لاهوت التحرير… رؤية علمانية

3- لاهوت التحرير والإسلام: هل من فقه للتحرير؟

مؤمن سلاّم  

مثل كل الأديان، يخضع الإسلام لرؤية وعقل رجل الدين الذي يقوم على تفسير وتأويل وشرح ووضع قواعد الدين انطلاقا من النص المقدس. فرجل الدين هو من يستطيع أن يجعل من الدين مصدر للتطور والتقدم والإنسانية والسلام، وهو من يجعل من الدين قوة للتدمير والتخلف والعنف والكراهية. وهذا ما يمكن رؤيتة في الكاثوليكية بوضوح عندما انتقلت من الحكم الديني المستبد ومحاكم التفتيش وصكوك الغفران وقتل العلماء إلى العلمانية والديمقراطية واحترام حقوق الانسان والسلام وقبول الأخر وتكريم العلماء حتى لو كانوا ملحدين، فبالرغم من أن النص المقدس لم يتغير إلا أن عقلية رجال الدين الكاثوليك تغيرت، وهذا ما أحدث الفرق.

ومثل كل الأديان أيضا، ندد الإسلام بالظلم بكل أشكالة، إلا أن مثل كل رجال الدين في الأديان الأخرى، تراوح موقف رجال الدين المسلمين من الظلم ما بين مؤيد ومبرر له وما بين ثائر ومقاوم له. فنجد الخوارج في أقصى اليسار يؤيدوا الثورة على المستبد في أى وقت وبأى عدد من الثوار، مهما كان قليل، حتى ولو انتهى الأمر بقتلهم جميعا، وفي أقصى اليمين أهل السنة والجماعة الذين يروا في الثورة فتنة وخروج على الحاكم الشرعي ويؤسسوا للسمع والطاعة وإن جلد الحاكم ظهرك وأخذ مالك، وما بينهما يقع الشيعة الذي يمثل مقاومة الاستبداد والظلم عندهم قيمة عليا يتمثلون فيها ثورة الامام الحسين على الطاغية يزيد بن معاوية إلا أنهم لا يندفعوا في طريق الثورة مثل الخوارج بل يتبعوا في لحظات الاستضعاف “التقية” حتى يستطيعوا تكوين جبهة ثورية تكون قادرة على مواجهة الطاغية وإسقاطة. أم المعتزلة فقد جعلوا من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أحد أصولهم الخمسة وهو ليس أمر بمعروف فردي أو نهى عن منكر فردي أى على مستوى جزئي (Micro) ولكنة على المستوى المجتمعى أى على مستوى كلي (Macro). ويمكن تطوير هذا المفهوم ليصبح المنكر هو قضايا كلية مثل الفقر والاستبداد والظلم بكل أنواعة والتمييز والتهميش والاضطهاد، وليس قضايا جزئية فتجعل من مفهوم النهى عن المنكر قيد على الحريات الشخصية. وكذلك مفهوم المعروف ليكون الأمر بالمعروف هو أمر بالعدل والحرية والمساواة والتعايش والسلام وليس فرض طقوس أو سلوك معين على الأفراد تحول الطقس الديني إلى أداة سيطرة واستبداد بدلا من أن يكون أداة تحرر.

إلا أن الملاحظ أن رغم اختلاف هذه الفرق في موقفها من الاستبداد، إلا أنها كلها تجتمع في أنها لم تقدم فقه سياسي حقيقي. فمن يطالع كتب الفقة الاسلامي ويقارن باب الامارة في نهاية أى كتاب فقه ويقارنة بباب الطهارة أول أبواب كتب الفقه يستطيع أن يرى الفرق الكبير بين كم وكيف باب الطهارة الكبير المليئ بالتفاصيل والآراء وباب الإمارة الصغير الذي لا يثمن ولا يغني من جوع. ولم يقتصر هذا الفقر على كتب الفقه فقط ولكن أيضا من كتبوا فيما يسمى “السياسة الشرعية” سيجد أن هذه الكتب يغلب عليها السعى لشرعنة الوضع القائم عند أهل السنة مثل كتاب “الأحكام السلطانية” للماوردي الشافعي وكتاب بنفس الاسم لأبو يعلى الفراء الحنبلي، فهى كتب لم تكن تقدم فقه سياسي بقدر ما كانت تؤسس وتدعم الوضع القائم وتقدم الأسس الدينية التى تدعم مركز السلطة القائمة في مواجهة معارضيها ويمكن بدون أدنى مجهود معرفة أن كتابها ينتمون إلى فئة فقهاء السلطان. ربما لم يشذ عن هذه القاعدة إلا ابن خلدون في مقدمته عندما حاول تقديم بعض الاجتهادات الجديدة خاصة نظريتة في “العصبية” كأساس لقيام السلطة السياسية.

