المرأة الكردية.. الانتكاسة على يد المد السلفي

خلاصة من بحث كامران محمد برواري’المرأة الكردية في الخطاب السلفي الكردي’، ضمن الكتاب 126 (يونيو/حزيران2017) ‘السلفية في كُردستان العِراق’ .الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي

ميدل ايست أونلاين  

یمکننا القول: إن السلفیة الوافدة علی المجتمع الکردي، کمعظم الأيديولوجیات الوافدة، لم تبذل أدنی جهد ممکن للتعرف علی المرأة الکردیة بشکل خاص وعلی عموم المجتمع بشكل عام.

لأن عملیة نقل المفاهیم والرؤی اتسمت بكثیر من السذاجة والحرفیة في النقل، وکأنها ترید تحویل کل العادات والتقالید والموروثات التاریخیة والنفسیة للمجتمع الکردي بین لیلة وضحاها بغمضة عین، دون اعتبار لقوانین وسنن التغییر، التي تتطلب وقتا وجهدا وتدرجا، هذا لو کان هناك ما یستحق التغییر نحو الأحسن، لا نحو التضيیق والتشدد وإحصاء الأنفاس!

لیس من المعقول أن تدعو إلى حجر المرأة في البیوت والفصل الکامل بین الذکور والإناث في مجتمع منفتح تتعامل المرأة والرجل فيه مع بعضهم بعضا بکل العفویة والتلقائية، بعیدا عن الریبة والتعقیدات النفسیة التي توجد في العلاقة بین الجنسین في مجتمعات أخری.

لیس من المعقول أن تبشر بنقاب في مجتمع لا تجد فیه نسبة (1٪) تلبس نقاباً! ولیس من المعقول أن تتحدث عن تحریم سیاقة المرأة للسیارة، في مجتمع تسوق فیه المرأة السیارة منذ أن دخلت السیارة المنطقة منذ بدايات القرن العشرين!

هناك أمثلة کثیرة علی هذا التخبط والمیکانیکیة في نقل الخطاب السلفي الوافد من مجتمع آخر، مختلف في عاداته وتقالیده وموروثاته إلى مجتمع آخر على الرغم من اشتراکهم في الدین نفسە.

المرأة الکردیة

یتبین من خلال قراءة ما کتبه الرحالة والمستشرقون والباحثون الأوروبيون والروس، والعلماء الکرد وغیر الکرد من العرب والترك والفرس، على الرغم من انتماء الکرد إلى تراث المنطقة ووجود عادات مشترکة؛ فإن نظرة المجتمع الکردي إلى النساء وتعامل الرجال معها، هي ظاهرة بحد ذاتها، إذ توصف المرأة الکردیة بأنها تتمتع بقدر کبیر من الحریة، وتتمتع بثقة أکبر بنفسها خلال تعاملها مع مجتمع الرجال. ویعتبر الکثیرون أنها تُعامل من قبل الرجال بصورة أفضل بکثیر، من تعامل الرجال مع بنات جنسها في المجتمعات الذکوریة المسلمة الأخری. أول ما یجذب الاهتمام في وصفه للکردیات هو تشبیهه إیاهن بنساء أوروبا من حیث التحرر، یقول: “ولا تتحرز نساء الأكراد من الرجال ولا یتحجبن منهم، فنساؤهم کنساء الشعوب الإفرنجیة متحررات، إذ لا یرقی إلى رجالهم الشك أبدا في خیانة النسوة. ولکن إن وقعت خیانة من امرأة فلا بد من قتلها ولا سبیل آخر لغسل العار”.

یقول ملا بایزیدي في موضع آخر من رسالته: وإن نساءهم [نساء الکرد] وبناتهم لا یحتجبن أصلا، ولا یهربن من أجنبي ولا یتحرجن من الکلام مع الغرباء. ومع ذلك فهن ذوات عصمة وأدب وشرف.

كان تحرر المرأة الکردیة مبنیاً علی الثقة المتبادلة بین الرجل والمرأة، ولیس بسبب افتقار الرجل الکردي إلى الغیرة علی نسائه أو عدم اکتراثه بالأخلاق، خصوصا إذا عرفنا أن الکرد یوصفون بأنهم شدیدو الغیرة، وهذا جلال الدين السُّيوطي (ت ٩١١هـ)، یقول في معرض حديثه عن خصال الشعوب: إن “الله جعل الغَيْرةَ عشرةَ أجزاء، فتسعةٌ منها في الكرد، وواحدٌ في سائر الناس”.

حتی في حالات التوتر الشدید والعدوان یحفظ للمرأة مکانتها واحترامها یقول بایزیدي:

“وثمة کثیر من الجماعات یعادي بعضها بعضا، وإن تلاقت تلك الجماعات فلا بد من أن یقتل بعضهم بعضا… ولکن النساء محصنات لا یلمسن ولا یعادیهن أحد بل یحترمونهن بحیث لو توسطت امرأة في أحد الدماء فإنهم یقبلون وساطتها وشفاعتها”. 

