لاهوت التحرير… رؤية علمانية

1- لاهوت التحرير والعلمانية: هل من تناقض؟

مؤمن سلاّم  

لم تكن العلمانية في يوم من الأيام شيئا واحدا جامدا، وهو أمر طبيعي في منهج تفكير يقوم على النسبية ويرفض الوقوع في أسر المطلقات سواء كانت دينية أو لادينية، وكذلك ترفض العلمانية الجمود على نصوص أو نماذج أو أفكار يتم حبس الواقع المتغير فيها، سواء كانت هذه النماذج أو النصوص أو الأفكار دينية أو وطنية أو أيديولوجية. ببساطة العلمانية ترفض حبس الواقع المتغير في مطلقات ثابتة، كما ترفض حبس العقل وتقييدة لصالح نصوص كتبها نبي أو فيلسوف أو رجل دين، تعطل عمل العقل في تفاعلة مع الواقع ليؤثر ويتأثر به.

وقد ظهر نوعين رئيسيين من العلمانية متأثرتين بالواقع الذي نشأت فيه كل منهما.

فهناك العلمانية المؤمنة المتسامحة مع الدين كما نراها في بريطانيا. والتي تأثرت ببيئتها الإنجليزية التي لم يكن الصراع فيها بين الكنيسة والسلطة السياسية والشعب صراعا حادا أو عنيفا، بل كان صراعا هادئاً انتهي سريعا بسيطرة الملك علي الكنيسة، وليصبح الملك أو الملكة حتى يومنا هذا رأسا للكنيسة الإنجليزية الإنجليكانية، في إشارة رمزية لخضوع المطلق للنسبي وإنصياع النص للعقل. ولهذا لم يحدث صدام مباشر بين الكنيسة الانجليزية والشعب. فقد كان الصراع في بريطانيا صراع سياسي هادئ في أغلب الأحيان بين أصحاب المصالح من جهة والملك من جهة أخرى، غالبا ما كان يستجيب فيه الملك لطلبات الإصلاح والتنازل عن مزيد من سلطاتة المطلقة، منذ العام 1215 تاريخ ميلاد الماجنا كارتا. ولهذا لا نجد العلمانية الانجليزية تتعامل بشكل حاد وعنيف مع مؤسسات أو رموز أو رجال الأديان المختلفة، وتترك لكل دين حرية ممارسة الشعائر وارتداء الرموز الخاصة بهم، دون أن تنحاز لعقيدة أو طائفة معينة، وبما لا يؤثر على حقوق المواطنة أو سيادة القانون الذي يخضع له كل المواطنين دون تمييز.

على الجانب الأخر، هناك العلمانية الملحدة، والصارمة مع الدين كما نراها في فرنسا. والتي تأثرت أيضا ببيئتها الفرنسية حيث كان الصراع حادا بين الكنيسة المتحالفة مع السلطة من جهة والمواطنين من جهة أخرى. فكانت النتيجة الطبيعية لهذا الاستبداد السياسي والديني الرافض لأى مطالب للإصلاح أن يؤدي إلى الثورة الفرنسية عام 1789 وأن يكون أحد شعارتها “إشنقوا أخر إقطاعي بأمعاء أخر رجل دين”. فكانت العلمانية الفرنسية وريثة هذا التراث العدائي الدموي للدولة الدينية، فأصبحت تأخذ هذا الشكل الحاد والصارم  تجاه الدين وأى رموز دينية.

علي ذلك يصبح تقييم العلاقة بين أى فكر وبين العلمانية لا يرتبط بطبيعة علاقة هذا الفكر بالدين بُعدا أو قربا، ليونة أو شدة، ولكن يرتبط بمدى دوجمائية هذا الفكر أى مدى إعتقادة بامتلاك الحقيقة المطلقة، ومدى جمودة داخل نصوص يقدسها دون أى إعمال للعقل. وكذلك، بمدى ارتباط هذا الفكر بقيمة الانسان لكونة انسان بغض النظر عن عقيدته أو عرقه أو نوعة أو لونة أو ميولة الجنسية أو طبقته الإجتماعية. فكلما اقترب الفكر من الدوجما كلما ابتعد عن العلمانية التى تقوم على النسبية والديناميكية المستمرة وإعمال العقل. وكلما أعلى الفكر من قيمة الإنسان لكونة إنسان كلما اقترب من العلمانية، وكلما أسس الفكر للتمييز بين بني الإنسان لأى سبب كان، كلما ابتعد عن العلمانية.