وإذا كانت الطائفة الشيعية قامت بدور المعارض لنظم الحكم السنية على طول فترة التاريخ الاسلامي إلا أن هذا الدور المعارض لم يكن في اتجاة تطوري بل ربما في اتجاة أكثر محافظة وأكثر نخبوية. فعند أهل السنة من الناحية النظرية على الأقل ومن ناحية التطبيق عند اختيار الخلفاء الأربعة الأوئل، يتم اختيار الخليفة عن طريق أهل الحل والعقد ولا يكتسب شرعيته إلا عن طريق البيعة العامة من المسلمين، وهو إجراء كان يحمل ملامح الديمقراطية، حتى جاء معاوية ابن ابي سفيان وابطل هذا الاجراء وبدأت رحلة توريث الحكم في الامبراطورية الاسلامية، ما يجعل بعض فقهاء أهل السنة تسمي معاوية بأول الملوك في الاسلام. أما على الجانب الشيعي فهذا الاجراء غير مطروح من الأساس، إذا يرى الشيعة أن أمر الخلافة أو الإمامة هو أعظم وأخطر من أن يتركة الله ورسولة شورى بين عموم المسلمين ودون أن يولي الرسول خليفة من بعده يسوس أمور المسلمين ويحمي بيضة الدين، فكانت واقعة “غدير خم” عندما أعلن الرسول للمسلمين أثناء عودتة من حجة الوداع بتنصيب علي بن ابي طالب من بعدة إماما للمسلمين وخليفة له، وليصبح نظام الحكم في النسخة الشيعية من الاسلام وراثيا أتوقراطيا داخل أسرة واحدة، وبالتالي فيمكن القول أن المعارضة الشيعية للسلطة السُنية كانت في حقيقتها معارضة لأسر حاكمة  ترى الشيعة أنها اغتصبت الحكم من الأسرة الشرعية وهى أسرة علي بن أبي طالب وليست معارضة للظلم والاستبداد والقهر.

قد يكون الخوارج هم الطائفة الوحيدة في الاسلام التي قدمت أراء سياسية أكثر تقدمية على مستويين، حيث رأى بعضهم أن الخلافة ليست واجبة وأن في حالة قدرة الناس على إقامة العدل فلا يلزمهم إقامة حاكم أو سلطة فيما يمكن اعتبارة جذور أناركية لا سلطاوية مبكرة، كما أنهم على طرف النقيض من الشيعة يروا أن مسألة الخلافة مسألة تخص عموم المسلمين ويجب أن يشاركوا جميعا في اختيار الخليفة.

أما في العصر الحديث ومع صعود تيار الإسلام السياسي وما يسمى بـ “الصحوة الإسلامية” فقد ظهرت كتابات كثيرة تتحدث عن السياسة الإسلامية ونظام الحكم في الإسلام خاصة في إطار مشاريع “أسلمة العلوم”. إلا أن هذه الأعمال أيضا لم ترتقي إلى مستوي الاجتهادات الجديدة التى تتوافق مع العصر وتقدم فقه سياسي حقيقي، فقد كانت كلها تبني على الأفكار القديمة التي مر عليها مئات السنين في محاولة لعصرنتها باقتراح آليات حديثة لتطبيق هذه الأفكار ولكن دون المساس بجوهر الأفكار ذاتها من خلال نقدها نقد علمي أو حتى ديني. فقد ظلت هذه الكتابات تدور في فلك مصطلحات الشورى والخلافة وأهل الحل والعقد وإمارة التغلب، دون تقديم أى أفكار جديدة. ولا يُستثني من هذه الكتابات سوا كتاب الشيخ على عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” الذي نفي فيه أن تكون الخلافة نظام سياسي ديني، وأنة مجرد تنظيم سياسي ليس له أى أبعاد دينية، وهو ما تسبب في اضطهادة من قبل مؤسسة الأزهر.

لاهوت التحرير والإسلام  

كما عرفت لاهوت التحرير في الجزء الأول بأنة حركة نضالية غير مؤدلجة تنحاز من خلالها الكنيسة للفقراء، وهم كل المهمشيين والمميز ضدهم، عن طريق لاهوت نقدي لا يستعلى على الواقع ولكن يتفاعل معة فيؤثر فيه ويتأثر به، من أجل تحرير الإنسان من كل أنواع الفقر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والروحي. وخلصت إلى أن لاهوت التحرير هو لاهوت علماني يؤمن بفصل الدين عن الدولة، ويرفض الدوجما سواء دينية أو سياسية، ويؤمن بأولوية الإنسان لكونة إنسان، كما أنه يعلي من قيم الحرية والتعددية والتعايش وقبول الأخر والسلام بين بنى الإنسان بغض النظر عن العقيدة أو العرق أو الجنس أو الطبقة الاجتماعية. وبهذا أستطيع القول أن لاهوت التحرير يمثل الموجة الثانية من الإصلاح الديني داخل الكاثوليكية بعد الموجة الأولى التي قضت على الحكم الديني وفصلت الكنيسة عن الدولة.