هذه الظاهرة الکرد الإیزيدیة أیضا، فقد شغلت ميان خاتون مكان زوجها منذ وفاته عام 1913 إلى 1957، وکانت حاکمة فعلیة وقویة يهابها الجمیع. وقد قبل المجتمع الإيزيدي ميان خاتون كوصية على ابنها سعيد بك حتى يبلغ سن الرشد، وعندما شب ابنها عن الطوق لم تتخل عن السلطة؛ إذ كان ابنها سعيد ضعيفاً وكانت تحتقره علانية. واستمرت كوصية على حفيدها تحسين بك الذي هو الأمير الحالي للجماعة. وقد استحوذت ميان خاتون على إعجاب كل من التقى بها. وقد كتب عنها صديق الدملوجي، وهو عراقي من أصل عربي وموظف عثماني سابق، الذي كان على اتصال دائم بالمجتمع اليزيدي منذ أربعين عاماً ما يلي:

“إنها حكيمة وذكية وتتسم ببعد النظر ومهابة الجانب من قبل ناسها. وتتمثل سطوتها عليهم في أن لا أحد يتجرأ أن يعترض عليها، الكل يرتعب من وجودها ويتوتر عندما تبتعد. إنها مغرورة ومتفاخرة ومتعجرفة ولكن عندما تلتقي بها فإن نبلها وشهامتها تتألق”.

في حین ظهرت عشرات النساء الزعیمات الکردیات مثل عادلة خانم التي أصبحت زعیمة لأکبر قبیلة في جنوب کردستان الجاف خلال حیاة زوجها عثمان باشا؛ وقد بدأت عادلة خانم تدريجياً بتولي السلطة بشكل فعلي حتى عندما كان زوجها على قيد الحياة. عند وفاة عثمان باشا عام 1909، بقيت مسيطرة بقوة وأصبحت سلطتها دون منازع حتى وفاتها في 1924. كانت عادلة خانم من دون أدنى شك أبرز امرأة، وقد كتب عنها أهم كاتبين كلاسيكيين عن كردستان الجنوبية: ي. ب. صون وسي. جي. إدموندز، بأشد العبارات تعبيراً عن الإعجاب. حیث وصفها بـ”ملكة شهرزور غير المتوّجة”.

وفي زمن سلطان سليم الرابع [1623-1640] كانت مناطق حرير وصوران تُحكم من قبل سيدة جليلة تدعى خانزاد سوران. كانت تتولى قيادة جيش مؤلف من اثني عشر ألف جندي مشاة مسلح وعشرة آلاف فارس نبّال.

هنا لا بد أن نتساءل: هل قرأت السلفیة کل هذا المیراث الأخلاقي والقیمي والتاریخي للکرد، قبل أن تبشر بقیم مناقضة لطبیعة ونفسیة وشخصیة الإنسان الکردي أو المرأة الکردیة بالأحری؟! لو استعرضنا مفردات الدعوة السلفیة الکردیة، لعرفنا أن هذه الدعوة فصلت في کثیر من أرکانها علی نقیض من الشخصیة الکردیة للمرأة الکردیة وللمجتمع الکردي ککل.

السکوت عن سبي الإیزيدیات

تمر ثلاث سنوات علی هجوم ما یسمی بتنظیم الدولة السلامیة (داعش) علی مدینة سنجار في أغسطس (آب) 2014، الذي أدی إلى قتل وتشرید الآلاف من الإیزيدیین الکرد. والأمر في هذه الکارثة کان تعرض النساء الإیزيدیات الکردیات إلى السبي بعد أسرهن علی حین غفلة.

بل قال زعیم السلفیة الدعویة الشیخ عبداللطيف بن أحمد بن مصطفى، في أحد لقاءاته: کما أن قتل دعاء جریمة، کذلك قتل الإیزیدیین جریمة! وهذا تشفٍّ واضح، لأن دعاء کانت فتاة إیزيدیة ارتبطت بعلاقة مع شاب مسلم، وقتلت علی أيدي عدد کبیر من الغوغاء الإيزيدیین، ولم ینس لهم الإسلام السیاسي والسلفیة ذلك، فکنا في بدایة الأزمة نسمع ونقرأ في شبکات التواصل الاجتماعي، یقولون بأن الله انتقم من الإیزيدیین بسبي نسائهم بسبب قتلهم لدعاء! علما بأن قتل الشرف في المجتمعات الإسلامیة أکثر بکثیر من المجتمع الإیزيدي!

وشكك الأمير السابق لتنظيم “أنصار الإسلام” ملا كريكار، بما تعرض له الكرد الإيزيديون على أيدي إرهابيي تنظيم “داعش” من سبي لنسائهم. وأجاب ملا كريكار في مقابلة أجرتها معه شبكة “رووداو” الإعلامية الكردية إذ كان من محاور الأسئلة ما تعرض له الإيزيديون، قائلاً: “لا أعلم شيئاً في هذا السياق، حيث سمعت بعض الأشياء من الطرف المقابل فقط، تماماً مثل مسرحية “الإمام الحسين والسيدة زينب” واقتيادهم إلى دمشق مقيدين بالسلاسل، وأنه يتم اقتياد الإيزيديين بالطريقة نفسها، ومن ثم بيعهم”. هذا في الوقت الذي لا یوجد کردي إلا ویعرف عن حقیقة مأساة الإیزيدیین!

عزز هذا الشعور الدیني داعیة سلفي آخر، هو الدکتور عبدالوحد محمد صالح، عندما هاجم الإیزیدیة وقال: إنهم عبدة الشیطان ومشرکون، وإن اسمهم جاء من یزید بن معاویة، أو من یزدان بمعنی الله في الفارسیة، حیث لا صلة لهم بالکرد! وإنهم نجسون حیث لا یغتسلون، ویستهزئ بهم بصورة تهکمیة دینیة تخلق شرخا بین أبناء الشعب الواحد، ویمکن أن یقدم للمحکمة في دول يحکمها القانون حقا. هذه النظرة إلى غیر مسلم في بلد تعیش فیه عدة أدیان ومذاهب وقومیات، تضر بالوحدة الوطنیة بین أبناء شعب واحد أو وطن واحد.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية and tagged , , , , . Bookmark the permalink.