!داوكنز يكتب عن مشاهير العُلماء

رعد الحافظ  

اُحذّر بشدّة من خطر هلاك الأمم بسبب إنعدام المعرفة!

(توماس آدي / طبيب إنكليزي من القرن 17)

مقدمة:

يقول العُلماء أنّ كلّ شيء في الكون (ماعدا المُعجزات الدينيّة التي لايوجد دليل مادي علمي واحد على حدوثها) يخضع لقوانين الفيزياء والكيمياء!

لا شيء يمكن أن يشّذ عن تلك القوانين.فهي المنظومة التي تحكم الكون بأكملهِ،

بما فيه من حياة ومواد جامدة وعناصر تتكوّن منها المجرّات والنجوم والكواكب!

كذلك لم يَعُدْ الحديث عن الحياة ونشأتها وتطوّرها حِكراً على علماء البايولوجي.

سيكون عِلماً منقوصاً لو لم نفهم قوانين الفيزياء والكيمياء التي تؤثر في الكائنات وتتحكم فيها!

في هذا المقال أنقل لكم حديث (د.ريتشارد داوكنز) العالِم البايولوجي الدارويني الأشهر في وقتنا الراهن في كتابه الرائع (فصول من الكتابة العلميّة) عن بعض مشاهير العلماء (سأقتطف الحديث عن إثنين منهم فقط في هذا الجزء)!

يقول داوكنز في مقدمة كتابهِ مايلي:

إنّ قدرتنا على فهمِ الكون وموضعنا فيه تُمثّل واحداً من أمجاد الجنس البشري!

بينما قدرتنا على التواصل العقلي مع بعضنا عبرَ اللغة،خاصةً قدرتنا على توصيل أفكارنا عبرَ القرون،تشكّل مجداً إضافيّاً جديداً!

إنّ الأدب والعِلم هما من أهمّ مُنجزات الإنسان العاقل،وهما يُبرّران إكتسابه لذلك الإسم.وفي محاولتنا لجمعِ الإثنين معاً،فإنّهُ يُمكن إعتبار هذا الكتاب كإحتفاليّة بالإنسانيّة!

***

أولاً / د. كارل ساجان!

عالِم فلكي أمريكي عاش بين (1934 ــ 1996) درسَ الفيزياء في جامعة شيكاغو. ثمّ دَرّسَ في جامعتي هارفارد وكورونيل العريقتين.قدّم برنامج تلفازي شهير, إسمه (الكون) شرحَ وبسّط فيه تلك المفاهيم العلميّة الغامضة للعوام!

يصعب حصر إنجازات وإسهامات (ساجان) العِلميّة،إنّما يكفي أن نعلم أنّه كان واحداً من فريق وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) الذين عملوا على هبوط أوّل إنسان على سطح القمر بالمركبة (أبوللو).فهو الذي كان منوطاً به إحاطة طاقم روّاد الفضاء عِلما بعالَم الفضاء الذي ينتظرهم.ألّف العديد من الكتب العلميّة غالبيتها لعامة الناس!

نالَ جوائز عديدة مثل وسام ناسا (مرتين)،وسام آرستر،جائزة البوليتزر!

يقول د.ريتشارد داوكنز عنه مايلي:

إنّ الكتابة التي تهدف الى تفنيد الزيف والخرافة،غالباً تكون غير جذابة للقرّاء ولا تحظى بمبيعات كبيرة.لكن (كارل ساجان) بإسلوبهِ البليغ يُكذّب تلك المقولة في كتابهِ الرائع (العالَم المسكون بالأشباح)!

وهذهِ بعض أقوال (ساجان) عن العلم والخرافة من كتابه المذكور:

يقول:

عاجلاً أو آجلاً فإنّ المزيج المُلتهِب من الجهل والسلطة سوف ينفجر في وجوهنا جميعاً!

يقول:

العِلمُ هو أكثر من مجرد كَمْ من المعلومات.إنّه إسلوب تفكير وحياة.في كلّ مرّة نُمارِس فيها نقد الذات ونختبر أفكارنا مع العالَم الخارجي،فإنّنا نُمارس العِلم!

يقول:

أنا قلق مع نهاية القرن العشرين من أنّ الخرافات والعِلم الزائف قد أصبحوا مع مرور الوقت أكثر إغراءً للناس.إنّ ناقوس اللاعقلانيّة هو دائماً أعلى صوتاً وأكثر جذباً.تُرى متى سمعنا هذا الناقوس من قبل؟

سمعناه في كلّ مرّة غذيّنا فيها أحكامنا المُسبقة العرقيّة والقومية!

سمعناه زمن القحط.سمعناه عندما صارت قيمتنا الذاتيّة (كأمّة) على المَحَك!

فنحنُ عندما نئّن من ضآلة حجمنا في الكون وعندما يزدهر التعصّب من حولنا.

عندها تطّلُ علينا أفكار العصور الغابرة!

يقول:

إنّ عِلمَ البكتريا والأرصاد الجويّة يشرح اليوم أشياء لو قيلت من قرون قليلة لكانت كفيلة بإحراق بعض النساء حتى الموت بتهمة السحر والشعوذة!