وعلى ذلك، فالحديث عن لاهوت تحرير إسلامي أو فقه التحرير يعني الحديث عن علاقة الإسلام بالعلمانية بما تتضمنة من فصل للدين عن السياسة والعقلانية ومحورية الإنسان كونة إنسان. وكذلك علاقة الإسلام بقيم الحرية والتعددية والتعايش وقبول الأخر.

1- الإسلام والعلمانية

– فصل الدين عن الدولة

تمثل علاقة الإسلام بالسياسة إشكالية كبرى، أدخلت المسلمين منذ اللحظة الأولى لوفاة الرسول في صراعات أدت فيما بعد لإشكاليات دينية. فكما يقول الشيخ أبو زهرة عن نشأة الفرق السياسية في الإسلام في صفحة 29 من كتابة تاريخ المذاهب الإسلامية “وإنة يجب التنبية إلى أن الخلاف السياسي، أو المذاهب السياسية قد ابتدأت سياسية تنزع منزعا سياسيا، ولكن طبيعة السياسة الإسلامية ذات صلة بالدين وهو قوامها ولبها، ولذلك كانت المذاهب السياسية التي نشأت تحوم مبادئها حول الدين، فتقترب منه أحيانا، وتبتعد عنه أحيانا بتخريجات فيها انحرافات عن مبادئة. وأن المذاهب السياسية ذاتها في اتجاهاتها تعرضت لبحوث أخرى تتعلق بأصول الدين حول الإيمان والاعتقاد، فكان لها رأى قائم بذاته في الإعتقاد والايمان. ولم تقف عند حد الاعتقاد بل تجاوزته إلى أراء في الفروع، فكان للمذاهب السياسية بحوث كاملة في الفروع: إذ نجد أن المذهب السياسي معه آراء في الاعتقاد، ومذهب فقهي في الفروع، لعله ابقى اثرا في التاريخ من المذهب السياسي”.انتهى

ولعل السبب في هذا يرجع إلى طبيعة نشأة الإسلام الذي اختلطت فيه الدعوة الإسلامية بعملية تأسيس دولة أصبح فيها النبي هو الحاكم لدولة إسلامية ولدت في يثرب وامتدت لتشمل كامل الجزيرة العربية قبل وفاتة، وذلك على عكس المسيح الذي رفض السياسة وناهض السياسيين والزعماء اليهود. فالمسيح كان ثائرا على السلطة السياسية وزعماء العشائر اليهود فانتهى الأمر بإعدامة، أما النبي فقد أسس سلطة سياسية وأصبح حاكم دولة. فيقول الأب جوستافو في ص 362 من كتاب لاهوت التحرير “لقد قاوم يسوع تجربة السلطة السياسية، حيث أرادة الشعب اليهودي ملكا عليهم” ويقول في هامش ص 363، “يظن الكاتب أن يسوع رفض كل شيء من شأنة منحة طابعا انتصاريا أو سياسيا في دخولة أورشليم لذلك فقد كان راكبا على جحش لا على حصان” ويقول في ص 364 “إلى جانب ذلك، عارض يسوع بحسم مطالب الشعب وإعلاناته السياسية والمسيانية، وكانت لمعارضة يسوع هذه عواقب وخيمة، فهو يعارض كل الممارسات التي لا تحترم عمق التدبير الديني أو استقلالية الفعل السياسي.” وذلك على عكس الوضع في الإسلام، فقد كان أول ما فعلة الرسول عند وصولة المدينة هو تأسيس دولة وكتب لها الدستور المعروف بـ “صحيفة المدينة” وأصبح هو رئيسها، ثم بدأ بإطلاق الحملات العسكرية الصغيرة المعروفة في التاريخ الإسلامي باسم “السرايا” وكان أول هذه السرايا “سرية سيف البحر” بعد 7 شهور من الهجرة بقيادة حمزة بن عبد المطلب.

وهكذا اختلطت السياسة بالدين منذ اللحظة الأولى  لظهور الاسلام وحتى يومنا هذا. ولهذا، فرجال الدين الاسلامي عبر التاريخ كانوا إما أحد أدوات السلطة القمعية أو مقاومين للقمع من أجل الوصول للسلطة وممارسة الحكم الديني، ولا توجد الفكرة النضالية ضد الظلم مع رفض تولي السلطة وممارسة الحكم، كما في لاهوت التحرير.

