ماهية التعددية والإرادة الحرة فى العقل العربى

محمد ملازم  

” بداية لابد ان يتم الاشارة الى أن تيارات الحداثة الفلسفية والفنية والعلمية تغلغلت فى الوعى الجمعى الاوروبى، لانه لم يكن مغلقا بمفتاح رق الاسلاف النفسى. وهنا ليست حالة من حالات (عقدة الخواجة) كما ستراها عزيزى القارىء العربى ولكنها حقيقة تاريخية لان هذه التيارات مرت على الوعى العربى الاسلامى كما يمر المطر على ريش البط لانه وعى قائم فى الاصل على بنية (سلفية) مغلق وتاليا رافضا للتهجين المطلوب اذن ليس الثرثرة بفلسفة عربية أسلامية يسمع بها الجميع ولا يراها أحد بل فتح الوعى السلفى بمفتاح الحداثة الغربية التى يتبارى الجميع فى هجائها وصب اللعنات عليها بكل ثراء اللغة العربية فى الهجاء وفقرها المدقع فى معجم الفكر النقدى الذى ما زال يطرق بابها.

   فما علينا انطلاقا من تعليم حقيقى يراد به مولد  جيل يحرر تلك الامة من أوهامها أن نعلم الاجيال الطالعة أن الاسم الحقيقى ل ” أهل الجحيم ” هو الشعوب المتحضرة. وأن تقليدهم فى مؤسساتهم وفلسفاتهم وعلومهم وقيمهم فرض على كل مسلم ومسلمة.

    فلذلك نريد ان نقول ان كون الانسان العربى يراد له يوما ما  ان  يمكن من قوام شأنه وصلاح حاله ويمتلك الاراده الحره بدون ايه سلطة تحرك وتقيم وتشكل له حياته على حسب مقاييسها للامور وللحياة وللكون، كون الانسان يقوم حاله بدون الديانات التى تحولت بصفتها كسلطة اجتماعية تنفذ ما يمليه عليها رجال الدين بلا رؤيه ولا وعى فمما لا يجب ان يكون شك فيه. علينا ان نقولها بقوة الان انه لا يصلح حال (الدولة) بمفهومها الحديث الا كلما ضعف فيها شوكة المؤسسة الدينية بشكلها الاستبدادى وكلما انطفأ فيها لمعان (رجال الدين) والنظر اليهم نظرة القداسة والاجلال. ولا يقوى شأن الدين والتقليد والجمود كوضعنا الحالى البائس هذا الا كلما انحط شأن (الدولة).

   ولا يسع احد أنكار ما للديانات من الوقع العظيم فى تقدم الامم وتـأخرهم وتعصبهم وتباغضهم وتباعدهم وتحاملهم بعضهم على بعض فاذا نظرنا الى التاريخ رأينا على صفحاته من الدم سطورا لو جمعت لكانت بحورا وما سببها الا العدوات التى أثارتها الديانات. ولو لم يكن فى الديانات سوى تقييد حرية الفكر لكفى أن تكون علة شقاء الانسان فى دنياه فلو تأملنا حالة الانسان السابح فى بحر الاوهام لتصورناه رجلا مرتعدا واجف القلب متعوذا بالرقى هائما اناء الليل وأطراف النهار لائذا بذاك البناء الذى شاده دهاة الناس منقبا فى الارض متخوفا من كل شىء، غير منقب فى الامر مترددا ف كل شىء ولسان حاله سواء أقام بمكان أو سار على طريق لا ينفك ينشد :

— أعيذ نفسى وأعيد صحبى **** من كل جنى بهذا النقب

حتى أعود سالما وركبى

فهذا الذى يرى نفسه محاطا بالارواح والجن والشياطين تراه من حيث لا يراها وتفعل فيه من حيث لا ينالها رزقه وحياته وسعادته وشقاؤه فكيف يستطيع أن يكون على ثقة من أمره وشغله الشاغل أن يتقرب اليها واجفا حائرا لا يعرف كيف يرضيها اذ لا يعرف ما يغضبها.

فهنا السؤال الاهم : كيف يمكن لهذا الانسان الضحية ان يمتلك ارادته وشأنه يوما ما ؟

كيف يمكن أن يكون صاحب رأى وفكر حر فى لحظة ما ؟.. كيف ؟!

لقد كانت التعاليم الدينية بادىء بدء خشنة وغير موافقة للهيئة الاجتماعية، قم رأى الانسان أنه محتاج فى قوام أمره الى مساعدة أمثاله له فوفق هذه التعاليم لاحوال معائشه بحسب الزمان والمكان، فالديانات البالغة فى التهذيب وضعت تعاليمها على قواعد أدبية وأبلغ قاعدة فى الدين أن يعمل الانسان مع غيره ما يحب أن يعمله غيره معه.

وهذه القاعدة المنسوبة الى (كنفوشيوس) قبل المسيح بنحو ثلاثمائة سنة لا تختص بكونفوشيوس وحده، بل هى أقدم منه جدا أى منذ قدر الانسان أن يدرك أنه تلزمه مساعدة أقرانه فى حياته أى انه محتاج الى الجمعية التى لا ينتظم أمرها الا بما يدعو الى التألف كمحبة القريب التى تجعل الانسان يطلب حقوقه من حيث يقوم بواجباته.

وهى من هذه الجهة متفقة مع تعاليم الفلاسفة اذ تعلم وجوب عمل الخير واجتناب الشر. والفرق بينهما أن تعاليم الفلاسفة تطلق للعقل حرية الفكر لكى يتصرف بالاشياء بحسب الزمان والمكان فلا اعلمهم بخير مطلق أو شر مطلق لان المصطلح عليه أنه خير أو شر عند قوم ليس كذلك عند قوم أخرين.  