لهذا نقول دائما أن العلمانية هى نقيض الأصولية وليست نقيض الدين، فالأصولية تقوم على الدوجما وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ومحاربة العقل ولذلك ترفض الاختلاف والتنوع وتؤمن بالأُحادية وترمي كل من يخالفها بالكفر أو الهرطقة تمهيدا لاستخدام العنف ضدة. كما أن الأصولية لا تؤمن بالإنسان، وإنما بنص مقدس يفسره رجال الدين وعلى الجميع أن يسمع ويطيع. لذلك فهى لا تؤمن بحرية الانسان في الاختيار، ولا تؤمن بالمساواة بين البشر، ولا تؤمن بحقوق الانسان، فما الانسان الا تابع لرجل الدين صاحب الحق الحصري في تفسير النصوص، ولا مساواة بين المؤمن وغير المؤمن، ولا حقوق لمن لا يتبعوا الدين القويم.

على ذلك، عندما نسأل عن طبيعة العلاقة بين العلمانية ولاهوت التحرير، هل هى علاقة تناقض أم توافق؟ فنحن في الحقيقة نسأل عن علاقة لاهوت التحرير بالدوجما وعن موقفة من الإنسان.

ولكن أولا ما هو لاهوت التحرير؟ 

كانت دول أمريكا اللاتينية منذ نهاية الخمسينات وحتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين، تقع تحت حكم مجموعة من الجنرالات المستبدين التابعين للولايات المتحدة والتى كانت في سبيل محاصرة الشيوعية تدعم الانقلابات العسكرية في هذه المنطقة، التي تعتبرها حديقتها الخلفية، وغيرها من مناطق العالم وتتغاضي عن استبداد ودموية الحكم العسكري، بالرغم من تناقضة مع القيم الليبرالية، ضمانا لمصالحها السياسية والاقتصادية، ودعما لها في حربها الباردة مع الاتحاد السوفيتي، خاصة بعد نجاح كاستروا في الاستيلاء على السلطة في كوبا عام 1959. 

وكان الحكم العسكري في أمريكا اللاتينية مثل كل الديكتاتوريات العسكرية يقوم على القبضة الحديدية التي لا تتورع عن الاعتقال والتعذيب والقتل داخل وخارج السجون واتباع سياسة الاخفاء القسري التي قدرتها بعض التقاريري عام 1979 بـ 30 ألف مختفي، بالإضافة إلى النهب المنظم لثروات الشعوب لصالح حكام البلاد العسكريين، والذين أسسوا منظومة فساد تقوم بتوزيع الريوع على التحالف الحاكم لكى يضمنوا ولاء هذه الفئات لدعم سلطتهم المستبدة. وبهذا كان الأغنياء يزدادوا غنا والفقراء يزدادوا فقرا وتهميشا. 

ففي ظل حكم الجنرال أوجوستو بينوشية قائد الانقلاب العسكري في تشيلي منذ عام 1974 وحتى عام 1988، عندما بدأت عملية التحول الديمقراطي، إختفى 2,279 إنسان، تم تعذيب 40,018 معتقل، نفى 1,312، قتل 3,065 مواطن. أما اقتصاديا فقد تحول نحو النيوليبرالية عن طريق مجموعة من الاقتصاديين التشيليين الدارسين في جامعة شيكاغو الأمريكية، ما أدى إلى تفاوت كبير في الثروة وزيادة الفقر في تشيلي. وحسب الاقتصادي التشيلي اليخاندرو فوكسلي أصبح 44% من التشيليين يعيشون تحت خط الفقر بنهاية حكم بينوشية.

وفي البرازيل مع انقلاب 1964 وتولي العسكر للسلطة حتى عام 1985، استولت الشركات الأجنبية على نصف الصناعة البرازيلية، وقد تميز الحكم العسكري بالتعذيب أكثر من القتل بخلاف دول أخرى كان عدد القتلي ضحايا الحكم الإستبدادي أكثر بكثير، ويرجع البعض ذلك إلى تعلم قوى الأمن هناك تقنيات التعذيب من الأمريكان والبريطانيين. ووفقا لتقرير التحقيقات التي أُجريت بعد سقوط الحكم العسكري قُتل 191 شخص، وإختفى 243، وتم اعتقال وتعذيب 50,000 إنسان، ونفى 10,000 برازيلي.

وخلال الحكم العسكري في الأرجنتين في الفترة من 1974 وحتى 1983، أثناء ما يعرف بالحرب القذرة، أختفى حسب تقارير متعددة من مصادر مختلفة ما بين 12,000 و 30,000 أرجنتيني، ولكن المؤكد أن 11,000 أرجنتيني حصل كل منهم على تعويضات تصل إلى  200,000 دولار أمريكي لفقدانهم أقارب لهم.