وينقسم رجال الدين الإسلامي في عصرنا إلى نوعين: نوع موالي للسلطة وهو الاسلام الرسمي وهو من يجد المبررات الدينية لسياساتها القمعية الفاسدة ويسميهم الاسلام السياسي علماء السلطان. ونوع معارض للسلطة وهو الاسلام السياسي الذي يسعى للوصول للسلطة لتطبيق نفس السياسات القمعية الفاسدة وباستخدام نفس المبررات الدينية التي كان يستخدمها علماء السلطان. أى ان الفرق بين رجل الدين في الحالتين هو توقيت حصولة على لقب وامتيازات “عالم السلطان”.

ولهذا أخاف من أى خلط للسياسة بالدين ولو بطريقة عقلانية حداثية تُعمل العقل ولا تقصي الروح، حتى لا يحدث ما حدث في إيران عندما اختطف الخوميني الثورة من علي شريعتي، فالعامة نادرا ما يستطيعوا التفريق بين ثورية شريعتي الروحية العقلانية الحداثية، وثورية الخميني الدينية الثيوقراطية المستبدة.

وهذا ما جعل العلمانيين المصريين يتلقون فكرة لاهوت التحرير بتوجس وخوف، خاصة أن كل الكتب والمتحدثين الذين تناولوا الموضوع تناولوه بصورة نضالية تاريخية ولم يتم التركيز على نظرية لاهوت التحرير في حد ذاتها، وذلك حتى صدور الترجمة العربية لكتاب لاهوت التحرير للأب جوستافو جوتييرث وهو النص المؤسس والمنظر للاهوت التحرير. ما أوضح الفرق الكبير بين النضال السياسي على خلفية دينية ديمقراطية حداثية وبين السعى للسلطة بتأسيس حكم الديني مستبد فاسد، كما يفعل الإسلام السياسي.

– الإسلام والعقلانية  

بالرغم من وجود الكثير من الآيات القرآنية التي تحض على النظر والتفكير وإعمال العقل، إلا أن الفكر الإسلامي أخذ موقف معادي من العقل على مر العصور. ولعل في القاعدة الأصولية الشهيرة لدى أهل السنة والجماعة “لا اجتهاد مع النص” ما يؤكد هذه النظرة الرافضة لإعمال العقل، والتسليم بالمرويات وما قالة السلف دون الخلف وهو ما يؤكدة الحديث الذي يروية البخاري ومسلم عن الرسول “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ” والحديث الأخر المروي عن الرسول الذي يكرس لإهمال الاجتهاد واعمال العقل لصالح أزمنة غابرة تختلف تمام الإختلاف عن عصورنا الحديثة والذي رواة أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح (أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة) وغيرها من الأحاديث التي ترسخ لفكرة الاتباع والتقليد ورفض الاجتهاد ما وصل بفقهاء أهل السنة بالقول بإغلاق باب الاجتهاد.

وقد أدى غياب العقلانية إلى ترسيخ مفهوم الحقيقة المطلقة التي لا تقبل الشك ولا تخضع للسؤال والتي عبرت عنها القاعدة الأصولية “الحق واحد لا يتعدد” وليصبح المسلمين هم أصحاب الحق الوحيد وباقي الأديان هم الباطل، وداخل الاسلام يصبح أهل السنة هم أصحاب الحق الواحد وباقي الفرق هم الباطل، وداخل أهل السنة يصبح السلفيين هم اصحاب الحق الواحد وباقي المذاهب هم الباطل، وهذه الدوجما والاعتقاد في امتلاك الحقيقة المطلقة هى ما فتحت علينا أبواب الجحيم المتمثل في ارهاب تنظيمات الاسلام السياسي.

وفي المذهب الشيعي تعبر فكرة المرجعية عن غياب العقلانية وسيادة الدوجما، حيث لابد لكل شيعي أن يكون له مرجع يعود إلية في كل المسائل وليست فقط المسائل الدينية. يقول العلامة محمد رضا المظفر :عقيدتنا في المجتهد وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت .

ولم ينجو من هذه الدوجما والغاء العقل إلا المعتزلة عندما جعلوا العقل مقدما على النقل، فإذا خالف النص العقل وجب تأويل النص بما يتوافق مع العقل. إلا أن عند التطبيق العملي لم ينجوا المعتزلة من الدوجما، فمع تحول المذهب المعتزلي إلى المذهب الرسمي للدولة العباسية في عصر الخلافاء المأمون والمعتصم والواثق، عمل المعتزلة على فرض مذهبهم على المخالفين لهم وأشهرهم أحمد بن حنبل، الذي تعرض للسجن والتعذيب ليقول بخلق القرآن اتباعا للمذهب المعتزلي.

