كيف تشاركا في اقتسامِ الدَّجاجة

قصَّة قصيرة

 إبراهيم يوسف – لبنان  

إلى سارة وليندا ومنال ومريم وأشواق..

وإلى رجاء وسمر ونور.. وندى، وكل الأمهات

ممن تأسرُ قلوبَ أطفالهن حكاياتُ ما قبل النوم

قبلَ الطّوفان وتمادي البشر في المظالم والفسادِ والطُّغيان، لم تكنِ القططُ من عداد الحيواناتِ على ظهْرِ سفينةِ النّجاة، لأنها لم تكن مَخْلوقَة بعد. لكنْ؛ حينَما انتشرتِ القوارضُ والفئران..؟ وأخذتْ تلتهمُ مَخْزونَ الطّوْفِ من الزاد، أوحى الله لنوح كما تقولُ الحكاية، أن يضربَ الأسدَ على رأسِه؛ وحينما فعلْ..؟ عطسَ السَّبعُ فانحدَرَ من منخريه زوجانِ من القطط ذكراً وأنثى.

ثم تولَّتِ الهررة منذ ذلك الوقت، مَهَمَّةَ القضاءِ على القوارضِ والزواحفِ والهوام. أمَّا وقد تَغَيَّرَ الزّمن، وَتَقَلّصَتْ قدرةُ القططِ عن النّيلِ من الفئران..!؟ بل تصادقت معها وتحولت هذه السنّوريات إلىدمىًتطيبُ ملاطفتُها فحسب، تولّى البشرُ بأنفسِهم مَهَمّة القضاءِ على الكائناتِ التي تزعجُهم، باللجوءِ إلى السموم ومختلفِ أنواعِ المبيدات، دون أن يستثنوا أو يَتسامحوا مع أمثالِهم من بني الإنسان.

ولو أن ثيسيوس” في الأساطيرِ اليونانيَّة القديمة، كانَ يدركُ مدى ذكاءِ الفئران في المناورةِ واالتّعاطي مع القطط، وقدرتِها على اكتشافِ الطريقِ الصحيح المؤدِّي إلى خارجِ المتاهة..؟ لكانَ بعدَ أن أنجزَ مَهَمَّة القضاءِ على “المينوتور”، قد لجأ إلى جرذٍ يساعدُه على الخلاصِ من قلبِ المتاهة، بدلاً من مساعدةِ “أريانا” التي أحبَّتْه وأرشدَتْه إلى طريقةِ الخروج، وزوَّدَتْه ببكرةِ الخيطان.

كذلك؛ يتحدثُ صاحبُ طاحونةِ البلدة عن تجاربِه المُدْهِشة، ونوادرِه الفريدة ويقول: أعْيَتْني كلُّ وسائلِ الكمائنِ وأنواع السّمومِ والأشراكِ، للنّيلِ من جرذٍ لئيم تسلطَ على أكياسِ القمحِ، ومختلفِ أصنافِ الحبوب، فتمادى كثيراً في تبديدِ وإتلافِ مخزون المطحنة، وعاثَ فساداً في نظافتِها من مخلفاتِ بَعْرِهِ المقزِّز الكريه. ولمّا كانتِ الحاجة أمَّ الاختراع..؟ فقد لجأتُ إلى مكيدة أعددتها بنفسي ليقعَ الجرذُ في قبضتي..؟

واهتديتُ بعد تفكيرٍ طويل، كيف أنتقمُ من الجرذِ العصيِّ اللئيم..؟ عندما توسَّلتُ قطعة خشبٍ مستطيلةَ الشّكل، كتلك التي يتأرجحُ عليها الأطفالُ بالجلوسِ على الطرفين، حينما يعلو طفلٌ على طرف..؟ ينخفضُ الآخرُ على الجانبِ الثاني، دون أن يتجاوزَ عرضُ الخشبةِ،عمّا يزيدُ عن حاجةِ الجرذِ وراحتِه في المرور.