في أورجواى استمر الحكم العسكري من عام 1973 إلى عام 1985، خلالها تم اعتقال 20% من السكان والذي تراوح عددهم بين 2.8 و 3 مليون خلال هذه الفترة، وهاجر من البلاد 10% من المواطنين بسبب القمع من جانب وتدهور الوضع الاقتصادي من جانب أخر، كما تم إغتيال 180 إنسان أغلبهم أُغتيل في الأرجنتين والدول المجاورة وبعضهم لم يعثر له على أثر حتى الأن.

أما بوليفيا فقد حكمها العسكر على مدار 18 عام منذ 1964 وحتى 1982، تم خلالها إعدام 200 معارض، واختفاء 150 أخرين، بالإضافة إلى 5000 معتقل، تعرض كثير منهم للتعذيب، كما فر الألاف خارج البلاد.

في باراجواي استمر الحكم العسكري من 1954 حتى 1989. تعرض للإعتقال خلالها 19,862، وتم رصد 18,772 حالة تعذيب، و 59 حالة إعدام على الأقل، و336 حالة إختفاء قصري، وقد بلغ عدد ضحايا النظام العسكري على جميع المستويات 128,000 ضحية. بالإضافة إلى توزيع 7,851,295 هكتار من الأراضي على أفراد عائلة رئيس الدولة، والعسكريين، والسياسيين المقربين.

هذه لمحة سريعة للوضع في بعض دول أمريكا اللاتينية نستطيع من خلالها تصور البيئة التي ظهر فيها لاهوت التحرير، فقد ظهر في مجتمعات تفوح منها رائحة الدم ويموت أهلها برصاص الطاغية، أو الفقر الذي نشرة الحكم العسكري في ربوع هذه البلاد، وفي ظل تباعية للقوى الدولية التي تستنزف موارد هذه الدول لصالح إقتصادها الأكثر تطورا.

ظهر لاهوت التحرير كحركة نضالية داخل الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية، ترى أن الوقوف على الحياد بين السلطة المستبدة والمجتمع المسحوق هو في حقيقته انحياز للظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يسحق الانسان في هذه المجتمعات، وهو ما يخالف الايمان المسيحي. ولهذا تعلن الحركة إنحيازها لمن تسميهم الفقراء، وهم ليسوا المحتاجين ماديا فقط ولكن كل المهمشين والمميز ضدهم سواء بسبب العقيدة أو العرق أو اللون أو النوع. ببساطة قرر الآباء والكهنة عدم الإكتفاء بالقول أن هذا الظلم لا يمثل المسيحية، بل قرروا أن يثبتوا بالأفعال أن هذا الاستبداد والظلم والفساد لا يمثل المسيحية، فانحازوا إلى الانسان المقهور حتى لو لم يكن مسيحيا، في مواجهة الطاغية حتى لو كان كاثوليكيا. فينقل الأب جوستافو جوتييرث الدومينكاني في كتابة لاهوت التحرير عن وثائق كنائس أمريكا اللاتينية في ص 218″عندما يتوقف نظام عن تعزيز الصالح العام ويفضل عنها المصالح الشخصية، فعلى الكنيسة ليس فقط التنديد بالظلم الواقع، بل أيضا كسر محور الشر” ويقول أيضا في نفس الصفحة “التنديد بالظلم يعني رفض استخدام المسيحية كستار يضفي الشرعية على النظام القائم.” 