وبهذا إنفصل الفكر الإسلامي عن واقع الحياة وأصبح رجال الدين يسعون لتطويع الواقع المتغير للفكر الديني الثابت، ما أدى إلى انغلاق المسلمين وتراجع الدول ذات الأغلبية المسلمة. وذلك على عكس لاهوت التحرير الكاثوليكي الذي يعيش في حالة تفاعل دائم مع الواقع المتغير فيؤثر ويتأثر به.

– الإسلام والإنسانية

مفهوم محورية الإنسان لكونة إنسان أو الإنسانية ظهر كمصطلح في بداية القرن 19 على يد اللاهوتي الألماني فريدرك نايثمار (Friedrich Niethammer) وأخذ المفهوم يتطور وتكتسب فكرة محورية الإنسان أرض جديدة بمرور الزمن حتى وصلت إلى قمة عالية مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 ديسمبر عام 1948، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في 16 ديسمبر 1966، والإعلان العالمي لحقوق الأقليات الصادر في 18 ديسمبر 1992، وبهذا أسست الأمم المتحدة قانونيا لمفهوم الإنسانية الفلسفي والأخلاقي، بحيث أصبح لكل إنسان حقوق متساوية مع باقي بني الإنسان دون التفريق على أساس العقيدة أو النوع أو اللون أو العرق أو الطبقة أو الميول الجنسية.

ويمثل مفهوم محورية وأولية الإنسان أو الإنسانية أو حقوق الإنسان تحدي كبير للفكر الديني خاصة الأديان الإبراهيمية التي تري في النص الديني محور الحياة وأن أتباعها أعلى درجة من باقي البشر، وإذا كان لاهوت التحرير قد استجاب لهذا التحدي الإنساني واستطاع أن يدخل الاصلاح المطلوب على الفكر الديني الكاثوليكي ليؤسس لفكرة انسانية لا تميز بين أى إنسان على أى أساس، وتجعل من الإنسان هو المحور وليس النص الديني، فقد فشلت اليهودية والإسلام في إحداث هذا الإصلاح الديني، حتى الأن.

فمازال الفكر الإسلامي يري في غير المسلمين بشر أقل من المسلمين في الحقوق، فمازال رجال الدين الإسلامي سواء المنتمين للمؤسسة الرسمية أو غير الرسمية ممثلة في جماعات الإسلام السياسي ترى في اليهود والمسيحيين أهل ذمة وليسوا مواطنين، وتري في من يعتنقون أديان أخرى، يسمونها أرضية، أقل من ذلك، إذ أنهم مخيرون بين الإسلام والقتل. ولعل ما حدث في مصر أثناء كتابة هذا المقال ما يغني عن أى تفصيل في تأكيد النظرة الدونية لرجال الدين الإسلامي لغير المسلمين. فقد أفتي أحد مشايخ الأزهر التابعين لوزارة الأوقاف المصرية من العاملين بأكشاك الفتوى بمترو القاهرة التايع للدولة المصرية  لصحفية بجريدة الفجر  بالنجاسة المعنوية للمسيحيين فقال لها “إذا قابل مسلم مسيحي وسلم عليه هل بذلك ينجسه؟ ومن المفترض أن يتوضأ مرة أخرى، بالطبع لا “لأنه نجسني نجاسة معنوية مش نجاسة عينية. وهذا في الحقيقة رأى أقل تشددا ممن يرى أن نجاسة غير المسلم نجاسة حسية وليست معنوية.

وهكذا نجد الفكر الإسلامي مازال متجمدا عند أفكار القرون الوسطى التي تميز بين الإنسان على أساس العقيدة، وتميز بين الرجل والمرأة باعتبار الرجل أعلى درجة فلة القوامة وله ضعف الميراث وله الحق في تعدد الزوجات، وشهادة تعدل شهادة إمرأتين. وتميز بين العرب وغير العرب باعتبار العرب أعلى درجة، وإذا كنت متشكك من هذا الأمر فتستطيع بكل بساطة البحث على الانترنت على “ في فضل العرب على سائر الأمم” لتقراء وتشاهد مئات المقالات والفيديوهات لرجال دين مسلمين تؤكد على أفضلية العرب على العجم وسائر الأمم.

ويمثل مفهوم الحاكمية التي وضع أسسها أبو الأعلى المودودي الباكستاني وسيد قطب المصري، دليل أخر على غياب فكرة محورية الإنسان وأن المحور هو النص المقدس بتفسيراتة التي يقوم عليها رجال الدين، وبغير ذلك يصبح المجتمع حتى لو أعلن أغلب افرادة اسلامهم مجتمع جاهلي يستحق القتال.

ويقابل ذلك عند الشيعة نظرية ولاية الفقية التى أتي بها الخوميني، لتصبح الدولة بكل مؤسستها وافرادها تابعة وخاضعة للولي الفقيه الذي ينيب عن الإمام الغائب.

