قصة طفلة بريئة فى مجتمع متطرف

أحمد علي  

كنت جالسا فى الحديقة مسترخى أحاول ترتيب أفكاري بعد يوم شاق من العمل والأنفعالات وأري الأطفال أمامى يضحكون ويلعبون وأراها هذه الطفلة الجميلة ذات الشعر الذهبى المنسدل على كتفيها كخيوط من ذهب أراها تضحك وتلعب وأجد الأطفال يجارونها فى اللعب واللهو ضاحكين مبتسمين غير عابئين بما يحدث حولهم فى هذه الحياة الصعبة وجدت نفسى أتفاعل معهم وأجاريهم فى اللعب وهم يلعبون لعبة الأستغماية وجاء الدور على حتى أغلق عينى ويقولون خلاص حتى أبدأ فى البحث عنهم وهم يختبئون منى كما تقول اللعبة وما ان سمعت كلمة خلاص حتى فتحت عينى وبدأت فالجري والبحث عنهم وأمسكت تلك الطفلة الجميلة التى ذبت فيها عشقا وشغفا منذ رأيتها وحضنتها برقة وأخذت أقبل خديها الجميلين وهى تضحك ثم حملتها على يدي وأخذت أدور بها وهى منسجمة معى بمرح وطفولية ثم جلست بها أحملها على يدي وهى على نفس الحالة من السعادة والشغف فرحة بهذا الشاب الذي يشاركها نفس اهتماماتها الطفولية وهى ممسكة برقبتى وكأنها وجدت أخيرا من يشاركها اهتماماتها فى عالم الكبار الذين يكونوا غالبا منشغلين باهتماماتهم الغير مفهومة لها والتقت عينى بعينها البريئة ورأيت أسنانها البيضاء اللامعة تظهر من ثغرها الجميل وسألتها ماذا تريدي أن تكونى فى المستقبل فقالت لى أريد أن أصبح دكتورة.

 تأملتها للحظات ثم سألتها لماذا قالت لى حتى أعالج المرضى وأساهم فى بناء بلدي حينما نطقت تلك الجملة الأخيرة ارتعشت عيناي وأحسست بحزن بدأ يغالب احساس السعادة والنشوة الذي كنت أعيشه منذ لحظات وأحسست بدمع بدأ يملأ عينى التى ما زالت متأثرة بهذه الجملة أساهم فى بناء بلدي ثم سألت الطفلة مرة أخري ولماذا تريدي بناء بلدك قالتلى ببراءة لأن الصح اننا كلنا نبقى بنحب بعض توقفت عينى عند هذه الجملة وطردت الأحساس بالحزن والتفت الى الطفلة مرة أخري وفجأة شرد ذهنى وأنا أتخيل مستقبل هذه الفتاة التى تعتقد ان الناس يجب أن يحبوا بعضهم البعض وهى فالمدرسة وأنا أشاهدها وهى تدخل الفصل وأحسست كأنى أري الخيال بعين الواقع فجأة اختفت الحديقة واختفى الأطفال، وأشاهد الطفلة وهى تدخل المدرسة بشعرها الذهبى اللامع وترتدي تنورة قصيرة ومدرستها المحجبة المتجهمة دائما تقول لها انها يجب أن ترتدي الحجاب لأنه فرض وأنها ستدخل النار اذا لم ترتديه وستصبح من اهل النار وانها لن تدخل الجنة ولن تجد ريحها وهذه الطفلة تنظر لها ببراءة لماذا يعذبنى الله اليس الله يحبنا جميعا واذا بهذه المتجهمة تتهمها بالكفر والألحاد وانها ستدخل النار وانها لا يجب أن تناقش أي شىء فى الدين حتى تدخل الجنة.

وبكت الطفلة بأنين شديد من هذه القسوة فى التعامل التى لا تدري لها سبب ولا يستطيع عقلها استيعابها ولا تستطيع براءتها تحملها فانهار جسر البراءة الصغير من وطء قسوة الكبار وأفاض بسيل من الدموع والأنتحاب على وجنتى هذا الملاك الرقيق الذي عجز قلبه عن تحمل هذا التطرف الفكري بحكم قلة خبرته فأسال فيضا من الدم فى مرارة هذه الطفلة البريئة وانتهى اليوم الدراسى وكبرت الطفلة وأصبحت شابة وتغير المشهد أمامى مرة أخري وهى تجلس فى غرفتها مع والدتها وتسأل والدتها ما دليلك على وجود الله أسقط فى يد الأم التى فجأة صرخت فى ارتياع لا يحدث سوي فى حالات الموت أو اكتشاف الأصابة بمرض خطير مثل السرطان!!!! الحقنى يا ونطقت اسم والدها بنتك كفرت وجاء والدها بسرعة البرق ليس بسبب الجملة انما بسبب الصراخ الذي أيقظ البيت كله والعمارة وربما الحى كله وهو يتسائل ما الذي حدث هل جد الفتاة توفى أم حدثت حرب على مصر أم ماذا!!!!