يقول:

الكُتّاب الدينيّون يؤكدون أنّ العلماءَ يعتقدون،أنّ ما يكتشفونه هو كلّ الكون!

أبداً،الحقيقة ليست كذلك.العُلماء لا يعتقدون أنّ معرفتهم بالطبيعة والكون كاملة!

يقول:

إنّ التفكير العلمي يستدعي الخيال والنظام في نفس الوقت.تلك نقطة مركزية في نجاحهِ.فالعلم يطلب منّا إستحضار الحقائق حتى لو كانت مُناقضة لتصوراتنا المسبقة.ينصحنا بإيجاد فرضيّات بديلة في أذهاننا كي نرى أيّاً منها يتطابق مع الحقائق!

يقول: 

واحد من أسباب نجاح العِلم هو أنّه يحمل في صُلبِ تكوينهِ آليّة لتصحيح الأخطاء!

(هذا يشبه تقريباً ما يحدث في طريقة عمل اللنظام الديمقراطي وكذلك النظام الإقتصادي الرأسمالي، كونهم يحملون مثل تلك الآليّة)!

وأخيراً يقول (عن طريقة الكتابة):

إنّ الإستعمال البلاغي للغموض في الكتابة (كما فعل الألماني إيمانويل كانت آخر فلاسفة عصر التنوير)،هو عيب في  حدِّ ذاته!

إنّ هدف الغموض أو الكتابة الصعبة هو لأجلِ خلق وهمٍ بوجود عُمق في الأفكار!

في كلّ ميادين الفكر التي تخص الفلسفة والعلوم وحتى في مجال الكتابة الأدبيّة،

فالكاتب الذي يملك شيئاً مميزاً يقوله للناس لن يُغامر بكتابة نص لايفهمه الآخرون!

إنّ الذين يتبنون الغموض في الكتابة هم كُتّاب إمّا غير موهوبين أو أشرار بطبعهم!

***

ثانيّاً /(ثيودوسيوس دوبزانسكي)!

ولِدَ في أوكرانيا ـ روسيا القيصريّة عام 1900.درسّ عِلم الأحياء في جامعة كييف في أوكرانيا.ثمّ رحلَ الى لينينجراد فأتّم دراستهِ هناك!

تزامَنَت سني دراستهِ مع أحداث عالمية كبرى كالحرب العالميّة الأولى،ثمّ الثورة الروسيّة عام 1917،ثمّ الحرب الأهليّة قبل قيام الإتحاد السوفيتي!

هاجر دوبزانسكي الى الولايات المتحدة عام 1927 بناءً على منحة دراسيّة من مؤسسة روكفلر،حيث درسَ في جامعة كولومبيا ثمّ إنتقلَ الى كالفورنيا!

هناك نشر عام 1937 واحداً من أعمالهِ الكُبرى عن نظريّة التطوّر البايولوجي الحديثة في كتابهِ الشهير (عِلم الجينات وأصل الأنواع)!

في هذا الكتاب تمّ وضع تعريف جديد للتطوّر البايولوجي وهو:

تغيّر في المستودع الجيني العام لمجموعة من الكائنات!

ذاعَ صيتهِ في المؤسسات العِلميّة وتنقّل في عدّة جامعات ومؤسسات حتى إستقر في جامعة روكفلر حتى تقاعده عام 1971 ثمّ وفاته عام 1975

لكن بالتوازي مع إنجازاتهِ العِلميّة الكبيرة،فإن مشاركته وتوقيعهِ على إعلان اليونسكو عام 1950 ضدّ العنصريّة في الإعلان الشهير:

( في مسألة العرق  The Race Question )  كانت مثاراً للإعجاب!

كانت قضيّة الأجناس والأعراق المُتخلّفة مَثارَ جدل حتى بين عُلماء ذلك الوقت! حتى أنّ الإحصائي وعالم البايولوجي التطوّري الإنكليزي (رونالد فيشر) كان يعتقد أنّ التركيبة الوراثيّة للأجناس،تجعل من جنسٍ ما أقلّ ذكاء وإستعدادا للتطوّر من جنس بشري آخر!

من هنا جاءت أهميّة إعلان اليونسكو 1950 في مسألة العِرق.الذي أدانَ أيّ محاولة علميّة أو أخلاقيّة لإرجاع إختلاف الذكاء البشري لأسباب تخّص العِرق أو الجنس.وأنّ الكرامة الإنسانيّة تتطلب أن يكون كلّ البشر متساويين أمام القانون مهما كانت إختلافاتهم الجسديّة والذهنيّة ظاهرة للعيان!

في الواقع من المفارقات بهذا الشأن أنّ كثيراً من الموّقعين وواضعي هذا الإعلان العالمي الإنساني،هم من عُلماء التطوّر البايولوجي.من بينهم كان العالِم الكبير (جوليان هيكسلي) الذي كان أوّل رئيس لمنظمة اليونسكو!