فمازال الفكر الإسلامي متمركزا حول النص وليس حول الإنسان كونة إنسان، ولذلك فعلى الإنسان أن يتبع النص حتى لو تسبب ذلك في إهدار مصالحة وتضييع حقوقة والاستسلام للطغاة والمستبدين، بدلا من أن يكون الإنسان هو المحور، فيتم تأويل النص بما يتناسب مع مصالح الإنسان لتحقيق الرفاه والعدل والحرية والمساواة للمواطنين.

2- الإسلام والحرية 

الحرية في اللغة العربية، وهى اللغة التي كُتب بها القرآن، هى مضاد لمعنى الرق، فعكس الرق الحرية، وعكس العبيد والإماء، الأحرار والحرائر. فلم تعرف اللغة العربية معنى الحرية بمعناها الحداثي أى مفهوم الحريات الشخصية والعامة التي يتمتع بها الإنسان ولا يجوز لأى سلطة أن تحرمة من هذه الحرية. إلا أن القرآن قد أكد على بعض الحريات الشخصية التي كانت معروفة في هذا العصر وخاصة حرية العقيدة وممارسة الشعائر. فعن حرية العقيدة  يقول في سورة الكهف ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا) الآية29، فالآية تنص على حق الايمان والكفر وإن كان من عذاب على الكفر فهو عذاب في الأخرة، ولم تنص الآية على أى عقوبة دنيوية. كذلك يمنع الله الرسول من إكراه الناس على الايمان فيقول في سورة يونس الآية 99 (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). ويرفض القرآن الإكراة في الدين في سورة البقرة الآية 256 (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). وبالضرورة لابد أن ترتبط حرية العقيدة بحرية ممارسة الشعائر وإلا أصبحت حرية بلا مضمون، فيقول القرآن في سورة الكافرون مخاطبا أهل قريش وهم ليسوا من المسيحيين ولا اليهود ما يقتضي أن تكون حرية ممارسة الشعائر للجميع وليس لأهل الأديان الابراهيمية فقط كما يدعي رجال الدين الإسلامي فيقول ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)).

كذلك أشار القرآن لبعض الحريات السياسية مثل عدم تفرد الحاكم بالسلطة والقرار، فأمر الرسول بعدم التفرد بالقرار في سورة ال عمران الآية 159 (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).

وبدلا من أن يبني الفكر الإسلامي على هذه البذرة القرآنية للحريات الشخصية والعامة والتي كانت تتناسب مع عصرها، راح فقهاء المسلمين إلا قلة قليلة يقضوا على مفهوم الحرية بالكامل. فقد تحولت الشورى إلى مُعلمة أى غير مُلزمة للحاكم، وبعد أن كان أهل الحل والعقد يختاروا الخليفة وتبايعة الأمة بمحض إرادتها، أصبح الحكم بالتوريث والبيعة تحت تهديد السيف. وتحولت حرية العقيدة لحرية الدخول في الإسلام فقط أما الخروج منه فيعني الردة والقتل، وتم حصر حرية ممارسة الشعائر في أهل الكتاب وهم المسيحيين واليهود فقط، وحتى هؤلاء لم يسلموا من تضييق الفقهاء والحكام عليهم في ممارستهم لشعائرهم وبناء دور عبادتهم.

ومع القضاء على الحريات التي أشار لها القرآن تم الهجوم على كافة الحريات الشخصية والعامة وتحريمها وتجريمها. فبجانب رفض حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر، تم رفض حرية الرأى والتعبير وأصبح المفكرين والمبدعيين والفنانين تحت سيف التكفير والتفسيق ودعاوى إزدراء الأديان وخدش الحياء العام معرضين للسجن وفي بعض الأحيان القتل كما يحدث الأن مع سجن رائف بدوي السعودي واسلام بحيري والشيخ محمد عبد الله نصر وأحمد ناجي وكرم صابر المصريين، وقتل فرج فودة المصري وشكري بلعيد التونسي وناهض حتر الأردني وعمر محمد باطويل اليمني، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وفتوى الخميني باهدار دم سلمان رشدي. وهى كلها بسبب تهم أثارها رجال دين ضدهم وهذه عينة من الاسماء الكثيرة التي تم اضطهادها بسبب أرائها على خلفية دينية وليست سياسية. وأصبح رجال الدين المسلمين يتدخلون في ملابس الرجال والنساء، وفي طبيعة العلاقة بينهم، وفي أخص خصوصيات الإنسان غرفة نومه ومع من ينام ومع من يمارس الجنس.

ببساطة أحتل رجال الدين المسلمين المجال العام والخاص ولم يتركوا لأحد حرية الاختيار سواء على المستوى العام أو الخاص

3- الإسلام والمساواة 

لم يستطع الفكر الإسلامي حتى الأن تطوير نفسه ليتوافق مع مفاهيم وقيم الحداثة ومنها المساواة، ولهذا فمازال يردد مقولات القرون الوسطى حول تقسيم المجتمعات والمواطنين، على أساس عقائدي وجنسي وعرقي وطبقي.