وبالضد من ذلك الديانات ورجال الدين بالطبع فانها تقيد العقل اذ تعلم وتنشأ الفرد على الخير المطلق والشر المطلق ومن الغريب ان هذا الاطلاق لا يوافق اله فى منظور الاخر المختلف بطبعه، ثم نجد فى النهاية النتيجة الكارثية  يضطهد الانسان بعضه بعضا ويقتل بعضه بعضا ويرتكب أفظع القبائح وأقبح الفظائع وهو على يقين من أنه يفعل الخير لان شريعته تريه أن الايقاع والاحتقار والدونية بمن ليس على شاكلته ضرورى  وخير مطلق للوجود عموما فضلا عن أن الديانات لالقاء مقاليدها فى ايدى النظم السياسية تصبح ألة لتنفيذ اغراض السياسة والاستبداد ثم تزاد وتيرة الموت والقتل فى الارض وأى شاهد على ذلك أعظم من حشد الجنود واثارة الحروب وسفك الدماء والحريق بالنار والتعذيب بأنواع العذاب التى يزلزل التاريخ لك صفوفها ويسمعك ضوضاءها ويريك لهيبها ويملا الاذان بصراخها وأنينها وغير ذلك من الاضطهادات التى تفتت قلب الحجر الصلد فضلا عن قلب الانسان.

فالمسيحية التى تفتخر بتعاليمها الادبية لا تقدر مثلا الا أن تحمر خجلا مما أثارته من الفتن فى القرون الوسطى وفى غيرها وارتكبته من القتل اعتداءا وظلما وجنته من التعذيب والحريق بالنار قصاصا لاناس أبرياء لا ذنب لهم الا أنهم جاءوا قبل وقتهم او بهم مرض، وها هى (جان دارك) واقفة فى عرصات باريس شاهدة على شناعة تلك العصور البربرية وقساوة تلك القلوب الوحشية.

ولا يسعنى الان الا ان اقتبس فقرة من كتاب د/ حسن حماد — دوائر التحريم (السلطة- الجسد- المقدس)  وفيها اكبر اختصارة مع معاناة الفرد مسلوب الارادة ومسلوب الكيان. والذى يقول فيه : ”  إن الفكر الديني الاصولي خاصة في شكلها المعاصر مازال يمارس تأثيراً قوياً علي العقول و الذوات فحولها الي طاقات تستوعب الضغينة و ترفض الحياة، فبإسم الحفاظ علي الهوية و الثوابت يتم تفويض ارادة الالتحام بالرغبة و الجسد و الحياة، و بإسم النص المقدس يتم هدم الاجتهاد و الابداع. إن الاستراتيجية التي يتبعها اصحاب الايديولوجيات الأصولية الدينية لفرض وصايتهم علي الجماهير المقهورة المحرومة إنما تقوم علي عاملي الخوف من العقاب الالهي و رعب المصير، فضلاً عن الخوف من العقاب الدنيوي و الارهاب الجسدي و المعنوي.

 و غني عن القول انه لا حوار مع الخوف، لأن المخالف يفتقر للامان و لا يشعر بالطمأنينة و يعجز عن ممارسة الحريه و لا يقوي علي المسئولية، و لذلك فإن الحوار في التحليل الأخير ضد الاستجواب و الاستنطاق و الاستفتاء (بمعناه الزائف) اي ضد كافة ضروب الارهاب و الترويع، و ضد كل ابتسار او اختزال او تعسف او ابتذال، لان كل هذه الممارسات تؤدي لا محالة الي عقم الفكر و عجز الارادة و قمع حرية الانسان و اجهاض قدرته علي الحوار.

فلذلك كانت وستكون دوما الايدولوجية الفقهية والدين المؤسساتى يسيىء للخالق والمخلوق والحياة والانسان.

ان الأصوليات الدينية المعاصرة ليست أقل خطورة من الديكتاتورية العسكرية، بل على العكس.. هي المسؤولة أصلا عن تأسيسها.. والأصوليات الدينية في السياسة ليست فقط إسلامية.. بل إسلامية ومسيحية ويهودية.

فان اصحاب الطرح الاصولى بكافة اختلافاته وصراعاته مع العصر لا يزالون يكررون ما يقولون كأنهم لا يدرون أنهم يتغيرون. فما كان غير جائز بالامس صار امرا واجبا عندهم اليوم لانهم تعودوه ولا شك أن ما يقال اليوم همسا سيصير غدا يعلم فى المدارس، فمعارضتهم لكل مستجد  ليست الا عقبات يصعبون ويعرقلون بها السلوك فى طريق التقدم والحداثة، واضطهادهم لمن يخالفهم الرأى والفكر لا يكسبهم سوى جنايات يضيفونها الى ما لهم من الجنايات ويقسى حكم الخلف عليهم.

وحذارى ان يتوهم القارىء ان المراد وراء طرح الفكر والتنوير والسعى لميلاد دولة مدنية تحترم التعددية وتحترم الفكر الحر ان بذلك قلب الموضوع وعكس المطبوع قهرا وظلما أى استعمال القسوة لنفى الديانات على حد استعمالها لتأييدها كلا ثم كلا وانما القصد أن الحكومات والسلطة لا تكره الناس على الايمان ولا تخمد ولا تقهر الفكر والعقل عن ابداء ما فى الصدور والعقول بل تدع كلا وشأنه وتتحاشى الضغط على العقول ولا تعارض الافكار المضادة فلا يمضى زمن حتى تشرق أنواع الحقيقة ويهتدى الناس بنبراسها فى ظلمات هذا الكون.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد ملازم and tagged , , . Bookmark the permalink.