ثم اخترتُ مكاناً “استراتيجياً” بمحاذاة جدارِ المخزن، ليكونَ ممراً إجبارياً للجرذِ يقودُه إلى دجاجةٍ مشوية، وضعتُها على طرفِ الخشبة، ووضعتُ تحتَ الدّجاجةِ برميلاً عميقاً في قعرهِ مادةٌ كيمائية قاتلة، تتكوَّنُ من حمضِ”النِّيتريك”أو”ماءِ النّار” كمّا سمَّاه جابرُ بن حيَّان. ويتمتعُ هذا الحمضُ الكيماويّ بقدرةٍ هائلةٍ على إحداثِ حروقٍ خطيرة تقتلُ الضّحيّة فوراً. هكذا سأنتقم وأقضي على الجرذِ الحقير بأبشعَ ميتة أعدَّها المختصون في عالم الأحماض القاتلة والسموم، فأتخلّصُ من شرِّه خلالَ لحظاتٍ لاتزيدُ عن الثواني. وهذا هو الرّسم التقريبيّ الذي توسلتُه لتنفيذِ العملية.

هكذا؛ اجتهدَ الرَّجلُ في الحيلةِ المُبْتكَرة، والتدقيقِ في تركيزِ الخشبةِ من وسطِها، حيثُ تكونُ نقطةُ المفصلِ شديدة الحساسية، تتمايلُ باللوحة كما الأرجوحة بفعلِ أخف الأوزانِ على أحدِ الجانبين، فما إن يبلغ الجرذ الدّجاجةَ على الطرف..؟ حتى يهويَ بفعل الوزن والجاذبيَّة مع حركةِ الخشبةِ إلى أسفل، ويقعَ في برميلِ المادّةِ القاتلة ويتخلّصَ منه بالضّربةِ القاضية. من يدري..؟ ربما قبلَ أن يلمسَ الدجاجةَ المشوية..!

أتى الرَّجلُ إلى الطاحونةِ مبكراً صباحَ اليومِ التّالي، آملاً أن تنجحَ خطتُه فيشفي غليله بالنَّيلِ من هذا الوغدِ الكريه؛ ليجدَ عظامَ الدَّجاجةِ مبعثرةً على الأرضِ عاريةً من اللحم، والوعاء خالٍ إلاّ من السائل المميت.

عادَ الطَّحان إلى التفكير ماذا سيفعلُ من جديد، ليعدَّ خطةً بديلة ببراعةٍ أعلى ودهاءٍ أكبر هذه المرَّة..؟ فأخذَ بعينِ الاعتبار بعضَ التفاصيلِ الإضافيَّة، واجتهدَ على نحوٍ أفضل في احتسابِ وزنِ الجرذِ، وقياسِ المسافةِ بين نقطةِ الارتكاز وثقلِ الدَّجاجة، مستعيناً بحساباتِ معادلةِ الرّافعة، بما لا يتجاوزُ خطأ المسافةِ فيها “بمليميتراتٍ” وما لا يتخطّى أو يقل عن الوزنَ ببضعةِ “غراماتٍ” لا تزيد، حيث تتأرجحُ الخشبةُ في الوسط على نقطةِ الارتكاز بضمانةٍ أكبر، وتهوي بالجرذِ إلى الهلاك المؤكد.

بعد أن عدَّل الخطّة الموضوعة بعناية بالغة، وحساباتٍ أدقّ واحتمالاتٍ أوسع، وحينما تأكَّدَ من حساسيةِ اللوحةِ بخطأٍ لا يتعدّى الواحدَ في الألف..! راحَ فاشترى للمرّةِ الثانية دجاجةً دسمة أخرى، وَزَنَها بدقةٍ وَحَسَبَ المسافةَ من مركزِ الثقلِ إلى المفصل. ثم وضعَها حيث ينبغي في النقطةِ المحدَّدة من اللوحة.

 وحرصَ بالتّالي أن تكونَ الدَّجاجةُ، فوقَ منتصفِ فوهةِ البرميلِ؛ المَصْيَدَة. كانَ واثقاً كثيراً من نجاحِ الخطةِ الجديدة، فقبلَ أن يلامسَ فمُ الجرذِ الدّجاجةَ المُحَمَّرَة، سيقع في الفخِّ حتماً، وهذا هو الرسمُ التقريبيّ الآخر للخطةِ البديلةِ المُعَدّلة.

اطمأنَّ خاطرُ الرجلِ وهدأ بالُه إلى التعديلاتِ الحاصِلة بدقةٍ متناهية، وانصرف إلى منزله فنامَ ليلتَه آمناً مطمئناً أنّ الجرذَ مائتٌ غداً لا محالة. حتى أنّه من فيضِ هواجسِه..؟ رأى فيما يراهُ النائمُ أن خطَّتَه نجحتْ تماماً؛ فأوقعَ بالجرذِ اللعينِ وأحرقَه بالنّارِ انتقاماً مضاعفا، ثم رماهُ مع قاذورات المطحنة، وتخلّص من شرِّه إلى الأبد.

