هل اقتربت لحظة خروج العرب من التاريخ؟

كيف تكون (الوحدة العربية) مع التبعية للرأسمالية العالمية؟

وكيف تكون مع استمرار الصراعات العربية/ العربية؟

طلعت رضوان  

تبنى أغلب الماركسيين مقولة عبدالناصرعن العروبة، ولكن الماركسى د.فوزى منصور اختلف معهم فى كتابه (خروج العرب من التاريخ) الذى انتهى من كتابته عام1988 باللغة الإنجليزية ثم صدرتْ الترجمة العربية عن مكتبة مدبولى- عام93. فى المقدمة ذكر د. منصور أنه أنه يخشى أنْ يكون مصير العرب مثل مصير الهنود الحمر. بل إنّ ((هذا المصير ينتظرنا رغم كثرة مواردنا ووفرة أموالنا)) وأنّ مأساة العرب تتمركز حول كثرة الانقسامات والحروب الدائرة بينهم ، وانصرافهم عن الخطر الصهيونى القابع فى دارهم إلى المعارك و(الانقلابات) العائلية. وتحالف بعضهم الصريح والضمنى مع العدو الأصيل الأجنبى ضد اخوتهم. وأنّ التحالف مع العدو ظاهرة قديمة فى تاريخ العرب.

وكان أمينـًا وهو يشرح أسباب (خروج العرب من التاريخ) من ذلك أنّ الأنظمة العربية تتكامل مع المركز الرأسمالى العالمى، من خلال تدفق الأموال العربية الفائضة إلى الرأسمال العالمى. ثمّ تدفق تلك الأموال فى الاتجاه العكسى، فى شكل قروض وتسهيلات ائتمانية. وعلى هذا النحو تــُـستخدم فوائض الأموال العربية المُعاد تدويرها فى تحقيق تكامل أكثر تبعية للدول العربية مع النظام الرأسمالى العالمى. وشرح عدة أنواع من التبعية، مقابل أنّ الدول الرأسمالية الكبرى تحمى عروش الحكام العرب، كماحدث عندما اضطر النظام السعودى عام1983(وكان فى أوج رخائه النفطى) إلى الاستنجاد بدولة أوروبية لكى تــُـرسل له جنود المظلات لتخليص النظام من تمرد مسلح نظــّـمه فريق من رعايا المملكة السعودية. رغم أنّ السعودية كان بها أسلحة فى مخازنها دفعتْ فيها بلايين الدولارات (ص179، 180) ورغم كل ذلك فإنّ د. منصور لم يفقد الأمل ((فى بناء الأمة العربية المُوحــّـدة)) (ص24) كتب ذلك رغم ادراكه واعترافه بحالة العجز العربى الذى عبّر عنه قائلا ((إنّ الدولة (الصغيرة) إسرائيل خاضتْ خلال أربعين عامًا أربعة حروب مع جيرانها. وتخلــّـلتْ تلك الحروب وأعقبتها غارات وضربات وغزوات.. وفى جميع المواجهات الكبرى الأربع كان نصيب الجانب العربى الهزيمة.. وفى كل مرة تكون الهزيمة أكبر من سابقتها. وكان العرب يُـقـدّمون فى كل مرة عذرًا أشد قبحـًا، بينما يُحقق العدو(الامبريالى) الإسرائيلى مزيدًا من المكاسب. واعترف بأنّ إسرائيل– حتى بعد حرب73 ((دولة مُـهيمنة فى المنطقة وقائمة بذاتها وليس بوصفها مجرد وكيل عن الدول الامبريالية المُساندة لها)) فكان د.منصور بذلك يرد على الأكذوبة الناصرية/العروبية أنّ إسرائيل ((الولاية الأمريكية رقم51))  

وعن مصدر الدخل ذكر أنّ موارد العرب كانت تعتمد على منظومة الريع من مصدريْن أساسييْن : الجزية والخراج. وفى العصر الحديث استمرّ النمط الريعى ولكن تغيّر مصدره ليكون النفط (ص67) ونظرًا لبنية الموروث العربى القائم على الاعتداء والنهب، لذلك استمرّتْ تلك البنية العقلية فى العصر الحديث، حيث استمر نظام العشيرة والقبيلة وتوارث الحكم، وبالتالى الجمود، حيث أنّ نظام الحكم يظل داخل الأسرة، ثم تنشأ الصراعات داخل الأسرة الحاكمة. كما أنّ الاستعمار البريطانى كان وراء تثبيت الملوك على العروش، وأصبحتْ المنازعات حول الحدود مُـنتشرة وسائدة بين العرب، وحتى الحدود المُـعترف بها تحوّلتْ إلى منازعات حدودية (اليمن والسعودية نموذجـًا) 

تعرّض د. منصور لتجربة الجزائر، وأنّ 8 سنين من الكفاح ضد فرنسا ((وعلى الرغم من الثروات النفطية أخفقتْ فى تحقيق حلمها وهى تنتكس شيئـًا فشيئـًا إلى حالة لا تختلف كثيرًا عن جيرانها)) (ص130) وما لم يقله أنّ الجزائر بعد التخلص من الاستعمار الفرنسى حلّ محله الاستعمار الأمريكى، وهو ما عبّرتْ عنه السيدة لويزا حنون رئيسة حزب العمال الجزائرى فى مؤتمر صحفى حيث قالت إنّ (ديك تشينى) نائب الرئيس الأمريكى بوش الابن يمتلك 60% من رأسمال شركة الأنابيب الجزائرية (أهرام 30/3/2003) 

ركــّـز د. منصور على أهمية تحدى الامبريالية، وكيف يتم ذلك (والأنظمة العربية) تابعة للرأسمال الأوروبى كما ذكر فى أكثر من صفحة؟ بل ((والتكامل مع المركز الرأسمالى العالمى)) (ص179) وأنهى كتابه قائلا((وفى الجملة يُمكن القول إنّ وحدة عربية تقودها البورجوازية القومية سوف تكون فى أحسن الأحوال تكرارًا– على النطاق الكلى– لنمط التطور الجزائرى بالإتجاه المُلازم له للارتداد إلى التبعية)) (ص195) ولخـّص د. سمير أمين الوضع العربى فى جملة شديدة الكثافة فى دراسته عن الكتاب فكتب ((وبتركيز شديد أقول إنّ العالم العربى الإسلامى شكــّـل عالمًا خــّـراجيًا مُـكتملا، سمته الرئيسية المركزية الشديدة للسلطة وما ترتب عليها من اندماج الطبقة الخــَـراجية ودولتها)) (ص201) وإذا كان كتاب د. فوزى (خروج العرب من التاريخ) أزعج العروبيين وانتقدوه بشدة، فإنّ د. فوزى ليس ضد العروبة، لأنه كتب كثيرًا– فى نفس الكتاب عن الأمل فى (خروج حضارى) قبل أنْ (يخرج العرب من التاريخ) ولكن الروشتة التى وضعها هى نفس الروشتة العروبية ((ليس للوطن العربى ككل، ولا للأجزاء المُكوّنة له، مستقبل خارج مشروع توحيدى قومى)) (ص157) كتب ذلك رغم أنه ذكر فى المقدمة أنّ العرب أداروا ظهورهم للتاريخ، ((والتاريخ قد يصبرعلى قوم فى هزائمهم، وقد يمد يده لمن يتخلف عن الركب، أما الذى لا يتسامح التاريخ فيه أبدًا، فهو أنْ يُدير القوم ظهورهم له، ويمضوا مُـتباعدين عنه، وذلك تحديدًا هوما يفعله العرب)) (ص6، 7) 

Print Friendly
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.