التمييز الديني

ينقسم الناس من وجهة نظر الإسلام إلى 3 أقسام وفقاً لعقيدتهم، القسم الأول المسلمون وهؤلاء مواطنون من الدرجة الأولى يتمتعون بكل الحقوق، القسم الثاني، أهل الكتاب أي اليهود والمسيحيين والمجوس، وهم مواطنون درجة ثانية وفقا للشروط العُمَرِية، تؤخذ منهم الجزية وليس لهم الحق في تولى المناصب العليا وفقا للحديث “لا ولاية لكافر” ولا يبنون كنائسهم ولا يعمرون ما خرب منها وباقي الشروط المُذلة لأهل الكتاب. بالإضافة إلى القاعدة الفقهية “لا يُقتل مسلم بكافر” في تمييز قانوني فاضح. أما القسم الثالث فهم أتباع العقائد الأخرى من غير أهل الكتاب فهؤلاء ليسوا مواطنين بالأساس وليس لهم إلا الإسلام أو السيف.

التمييز الجنسي

أما التمييز ضد المرأة فهو ممتد على جميع المستويات العامة والشخصية. فمن الناحية العامة يحرم على المرأة تولي المناصب القيادية وعلى رأسها رئاسة الدولة، وشهادتها في المحاكم بنصف شهادة، وترث نصف ما يرث الرجل، ولا ترث كل مال والديها إذا لم يكن لها أخ، وغيرها من الأحكام الفقهية التي تنتقص من وضعها كمواطنة كاملة المواطنة. أما في المجال الخاص فهي مجرد متاع للرجل وماكينة إنجاب اطفال وتربية ورعاية منزلية.

التمييز العرقي

حيث يجعل الفقه الإسلامي العرب عرق أعلى من باقي الأعراق، وقريش أعلى من سائر العرب، وبنى هاشم أعلى من قريش. ويمكن بسهولة الرجوع إلى الأحاديث المنسوبة للرسول والتي تفضل العرب على العجم أو غير العرب، وتفضل قريش على باقي العرب، ومنها ما أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:  إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل، فقسم الناس قسمين، فقسم العرب قسما، وقسم العجم قسما، وكانت خيرة الله في العرب، ثم قسم العرب قسمين، فقسم اليمن قسما، وقسم مضر قسما، وقسم قريشا قسما، وكانت خيرة الله في قريش، ثم أخرجني من خير ما أنا منه. والحديث الأشهر “الأئمة من قريش”. وهى الأحاديث التي بنى عليها الفقهاء أحكام شرعية تجعل العرب عامة وقريش خاصة فوق باقي الأعراق والأجناس. وأولها أن منصب الخليفة لا يكون إلا لقرشي، كذلك في الزواج حيث يشترط الفقهاء لصحة الزواج الكفاءة بين الزوجين ومنها الكفاءة في النسب فيرفض جمهور الفقهاء زواج المرأة العربية برجل غير عربي لأنها أعلى منه نسباً، مستدلين بالحديث المنسوب للرسول عن ابن عمر “العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض إلا حائكاً أو حجاماً” رواه الحاكم. ويقول الإمام النووي وهو شافعي ” فَالْعَجَمِيُّ لَيْسَ كُفْئًا لِلْعَرَبِيَّةِ” ويقول ابن قدامه المقدسي وهو حنبلي “ولا يكون المولى والعجمي كفئاً لعربية”.

التمييز الطبقي

يمكن كذلك تتبع التمييز الطبقي في الفقه الإسلامي بين الفقراء والأغنياء، والسادة والعبيد في الكثير من القضايا. فبالعودة لشرط الكفاءة في الزواج سنرى بوضوح التمييز بين الطبقات، ولعل في تفاصيل قضية زواج الشيخ علي يوسف صاحب جريدة المؤيد بصفية بنت الشيخ السادات في أوائل القرن العشرين وحكم الشيخ أبو خطوة القاضي الشرعي بالتفريق بين الزوجين بسبب وضاعة عائلة الشيخ علي يوسف مقارنة بعائلة الشيخ السادات. كذلك مسألة قتل الحر بالعبد حيث ورد في الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ ابن عثيمين، المجلد الرابع عشر بَابُ شُرُوطِ القِصَاصِ : قوله: «ولا حر بعبد» أي: لا يقتل الحر بالعبد، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمذهب أن الحر لا يقتل بالعبد؛ لأن الحر أكمل من العبد، إذ إن العبد يباع ويشترى، وديته قيمته، فلا يمكن أن يكون ما يباع ويشترى مكافئاً للحر. أيضا فيما يتعلق بمسألة ما يسمى بالحجاب القصة الشهيرة التي نهى فيها الجواري عن التشبه بالحرائر بتغطية شعورهن. بل أن في عدم تجريم الفقه الإسلامي للعبودية وتقنين أوضاع العبودية هو تمييز في حد ذاته.

