ما بعد داعش؟

 د.رياض حسن محرم  

بعد هزيمة داعش وإندحارها من الموصل، والتقدم السريع لقوات سوريا الديموقراطية “قسد” فى الرقة عاصمة الدولة المزعزمة، فإنه يمكن القول بهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية فى موطنه الأصلى بسوريا والعراق، ولكن يبقى السؤال المحورى “وماذا بعد؟”، هل تختفى داعش نهائيا وتنتهى فجأة كما ظهرت، أم أن للقصة نهاية أخرى ربما لم تكتب بعد.

لقد أثبت تنامى عمليات داعش الإرهابية فى كثير من دول العالم ومن بينها مصر أن الرواية لم تنتهى بعد وربما يكون القادم أسوأ،فلم يكن «داعش» مجرد تنظيم انبعث فجأة في فراغ، بل كان مسارا من المحطات ترتبط بمسار القاعدة وتنظيمات العنف في المنطقة بعمومها وهو تيار التطرف فى الفكر الدينى الذى بدأ فى العصر الحديث منذ آماد بعيدة ويتطور بشكل حلزونى متصاعدا فى أيديوليجيته وممارساته متغذيا على أوضاع الفساد والإنهيار الإقتصادى وأزمات الشباب المتمثلة فى البطالة وفقدان الأمل بالمستقبل وانهيار القيم، وليست داعش باستثناء من ذلك فهى ليست مجرد تنظيم أسسه «أبو مصعب الزرقاوي» عام 2004 باسم “تنظيم التوحيد والجهاد” ثم توسع هذا التنظيم إلى “مجلس شورى للمجاهدين” ضاما إليه سائر التنظيمات الراديكالية الأخرى، بما فيه تنظيم كان أحد أعضائه – إبراهيم البدري السامرائي – أو “أبو بكر البغدادي” (الخليفه المزعوم في ما بعد)، في سياق نشأتها وصعودها سواء عبر جذب المقاتلين الأجانب من بقايا الأفغان العرب، إلى التركيز على مقولة “التمكين” والدفاع عن تخوم دولة الخلافة بجيش من الأنصار من مختلف بلاد العالم.

لقد ساهم نمو الحركات الجماهيرية العربية فى دول الربيع العربى 2011 فى خفوت نجم العمل الجهادى المسلح لفترة مؤقته وذلك بإمكانية إزاحة الأنظمة الحاكمة بنجاح بواسطة التحرك الجماهيرى السلمى، ولكن سرعان ما تراجع هذا الطرح نتيجة تحول الثورة فى بلدان كليبيا وسوريا الى العسكرة والعنف المسلح، أن بقاء الأسباب والأزمات التي أنتجت «داعش» يعني بقاءها وتجددها، سواء كانت حالة الترهل التي شهدتها بعض الدول بعد الانتفاضات العربية عام 2011، أو مبررات وجودها كالتدخل الإيراني والحالة الطائفية وبالتالي، يبقى شرط اختفاء النتائج أو النهايات قائما ومرتبطا باختفاء الأسباب والبدايات، و يبقى الأمر الأكثر خطورة هو تحوّل التنظيم إلى حالة يستلهمها كثير من المتشددين و”الذئاب المنفردة” ليقوموا بعملياتهم في “لا مركزية” واضحة تضيف للتنظيم زخما وحضورا بعيدا عن حصاره في بؤر الصراع بسوريا أو العراق أو غيرهما، كما يوظف داعش خطابات وأزمات المؤسسة الدينية لصالحه، وهو ما يستدعي وقفة طويلة في هذا السياق تقوم على عدد من المراجعات لأزمة بعض خطابات الإصلاح الديني نفسه وغياب الشجاعة الكافية في نقد بعض مرجعيات وشعارات التنظيم من الخلافة والحاكمية والتمكين التى تستهوى الإسلاميين، كما إن كثيراً من الكتاب والباحثين ينتقد التطرف من الخارج دون النقد من الداخل فى متنه، وهكذا يظل نقده سطحياً لا ينفذ لعمق آيديولوجية التنظيم.  