كنيسة الفقراء 

فيقول الأب جوستافو عن الفقر في ص21 من الكتاب، “وفي تحليل نهائي لمفهوم الفقر نجد أنه يعني الموت: نقص الغذاء والسكن، وعدم القدرة على توفير الاحتياجات الصحية والتعليمية، واستغلال الطبقة العاملة، والبطالة الدائمة، وانعدام احترام كرامة الانسان، وقيود الظلم المفروضة على الحرية الشخصية في مجالات التعبير عن الذات، والسياسة، والعقيدة. الفقر هو الوضع الذي يدمر الشعوب والأسر والأفراد،…” ويقول أيضا “وفي عصرنا هذا قد أصبح معنى الفقر هو أيضا الكفاح من أجل العدالة والسلام، والدفاع عن حياة المرء وحريتة سعيا إلى حياة ديمقراطية تشارك في صنع القرارات التي يتبناها المجتمع وبناء حياة متكاملة من الإيمان”. ويقول في صفحة 21، بحق التمييز ضد الأعراق المختلفة “تهميش قطاع المجتمع من الهنود الحمر والسود، وازدرائهم بهذا الشكل وضع لايمكننا أن نتقبلة كبشر، وأكثر بكثير كمسيحيين.” ويوضح موقف لاهوت التحرير من العنصرية بشكل عام بقولة “تمثل الممارسات العنصرية تحديا رئيساً للمجتمع المسيحي، وقد بدأنا حديثا فقط في بذل الجهود لمواجهتها.” ويقول عن المرأة في ص 23، “ولقد أشرت أعلاه إلى الظروف التي تعيش فيها المرأة. ففي أمريكا الللاتينية بدأنا الأن ندرك الطابع غير الإنساني وغير المقبول لوضعهن. يكمن الشيء الوحيد الذي يجعل من الصعب جدا فهم الأبعاد الحقيقية لهذا الوضع المرفوض للمرأة في الممارسات الثقافية السائدة في المجتمع، والتي أصبحت جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية.” وأخيرا يجمل الموقف كله بقولة “إن الوضع المعيش للأقليات العرقية والثقافية والمرأة يشكل تحديا للمهمة الرعوية ولواجبات الكنائس المسيحية، وبالتالي فإنة هو أيضا يمثل تحديا للتأملات اللاهوتية.”

ومن هنا نستطيع أن نفهم معني قول الكاتب في صفحة 29 “الاختيار التفضيلي للفقراء الموضوع الذي يدور حولة لاهوت التحرير” و “الأفضلية للفقراء والأكثر احتياجا ولتلك القطاعات التي تُعزل لأى سبب كان”. وكذلك فهم دعوة البابا يوحنا الثالث والعشرين بابا الفاتيكان الكنيسة لتكون “كنيسة الفقراء” والتي أوردها الكتاب في صفحة 30 “تضامنا مع شعوب العالم الثالث، فالكنيسة هى الجامعة للجميع وبالأخص هى كنيسة الفقراء” ويعلق الأب جوستافو بقولة “اسمحوا لي أن أقول إن لحياة الكنيسة جانبين لا ينفصل أحدهما عن الأخر: فهى الجامعة وفي الوقت نفسه المنحازة إلى الفقراء.”

وبهذا لم يعد الفقر عند لاهوت التحرير هو فقر المال فقط ولكن أيضا فقر التعليم، وفقر الرعاية الصحية، وفقر الحرية، وفقر العدالة، وفقر المساواة، وفقر السلام، وفقر المحبة، وفقر الروح. وهو ما يفسر بعد ذلك، ربط مفهوم التحرر بمفهوم التنمية الشاملة، وليس النمو الاقتصادي.

لاهوت نقدي

يمثل لاهوت التحرير حركة نقدية داخل اللاهوت والايمان المسيحي ذاته. فيقول الكاتب في صفحة 35 معرفا لاهوت التحرير بأنه “الفكر الناقد في التطبيق العملي المسيحي على ضوء كلمة الله” أى أن اللاهوت لم يعد فكرا عقليا مجردا منفصلا عن الواقع بل هو فكر يحمل نظرة نقدية للواقع، ويتجادل مع هذا الواقع فيؤثر ويتأثر به وهو ما عبر عنه بوضوح الأب جوستافو في ص 150 بقولة “نحن في حاجة إلي صياغة جديدة للعالم والدين، فالعالم لا ينطلق من الدين بل إن الدين هو الذي ينطلق من العالم”. فلم يعد اللاهوت الديني هنا فكر فوقي جامد أو نموذج ثابت يجب تطويع الواقع له بل فكر يؤثر ويتأثر بالواقع ويتغير مع الواقع عند الحاجة.

وفي صفحة 43 يقول في هذا السياق “بما أن لاهوت التحرير يتخذ نهج الفكر النقدي، فهو يرفض أن تكون المسيحية مبرر لمواقف أُتخذت بالفعل” ويقول في صفحة45 “إن السؤال الذي يجب على كل من يقومون بالخدمة الرعوية، وبالتالي اللاهوتية، طرحة هو: كيف يمكن أن نقول للفقراء، الذين يُجبرون على العيش في الظروف التي تجسد الحرمان من الحب، إن الله يحبهم؟ وهذا يعادل السؤال: كيف يمكن أن نجد وسيلة لنتحدث عن الله وسط تجربة المعاناة والظلم التي يعيشها الفقراء في أمريكا اللاتينية؟ كيف يمكن أن نخلق لاهوتا في حين أن {آياكوتشو} لم تنته بعد” إننا ككنيسة، أى مجمع تلاميذ يسوع، يجب علينا أن نعلن قيامتة لقارة شابتها اللاإنسانية وعدم جعل الفقر أمرا إنجيليا”. ويقول في ص 85 “فالحياة داخل حدود الكنيسة المرئية تأتي في المقام الأول. ولكن الانفتاح على العالم واستيعاب التساؤلات المطروحة والانتباه إلى التحولات التاريخية كلها أمور لا تقل أهمية”. ويقول في نفس الصفحة “سوف يساهم هذا الانفتاح على مجمل التاريخ البشري بالتحديد، في تحقيق مهمة اللاهوت الفكرية تجاة تطبيق عملي لتعاليم كنسية لا تحدها النظريات”. 