4- الإسلام والتعددية  

في إطار ماذكرناه سابقا فيما يتعلق بالعقلانية والحرية والمساواة، لابد أن نخلص إلى أن الفكر الاسلامي لا يعرف فكرة التعددية، ولا يقبل بها، كيف والحق واحد لا يتعدد؟ وكيف يؤمن بالتعددية العقائدية والثقافية والفكرية من يرفض التعدد داخل الفكر الإسلامي ذاتة ويؤمن بحديث معاوية بن أبي سفيان (أَلَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِينَا فَقَالَ : أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً ، وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) رواه أبو داود (4597) وغيره وصححه الحاكم (1/128) بل قال: إنه حديث كبير في الأصول ، وصححه ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (3/345) والشاطبي في “الاعتصام” (1/430) والعراقي في “تخريج الإحياء” (3/199) .فهذا الحديث المنسوب للرسول يقضي على أى محاولة لتأسيس التعددية داخل الفكر الإسلامي، وهو مؤيد ومعضض لقاعدة “الحق واحد لا يتعدد” فكيف يتجاور الحق الواحد مع الأباطيل الكثيرة؟

بل إن الفكر الإسلامي غالبا ما مجد الوحدة والإنصهار في بوتقة واحدة، سواء كانت سُنية أو شيعية، سلفية أو أشعرية، وغالبا ما ينظر للتعدد والاختلاف باعتبار سبيل للشقاق والفتنة والقتال، وليس مصدر للثراء الفكري والعقلي يخرج أفضل ما في المجتمعات من أفكار وأراء وفنون وأداب وعلوم، تصب في النهاية في صالح الإنسان والمجتمع.

الخاتمة

مازال الفكر الإسلامي عاجز عن التطور والتوافق مع مطلبات العصر الحديث، والتصالح مع المبادئ الانسانية التي توافق عليها العالم. إلا أن هذا لا يعني أن الطريق مسدود أمام المسلمين للسير في طريق الحداثة وتبني قيمها دون التخلي عن العقيدة الإسلامية والإيمان الديني، فهذا ممكن، إلا أنه يتطلب ثورة دينية وليس فقط إصلاح ديني.

مطلوب ثورة دينية تتبنى منهج التأويل وتاريخية النص حتى تستطيع التوفيق بين القيم الإنسانية الحديثة والإيمان الإسلامي، ثورة تعمل على فك الاشتباك بين الدين والدولة، وتحدد العلاقة بين العقل والنقل، وأولوية الانسان كونة إنسان وليس كونة رجل مسلم في مقابل أولوية النص. ثورة تؤسس لقيم الحرية والمساواة والتعددية بين بني الإنسان دون تمييز على أى أساس، فكر ديني ينحاز لفقراء المال والحرية والمساواة والصحة والتعليم والمهمشين والمضطهدين والمميز ضدهم بغض النظر عن عقيدتهم أو جنسهم أو لونهم أو عرقهم أو طبقتهم أو ميولهم الجنسية.

هنا وهنا فقط سيولد لاهوت التحرير الإسلامي أو فقه التحرير.

المراجع

1- تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية – الإمام محمد أبو زهرة – دار الفكر العربي

2- لمزيد من التفاصيل عن واقعة غدير خم

http://ar.wikishia.net/view/%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%D8%A9_%D8%BA%D8%AF%D9%8A%D8%B1_%D8%AE%D9%85 

3- لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاص – جوستافو جوتييرث الدومنيكاني – ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكاني – دار الأكويني

4- صحيفة المدينة

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9

5- معارك في سبيل الإله – الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام- كارين أرمسترونج- ترجمة فاطمة نصر ومحمد عناني

6- للمزيد من التفاصيل عن المرجعية لدى الشيعة

http://ar.wikishia.net/view/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AC%D8%B9%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9 

7- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

http://www.un.org/ar/universal-declaration-human-rights/index.html 

8- العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

http://hrlibrary.umn.edu/arab/b002.html 

9- الإعلان العالمي لحقوق الأقليات

http://www.ohchr.org/AR/ProfessionalInterest/Pages/Minorities.aspx 

10- النجاسة المعنوية للمسيحي

http://www.elfagr.org/2691816 

الجزء الثاني

http://www.civicegypt.org/?p=73602 

الجزء الأول

http://www.civicegypt.org/?p=73405 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Islamic Studies إسلاميات, Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.