًى جديدة وخطرة للحاضر. هذا الكشف عن الأفكار الخطرة مدمِّرٌ لأنَّه يُظهر انتقادًا للأمور التي لم نعد ننتقدها. بالنسبة للمسيحيّين، ذكرى الآلام خطرة لأنَّها لا تكمن ببساطة في النظر إلى الماضي، كما لو كنَّا ننقِّب عن الآثار، ولكن في النظر نحو المستقبل ” الذي نرى فيه الوعود التي أبرَمَها الله، ” و ” الرجاء الذي عشناه نتيجةً لهذه الوعود “. إنَّ ذكرى الآلام البشريَّة ” تجثم على صدورنا” وتجعل الحاضر أقلَّ ثقةً، لأنَّها تحطِّم النظرة المنتشرة للوعي بالحاضر؛ وهذا على ضوء الرجاء المُنتَظَر. تقوم هذه الذكريات بتمحيص الحاضر على ضوء المستقبل الذي وعد الله به

أرى مع اللاهوتيّ متس أنّ الإيمان المسيحيَّ مرتبطًا بحدث خاصّ: الذكرى الخطرة لموت وقيامة يسوع المسيح، التي حطَّمت القوى السياسيَّة والعنف المتأصِّل. والتي يجب أن تفتح عيونناعلى آلام الأبرياء. دور الكنيسة النبويّ يجعلها في الوقت عينه حاملة وشاهدة أمام العالم لهذه الذكرى الخطرة المرتبطة بضحايا التاريح كلّ الضحايا مهما كان جنسهم أو دينهم.

على الإيمان أن يترجَّى مستقبلًا خاصًّا للإنسان، ومستقبلًا خاصًّا بوضع المسحوقين واليائسين والمظلومين في العالم »والروحانيَّة التي تضع في محور تفكيرها الذكرى الخطرة للألم ستترتَّب عليها نتائج جذريَّة على المستوى الشخصيّ والسياسيّ. وستتشكَّل ممارسة الذاكرة عندما يتعهَّد المسيحيّون بالتضامن مع ضحايا العنف من أجل التغلّب على الآلام الناتجة عن معارضة القهر والظلم على ضوء وعود الله

الدعوة إلى التضامن (البابا فرنسيس في رسائله)

الدعوة إلى التضامن التي يوجِّهها تعليم الكنيسة الاجتماعي والبابا فرنسيس لا يمكن خلطها مع التعاطف. إنَّ التضامن المسيحيَّ الحقيقيَّ هو شامل. «يمتدُّ إلى من كانوا مُسَيطرًا عليهم ومنسيّين. فالتصنيف اللاَّهوتيّ للتضامن يكشف في الواقع عن جانبه الصوفيّ والشامل في قلب ذاكرة التضامن مع الأموات”. فقطّ ” عندما يكون هناك وجهة نظر شاملة سيستطيع التضامن أن يتحقَّق »]. يتطلَّب هذا التضامن الجذريّ انفتاحًا يقوم بالاهتداء الشخصيّ الذي يخلق الإرادة لتقاسم المعاناة مع الآخرين. سيعي المسيحيّون ليس بما يجب معرفته كوعي يسمح لهم بالوصول إلى الآخرين. آخذين بعين الاعتبار الذكرى المسيحيَّة للألم، سيصبح واضحًا أنَّ كلَّ أشكال السيطرة الاجتماعيَّة والقوى السياسيَّة، عليها أن تبرِّر ذاتها أمام الآلام الحاضرة

على القوى الاجتماعيَّة والسياسيَّة أن تعي بمدى المعاناة التي يقع فيها الأبرياء.هذه النظرة إلى الإيمان تخلق تضامنًا حقيقيًّا مع ضحايا العنف والفقر، وتوسِّع آفاقنا الشخصيَّة والسياسيَّة، وتنشِّط تصوّراتنا حول الرجاء الأخرويّ المتمثِّل في أنَّ العدالة ستتحقَّق كما عبَّرت عنها وعود الله التي تحقَّقَت في القيامة وسيدان القتلة والظالمون أمام التاريخ وأمام الله العادل.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in جون جبرائيل الدومنيكانيّ and tagged , , , . Bookmark the permalink.