وحينما هدأت الأم وفهم الأب ان بنته تناقش مسألة الوجودية قال لها بلغة هادئة كانت على الرغم من عدم منطقية مفرداتها أكثر هونا من عصبية أمها التى تتحلى بها ثلاث أرباع سيدات مصر اننا ولدنا مسلمين وأنتى مسلمة وهذا هو قدرك وغير مصرح لكى أن تخرجى عن هذا الأطار يقصد اطار الشريعة واننا قمنا بتدليلك بشكل زائد عن الحد وانك يجب أن ترتدي الحجاب والا سندخل النار بسببك وقال لها الأية القرانية يا أيها الذين أمنوا لا تسئلوا عن أشياء ان تبد لكم تسؤكم حاولت نقاشه واقناعه أن عندها شك كبير فى وجود الأله وحتى لو موجود فهو مستحيل يعذبها بهذا الشكل لأنه رحيم ازداد تمسك الأب برأيه بل ازداد قسوة وانغلاقا غير ابه بحريتها الشخصية فى اختيار معتقدها وقال لها انها اذا خرجت عن الأسلام فسوف يحاسبه الله على ذلك أسقط فى يد الشابة الجميلة التى كانت تتوهم أن من حقها اختيار معتقدها وانه لا اكراه فى الدين بل وتجاوز الأمر من مجرد مناقشة الأراء الى سلب حريتها فى الأختيار ألجمت المفاجأة فاهها المنفغر فى دهشة وغضب وألم خرج والديها من الغرفة وهى فى نفس الحالة ولم تتناقش معهم فى هذا الأمر مرة ثانية.

وكبرت الشابة وتغير المشهد فى خيالى ورأيتها بعد أن تزوجت وأصبح لديها طفلة وزوج وهى تجلس معه فى غرفتهم الكبيرة التى يجلسون فيها دائما وبنتهم الرضيعة نائمة على السرير بجوارهم وسألت زوجها ما دليلك على وجود الله وعلى حدوث الوحى نفس الأسئلة التى سألتها لوالديها من قبل حينما كانت شابة فالتفت اليها زوجها من فرط المفاجأة وقال لها ماذا تقصدين بهذه الأسئلة فقالت له نفس الأسئلة التى كانت تسألها ببراءة فى طفولتها اذا كان الله يحبنا فلماذا يعذبنا وفجأة تغيرت ملامح زوجها الذي كان مسترخى بجوارها يمنى نفسه بسهرة رومانسية وانهال عليها بالصراخ وتهم الألحاد والكفر وازدادت المناقشات حدة وتغير المشهد فى خيالى مرة أخري أري الفتاة التى أصبحت سيدة تجلس فى صالون بيتها مع والديها وزوجها ووالديه كلهم مكفهرين الملامح معقودي الحواجب يملأ الغضب كل خلجة من خوالجهم من هذه التى تناقش مسألة الوجودية وقال لها والد زوجها انهم وافقوا على زواجها من ابنهم باعتبارها مسلمة وانه يجوز شرعا انهم يطلقوها منه اذا أصرت على أفكارها وأن يسلبوا منها حضانة بنتها أيضا كانت تستعد أن تفتح معهم النقاش فى مسائل الوجودية مرة أخري ولكن حينما تعلق الأمر بأخذ بنتها منها قالت لهم بسرعة سببها عقله المضطرب من كثرة الأنفعالات أنا مسلمة وهدأ الجميع وفجأة اختفت كل هذه المشاهد من رأسى وعدت الى الحديقة التى لم أغادرها قط ومازالت الطفلة متعلقة بى بقوة والدموع تنهال من عينى كشلال يغرق كتف البنت الصغيرة ووجدت نفسى أقول لها فكري واختاري وقرري ومينفعش حد يتحكم فى اختياراتك ومصيرك أبدا

أحمد على

8/7/2017

Print Friendly
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, أحمد علي and tagged , , . Bookmark the permalink.