التطوّر البايولوجي للكائنات هو ذات العِلم الذي إتهمهُ معارضوه من رجال الدين

منذ أيام داروين والى يومنا،بأنّهُ عِلم لا أخلاقي يدعو لسيادة القوي على الضعيف!

(فإنظر عزيزي القاريء للفارق الأخلاقي ومَن يصدق مع نفسهِ ومع الآخرين:

العُلماء الحقيقيين،أم علماء الدين؟)

وهذه بعض آراء دوبزانسكي!

يقول:

إنّ الطفلَ المولود حديثاً ليس صفحة بيضاء بالكامل!

نعم هو يولد حاملاً معه صفاته الموروثة،لكن رغم ذلك فإنّ هذه الصفات الموروثة لا تُحدّد مصيرهِ بشكلٍ نهائي!

من خلال تفاعلهِ مع العالَم الخارجي سيختلف ذلك المولود عن غيره من المواليد بما فيهم إخوته (حتى توأمه إن كان له توأم)!

صحيح أنّ جيناتي حدّدت ما أنا عليهِ،لكن هذا فقط بخصوص الإختلاف عن جينات الآخرين.بمعنى الجينات ليست العامل الأوّل والأخير الوحيد المسؤول عن الفروقات بين البشر وطبائعم وسلوكهم!

البيئة المحيطة (وكلّما أزداد تنوّعها) ستشارك بالقسط الأوفر من رسم شخصيّة الطفل!

الطفل الذي أراهُ الآن يمشي متثاقلاً تحت شباكي مُمكن أن يصبح أشياء كثيرة!

أكيد لن يصل طولهِ 240 سم،لكنّنا نجهل ماهي العوامل التي ستُحدّد طولهِ وتدفع نموّهِ في بعض البيئات!

إنّ الحديث عن وجود عوامل أساسيّة ترسم الحدود العُليّا والدُنيا للنمو هو وهم!

كلّ عُلماء الإحصاء يعلمون أنّ الحُدود يصعب الإمساك بها،بالأخص عندما لا نستطيع تحديد الظروف البيئيّة كلّها!

دعوني أصيغ المعنى السابق من جديد:

إنّ الوراثة ليست لعبة زهر يلعبها القدر!

إنّ الإختلافات في بُنية الأجسام ووظائف الأعضاء والخصائص العقليّة هي في جُزءٍ منها ذات حتميّة وراثيّة،لا جِدال في ذلك!

لكن هذا لا يلغي تأثير البيئة والثقافة والتعليم والإصلاح الإجتماعي وما شابه!

إنّ الحتميّة الوراثيّة تعني عدم وجود طبيعة إنسانيّة واحدة،إنّما طبائع عديدة!

هذه الطبائع تكون ذات إحتياجات مختلفة كي تصل الى النموّ المثالي والإحساس بذاتها!

إنّ الحتميّة الوراثيّة التي تُحدّد الصفات الإنسانيّة هو موضوع مهم جداً يجب تناولهِ بحرصٍ بالغ،خاصةً فما يتعلّق بالخصائص العقليّة!

***

الخلاصة!

العِلم وطريقة العلماء في التفكير والعمل والبحث والإستنتاج والكتابة،تختلف جوهريّا عن طريق الدين ومشايخه ورجال كهنوتهِ!

فلماذا يستمر البعض،كجماعة العصر الجديد (المسيحيّة) وأصحاب الإعجاز العلمي (الإسلاميّة) أمثال زغلول النجار, بالدعوة لتقريب ثم تلاقي الطريقين؟

كيف سيحدث ذلك الإلتقاء؟

إذا كان العُلماء الحقيقيين لا يُصدقون بشيء ولا يعترفون بهِ إلّا بعد التجربة والبرهان والإمتحان والإختبار والدليل الحسّي المادي الملموس!

بينما تجّار الدين على عكس ذلك يجبروك على تصديق حكايات وروايات تناقلوها عن أجدادهم يعتقدون أنّها الأساس الصحيح الوحيد في الحياة.وكلّ ما عداها (بما فيها معتقدات رجال دين آخرين) هي محض كذب وخطأ ويستحق قائلها القتل!

أنا أقول: لا بديل عن القراءة العِلميّة للوصول الى المعرفة التي تنفعنا في جميع تفاصيل حياتنا (بدءً من طريقة التنفّس الصحيح وإنتهاءً بلحظة مواجهة الموت)!

عندما نبتغي شفاء شخص عزيز على قلبنا من مرض خطير،لن ينفعنا الدعاء الى قوّة ما ورائيّة خارقة.ولن ينفعنا طلب القبول والإعجاب (اللايكات) من أصدقائنا على الفيس بوك وباقي (السوشيال ميديا).لكن قد تنفعنا التحاليل الطبيّة والفحوص المختبريّة والعلاجات الطبيعيّة!

دليلي على ذلك (عدا النتائج المعروفة من أرض الواقع)،هو سلوك رجال الدين أنفسهم في هذا المجال!

 رعد الحافظ

7 أغسطس 2017

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Science جامعة تحوت, Secular Figures أعلام العلمانية, رعد الحافظ and tagged , , . Bookmark the permalink.