لقد لعبت المدرسة بشكل عام والمناهج التربوية بشكل خاص، إضافة إلى بعض المؤسسات الدينية وبعض رجال الدين بخطابهم الماضوي الإلغائي إزاء الآخر، دوراً سلبياً في نشر أجواء التشدّد والتعصّب المنتجة للتطرّف، وهذا الأخير حين يتحوّل من الفكر إلى الممارسة، ينتج عنفاً وإرهاباً، كجزء من عقيدة استعلائية تدّعي امتلاك الحقيقة والأفضلية بالتعكّز على الدين وزعم القرب إلى الله، الأمر الذي ساعد في سيادة الخطاب الآحادي والتفسير “الإسلاموي”باعتباره مقدساً وغير خاضع للنقاش والجدل، وهكذا نمت “الداعشية” في إطار المنظومة الثقافية السائدة، خصوصاً بضعف المواطنة أو الشعور بها وغياب أو شحّ مبادئ الشراكة والمشاركة والمساواة والعدالة الاجتماعية التي هي أركان أساسية للمواطنة، فما بالك حين تمارس سياسات تمييزية وانتهاكات لحقوق الإنسان، وحتى من الناحية العسكرية والسياسية ف «داعش» ما زال يهيمن على مناطق أخرى مثل قضاء تلعفر القريب من الموصل وصحراء نينوى والأنبار، إضافة إلى قضاء الحويجة وقضاء الشرقاط والشريط العمراني الواصل بين قضاءي حديثة والقائم على الحدود العراقية – السورية، وذلك بالطبع يحتاج إلى جهد مركّب ومتنوّع بما فيه حملة دعائية وفكرية ضده بمنظومة قيمية نقيضة له، لكن ذلك لا ينفى قيمة الإنجاز العسكرى الذى تم فى مواجهة داعش والذى أدى بالضرورة الى إضعافها وبعثرة جهودها طوال السنوات الثلاث الماضية. 

لقد أدى تجذّر الصراع السنى الشيعى الذى يدعمه بشدة النظام النيوإمبريالى فى الولايات المتحدة الى إذدياد فرص داعش فى التغلغل والبقاء، كما إن البيت الشيعي نفسه يمكن أن يشهد تنافسًا بين الميليشيات المدعومة من إيران وبين الحكومة العراقية والفصائل التي تدين بالولاء للمؤسسة الدينية التقليدية في النجف فقد بدأت تململات تظهر فى العراق على تبعية الشيعة لإيران، إن تجذر الفكر الدينى عموما والميل الى التشدد يمثّل فائضا تنهل منه التنظيمات المتطرفة بشكل عام، والوضع فى سوريا أصعب، فالمتدخلون أكثر، وهم على تعددهم ليس بينهم فريق قوى يمثل شريحةً واسعةً من العرب السنة الذين هم أكثرية الشعب السورى، كما أنه لا توجد قوة حامية لهم بعكس الكرد والتركمان والعلويين وغيرهم، وتعدهم داعش بالحماية والدفاع عنهم وهذا ما مكنّها من السيطرة والتمدد.