عندَ الصَّباح نهضَ الرَّجلُ من نومِهِ نشيطاً متفائلاً، وعجَّلَ بالتَّوجهِ إلى الطاحونة. كانَ قلبُه يدقُّ على عجل عندما فتح بابَ المخزنِ وأنار مصباحَ الكهرباء، ليصابَ بالدَّهشةِ والخيبةِ وهو يرى بعينِه كيفَ فشلتْ خطّتُه البارعة، وكيف أحبَطَها الجرذُ الماكرُ للمرَّةِ الثانية..!؟ فعظامُ الدَّجاجةِ كانت مبعثرة في سائرِ زوايا المخزن، عاريةً من الجلدِ واللحمِ معا. وتعجَّب الطحَّان أشدّ العجب.. كيف لجرذٍ أن يلتهمَ دجاجة كاملة؛ تساوي حجمه أو أكثر..!؟

كان الطَّحان رجلاً عصامياً متعلّماً وعنيداً لا يستسلمُ بسهولة. كافحَ عمراً بحاله وحَقَّقَ له ولعيالِه مستقبلاً ماليّاً مرموقاً بفضلِ المطحنة، حينما باشرَ تجارةَ الحبوبِ في سنٍّ مبكرة، بعد أن انقطعَ عن الدراسة وأنهى الثانوية العامة، وكانَ طالباً مقصِّراً في الآداب مُجِدّاً ومميزاً في الفيزياء والكيمياء والرياضيات وسائر العلوم الأخرى. لكنْ يومَ مات أبوه وآلتْ إليه الطاحونة بالوراثة، توقّفَ عن الدِّراسة وانصرفَ إلى العمل، فطوّرَ المطحنة بعقليةٍ شابَّة متقدِّمَة وصارتْ من أهمِّ المطاحنِ الكبرى.. فكيف سيسمحُ لجرذٍ حقير أن يهزمَه بهذه البساطة..!؟

لكن؛ لكي ينالَ من غريمِهِ على نحوٍ أكيد..؟ كانَ عليه أن يعرفَ أولاً، كيف يتصرفُ الجرذُ في غيابِه..؟ ليعرفَ كيف يمكنُه القضاءَ عليه بخطّة بديلة مبرَمة..؟ طالَ تفكيرُه حتى اهتدى إلى طريقةٍ جديدة، سيعرف بموجبِها ما الذي يفعلُه الجرذُ في الليل، ليلتهم الدجاجة ولا يقع في برميل المادة القاتلة..؟

هكذا تفتّقتْ مخيلةُ الرَّجلِ المُحتال عن خطةٍ جديدة، تقضي بنشرِ الطّحين على طولِ الخشبة، في الطريقِ الوحيدِ المؤدي إلى دجاجة إضافية أخرى، وحينما أنجزَ المهمة؛ رجعَ إلى بيتِه في المساء مشتتَ الفكرِ مشغولَ البال، عمّا ستُسفِرُ عنه خطَّتُهُ، وعمّا يحملُ له الغدُ من مفاجآت لا يتوقعُها. نامَ ليلتَه مشوَّشاً قلقاً تغزوه شتى أصنافِ الكوابيس، دون أن يراودَه في أحلامِه أنَّه نالَ من الجرذِ هذه المرَّة.

 حينما عادَ إلى طاحونتِه فجرَ اليومِ التّالي..؟ اكتشفَ ما هو أشدُّ عليه وأدهى..!؟ وأصيبَ بالذهول حينما تأكّدَ كيف يتمُّ التحايلُ على الخطّة المتقنة، وقد رأى آثارَ قوائمِ الجرذِ على الخشبة حيث نشرَ الطّحين، وأدركُ باليقينِ القاطعِ أنّ الجرذَ لم يكنْ يعملُ بمفردِه..؟ بل إن جرذاً آخرَ تركَ آثارَ قوائمِه أيضاً، كانَ يعاونُه بالوقوفِ على طرِفِ الخشبة، ليوازنَ  شريكَه الذي يندفعُ إلى الدَّجاجةِ على الطرفِ الآخر، ويأتي بها ليتقاسماها ويأكلاها معا.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, إبراهيم يوسف and tagged . Bookmark the permalink.