(حول مناظرة وفاء سلطان ومحمد الفزازي (ح 1

د. محمد ناجي              

الحلقة الأولى: عتاد ملحمة بين عالمة وشتام

تَــرِبَ جبـيـنُـك يا فزازي ؛

لقد نـكَّـسـتَ رؤوس الشيوخ الدعاة!

فهلا حلقت لحيتك!؟

ـــــــــــــــــــــــــــــ

في الثالث من هذا الشهر (أغسطس 2017) تابع العالم عبر ثلاثة مواقع إلكترونية عالمية وقائع  مناظرة جرت بين الدكتورة وفاء سلطان والشيخ محمد الفزازي [1] في موضوع: (هل أكرم الإسلام المرأة أم أهانها؟)  

وهي مناظرة يمكن أن أقول عنها بأنها كشفت عن طينة وطبيعة كل طرف من المتناظرين، وعن المستوى الفكري لكل منهما، وعن مدى اتساع أفق كل منهما.. بل وأقول ـ وألح على هذه ـ: إنها كشفت أيضا عن أخلاق كل منهما.

ولذلك ففي تقييمي لهذه المناظرة قد يحكم البعض بأنني متحيز فيه لطرف دون آخر. وسأكون كاذبا إن ادعيت خلاف ذلك. غير أنه موقف جاء بعديا ولم يكن قبليا.

ففي بداية المناظرة كنت أتابعها وأنا محايد فارغ الذهن، لأن غايتي من متابعة أي مناظرة، معرفيةٌ محض. فأنا لا أتابعها وقد راهنت على طرف، فأدعو له أن يخرج فائزا لأربح الرهان، بل أتابعها لأزداد معرفة، أو أقف على طرق متباينة في التفكير والاستدلال، أو أكتشف شخصية علمية أو أدبية أو دينية لم أكن أعرفها. ولذلك فإنني لم أحِـد عن هذه الغاية عند إقبالي على متابعة هذه المناظرة بادئ الرأي.  

غير أنني بعد انتهاء المناظرة، وتفكيري في كتابة شيء عنها، كنت أعرف أنني سأكون منحازا للدكتورة وفاء سلطان، لأنها ـ وبكل صدق ـ كانت الأعلى كعبا، والأوفى حجة، والأبعد غورا في الموضوع، والأقوى ضربا في مقاتل الشيخ الذي ظل يتلقى تلك الضربات وهو يُـحَوِّل تأوهاتِ آلامه وأنات أوجاعه جـرّاءها، إلى طوفان من الشتائم والسباب والتجريح والقذف والذم، وكأنه لا يملك في جعبته غير ذلك ؛ بل الأصح أن أقول: لأنه لم يكن يجد في جعبته لاتقاء تلك الضربات غير السب والشتم والتجهيل.

والحقيقة أنني أشفقت على الرجل، لأنه أصبح يبدو لي هُـرَيْرا وقع بين يدي لبوءة، فهي تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال، وهو لا يملك في مقاومتها إلا مواء وانتفاخا،، حتى لم يبق فيه عضو لم يـتـقرح إلا لسانا لا يتوقف عن الصياح والاستغاثة بكل ما في المعجم من عبارات الشتم والتجهيل والسب والقذف، يحسبها المسكين قد تؤثر فيها أو تردعها عن مواصلة الهجوم وتحقيق الإصابات،، بينما الدكتورة مستمرة في تحطيم مفاصله وتكسير أضلاعه، لا تأبه لعوائه وموائه وصياحه، لأنها تدرك أن الضجيج لا يسقط ورقة خريف من  شجرتها، فكيف يحرك هرما بقامة الدكتورة وفاء سلطان..

لقد كان قوام عتاد الدكتورة وفاء سلطان في هذه الملحمة المشهودة:

  آياتٍ من القرآن،

وأحاديثَ نبوية،

وتصويبات فكرية وثقافية وتاريخية،

ورباطة جأش،

وتحويل اتجاه قذائف الشيخ الخاوية ـ إلا من الضجيج ـ إلى نحره. 

أما قوام عتاد الشيخ محمد الفزازي فقد كان:

 فصاحته وطلاقة لسانه،

وتمكنه من اللغة وحفظ القرآن،

و معجما هائلا من الشتائم والإهانات، والرمي بالجنون.

وتصحيحات لأخطاء لغوية ونحوية وتصحيفية كانت ترتكبها الدكتورة الطبيبة وفاء سلطان في حديثها،

 وإيراد آيات نقيضة أو مناقضة للآيات التي تستدل بها الدكتورة، دون التطرق إلى الآيات المستدل بها لإبطال مفعولها..