إن الأساطير التي تصنع العنف المقدس أي فقدان السيطرة والمضي قدماً في توحش لا يوقفه حد ولا يضبطه ضابط، حتى إن “القاعدة” التي أسست لإدارة التوحش هالها ما يقدم عليه تنظيم “داعش”، واعتبرته خارجاً عن حدود الممكن والمعقول والمتحمل والإنساني، وبالطبع الديني، فأعلنت براءتها منه، وكان ذلك أحد أسباب الجدال بين التنظيمين تلك المشاهد التي يبثها التنظيم لضحاياه وكأنهم يقدمون كأضاحي إلى مذابح مقدسة، يسيرون وهم خاضعون، وإلي جوارهم أفراد من التنظيم يمتشقون أدوات قتل بدائية في مشية تبدو وكأنها ذات طابع جنائزي يقول “نحن نقدم تلك القرابين اليوم لنكون نحن قرابين الغد للموت ولا شيء غيره”…. إنه العنف الأسطوري المقدس، هذا العنف المقدس تعبر عنه المشاهد ذات الطابع الوحشي لضحايا يقتلون بالسكين أمام أنظار العالم كما حدث مع الصحفيين الأمريكيين “جيمس فولي” و”ستيفن سوتولوف”، أو حرقا كما حدث مع الطيار الأردني “معاذ الكساسبة”، وذبحا للمواطنين المصريين الأقباط، وغيرها من مشاهد أخرى متوحشة  تتحدى الحضارة الإنسانية الراهنة كتلك التي تعلن عن صينيين مأسورين لدى “داعش” للبيع باعتبارهم غنائم حازوا عليها بقوة الفتح والبطش والتمدد، ويعتبر التنظيم نفسه تجلياً لقدر الله المكتوب نحو نهاية للعالم تتم من خلال أعمال عنف مقدس – في منظوره – ذات طابع وحشي لتقرب خاتمة الحياة الدنيا ونهايتها بمنظور قيامي يغلب النهايات الملحمية على أي منظور يمنح الإنسان أملاً في استمرار الحياة نحو صيغة أكثر عدلاً وإنسانيةً وإشراقاً، ولا يستحضر “داعش” فقط عنفه ضد أعدائه وضحاياه، ولكنه يمجد العنف الذي يوجه لأعضائه أنفسهم باعتبار ذلك تجسيداً للتعبير عن مهمة مقدسة أو مجيدة يقوم بها أعضاؤه، وجماعات العنف المقدس كداعش في الحقيقة تحاول استدعاء الأساطير لتبرير عنفها الكامن في عقول ونفسية ومشاعر المتخذين العنف أيديولوجية، ولكن لأن العنف لا يمكن تبريره إلا من خلال أسطورة دينية تمنحه معنى مقدساً؛ فإن “داعش” يذهب لتك الأحاديث والرموز لتكون جاذباً لهم من ناحية، ولكي يعطي معنى لما يقوم به، والذي يعد خارج المنطق الديني والإنساني معاً من ناحية أخرى.

لقد أعطى القتال البطولى للدواعش زخما وتسجيلا للإعجاب بهم خصوصا من بقية الفصائل، دليلا على الإعجاب بتلك القوّة «الخارقة» التي تتصف بها جيوش «الخليفة»، أبي بكر البغدادي، خاصة إذا تذكّر المرء أنّ سنوات انقضت، وليس أسابيع أو شهوراً، منذ أن جُرّدت كلّ هذه الحملات ضدّ التنظيم؛ هذا إذا وُضعت جانباً حقائق الكرّ والفرّ التي اتسم بها القتال، حيث تفلح «داعش» في احتلال منطقة ما، ثمّ تخسرها، ثمّ تكرّ مجدداً لتحتلها (تدمر في سوريا، والبيجي في العراق، أمثلة بليغة). أمّا الموصل، ذاتها، فإنها ليست مثالاً، بل أمثولة: اجتاحتها «داعش» خلال ساعات، وجعلت جيش العراق أثراً بعد عين، وها هو الجيش العراقى والحشد الشعبى والبشمرجة وتحالف دولى من 64 دولة بقيادة أمريكا يقاتل منذ 9 أشهر لتحريرها بالأشبار، كما أن تنظيم القاعدة يتربص بالوضع محاولا الإستفادة القصوى منه، فهاهو الظواهرى يناشد أعضاء تنظيمه مساندة داعش بالموصل إنتظارا للحصاد، هذا بالإضافة الى تنظيمات سنّية، بعثية سابقاً أو راهناً، مثل «جيش رجال الطريقة النقشبندية»، الذي أسسه عزة الدوري منذ سنة 2003، ومجموعة أخرى، مماثلة، هي «كتائب ثورة العشرين في العراق»، وهذه تناهض «حكومات الاحتلال»، وتدعو إلى الجهاد المباشر. وفي الحويجة، ومحيط كركوك، تتركز مجموعات سنّية أخرى، لا تخلو بدورها من قيادات عسكرية ومدنية بعثية، تستعدّ لخلافة «الخليفة»… كلّ هذا دون احتساب احتمالات التورّط الإقليمي في تغذية المظلومية السنّية، كما حين تتلقى هذه المجموعات دعماً مباشراً من السعودية وتركيا.

فى سوريا الأوضاع أكثر تعقيدا فليست القاعدة وحدها من يطمع فى وراثة داعش بل المتنافسون كثر، أكثر من فصيل كردى وشيعى وسنى، ودول عديدة تتصارع من روس وأمريكان وترك وإيرانيون  بل الأحقية للنظام السورى ذاته ، يبدو أن نهاية الصراع ليست وشيكة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.