والاتكاء على أسلوب التمريض ـ إن جازت التسمية ـ في ترديد بعض عبارات الدكتورة، مقرونة بحركات استفزازية واستهزائية، أجدها أقربَ إلى البهلوانية منها إلى الجدية المطلوبة، دون أن يغفل الشيخ صيغ التمريض أيضا في آخر مداخلته.

ثم محاولاتٍ كانت ناجحة في معظمها لتهريب المناظرة عن موضوعها، إلى الحديث عن الحضارة الإسلامية، وفتح الأندلس، وما قدمه المسلمون للعالم، وأن المسلمين هم الذين يزودون العالم بالنفط، وأن المغرب هو الذي يزود العالم بالفوسفاط، والعهر في أوروبا، وتحميل الغرب والاستعمار مسؤولية تخلف المسلمين، والتنمية التي يعرفها المغرب بقيادة الملك محمد السادس الذي أشاد به سركوزي، وأمَّـه الشيخ، وأن المسلمين رغم تخلفهم في الوقت الحاضر، إلا أنهم سيصبحون في مقدمة دول العالم (ربما بضجيج الفزازي وإبراهيم الخولي وأضرابهما، أو بأطروحات خريجي كليات العلوم الإسلامية والشرعية في موضوع الفساء الذي ينقض أو لا ينقض الوضوء، وفي أبوال الإبل لمعالجة السرطان، أو بالنظريات الإسلامية الخارقة التي تثبت بالنص القرآني القطعي أن الأرض مسطحة ثابتة، أو بإعجازات زغلول الدجال القرآىنية.. )، 

خاتما مداخلاته بأن مكان الدكتورة وفاء سلطان هو جهنم، لأن الله لا يدخل أمثالها إلى جنته.

وإذا قلت بأن خطته هاته في تهريب المحاضرة إلى مساحات أخرى كانت ناجحة في مجملها، فلأن الدكتورة وفاء سلطان كانت تجاريه فيها، فتسايره في أي طريق يتحول إليه. ورغم أن هذه المسايرة كانت تحقق لها مكاسب أخرى إضافية، إلا أنها من الناحية العلمية، لا تمنحها نقطا قوية كالتي كان من الممكن أن تحققها بعتادها القوي المدمر، المستخرج من القرآن والسنة،، ومن الوضع البئيس الذي أصبحت عليه المرأة المسلمة منذ هجرة النبي إلى يثرب، مفارقة وضعها الراقي والسامق الذي كانت تتمتع به قبل الإسلام.

وكمثال على تلك المسايرة، أكتفي بالإشارة إلى محاولة الشيخ الفزازي السخريةَ من الدكتورة بأن طلب منها أن ترفع نظارتيها عن عينيها لترى جمال الإسلام،، وردها الصاعق بتحويل وجهة الطلب نحوه، تسأله فيه أن يرفع هو الغشاوة عن بصره وبصيرته كي يرى الحق حقا والباطل باطلا.. (انظر الشريط: 1.17.20)

وعموما فقد قلت بأن هذه المناظرة تكشف عن جانب من أخلاق الطرفين العلمية والسلوكية، وعن مدى تصورهما لطريقة التناظر؛ حيث يلاحظ أن الدكتورة وفاء دأبت على طول المناظرة تخاطب الشيخ الفزازي بعبارات مؤدبة مهذبة نظيفة، فهي في كل مرة تأخذ فيها الكلمة، تبدأ كلامها بعبارة سماحة الشيخ، إلا مرة واحدة عندما أرادت أن تحافظ على موضوع النظارات مسترسلا، حيث بدأت قولها: «يسألني الشيخ أن أرفع النظارات عن عيني… »، دون أن تتفوه في حقه، ولو بكلمة واحدة تحط من شأنه، أو تطعن في تكوينه، أو تستهدف سلامته الفكرية أو العقلية، وإنما كل كلامها كان موجها للقرآن ولكاتب القرآن ـ حسب تعبيرها ـ ولإله القرآن، باعتبارها لا تؤمن بأن القرآن كتاب سماوي منزل من عند الله، وإنما ترى أن القرآن أهان المرأة وحط من كرامتها وقيمتها. 

أما الشيخ فإنني لم أجد له مداخلة لم يفتتحها بتهجم وسب وقذف، ولم يختمها بتهجم وسب وقذف، وما بين البداية والنهاية ركام آخر من السب والتهجم والقذف، بعضه على خف بعض.. لم أستطع أن أغربل من كل تلك الجعجعة حفنة طحين أغذي بها فكري، أو أقوي بها زادي المعرفي المتواضع.

والشريط أسفله شاهد لي أو علي.

وإلى الحلقة الثانية إن شاء الله تعالى،

الذي أجله وأنزهه عما يفترون!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ رابط المناظرة:

https://www.youtube.com/watch?v=I40C_Y4CpY4

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, محمد ناجي and tagged , , , . Bookmark the permalink.