الأب جوستافو جوتييرث الدومنيكاني

وهكذا لم يعد اللاهوتي إنسان منفصل عن محيطة الاجتماعي ولكن إنسان متفاعل معه يؤثر ويتأثر به، يتفاعل مع مشاكلة وأزماتة ويسعي لحلها مع باقي أفراد المجتمع بغض النظر عن تدينهم أو عقيدتهم، وهو في ذلك يمنع الطغاة والمستبدين من استغلال الدين كأداة لإخضاع الأمة والسيطرة عليها من أجل مصالح السلطة الحاكمة.

التحرر يعني التنمية  

لا يعني لفظ التحرير هنا مجرد التخلص من العبودية أو الاحتلال ولكن توافقا مع معني الفقر الذي حددة الأب جوستافو في الكتاب فإن التحرر من الفقر بالمعني “اللاهوتي التحريري” إذا جاز التعبير يصبح مساوي للتنمية الشاملة، أى التنمية السياسية بمعني التحول نحو الحرية والديمقراطية، والتنمية الاقتصادية بمعني النمو الاقتصادي المصحوب بعدالة توزيع هذه الثروة، والتنمية الاجتماعية من خلال تنمية الانسان بتقديم خدمات تعليمية وصحية وفقا للمعايير الدولية، وتمكين المرأة، ومنع التمييز ضد الأقليات بأنواعها. فكما أن الفقر معني شامل فالتحرر منه شامل أيضا.

فينقل الكاتب عن الأسقف روميرو الذي قتلته السلطة في السلفادور عام 1980 في صفحة 60 “لا تسمحوا لهم بالاستمرار في قتلنا نحن المطالبين بتوزيع عادل للسلطة والثروة في بلادنا”، وينقل عن رسالة ترقي الشعوب التي صدرت عن المجمع الفاتيكاني الثاني المنعقد في الفترة من 1962 إلى 1965 في ص 115 “فالحرب على البؤس، على كونها ملحة وضرورية، لا تفي بالمرام. وإنما الأمر أمر بنيان عالم يتيسر فيه لكل إنسان، على غير اعتداد بالعرق والدين والقومية، أن يحيا حياة إنسانية كاملة، طليقة من العبوديات التي تأتيها من الناس، ومن طبيعة لا تنفك السيادة عليها ناقصة”. وأخيرا في صفحة 119 يقول الأب جوستافو “يمكننا أن نميز بين مستويات أو جوانب ثلاثة لمفهوم التحرير:

الأول، التحرير تعبير عن تطلعات الشعوب والطبقات الإجتماعية المقهورة، مع التركيز على الجوانب الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية التي تضعهم في صراعات مع الدول الغنية والطبقات القمعية. وفي شكل مضاد لمصطلح التحرير، مفهوم الإنماء (أى النمو)، وخاصة السياسات العقيمة التى تعطي صورة خاطئة عن واقع مأسوي مفعم بالتضاربات. إن قضية الإنماء لن تجد مكانها الصحيح إلا من منظور للتحرير الشامل والجذري حتى تحقق التنمية معناها الحقيقي من أجل خير الإنسانية.

أما على مستوى أعمق، فالتحرير إدراك كامل عقلاني لعملية تاريخ البشرية ومسؤوليتة الإنسانية في تحديد مصيرها،….

وأخيرا، إن مصطلح الإنماء يحجب المشاكل اللاهوتية التي ينطوي عليها هذا المصطلح.  على مصطلح التحرير الذي يجد مرجعيته في الكتاب المقدس الذي يلهم العمل البشري على مدى التاريخ من خلال تعاليم السيد المسيح الذي شق لنا الطريق نحو الحرية،….” وفي ص187 يعلنها واضحة “التحرير يعني القطيعة مع النظام القائم والدعوة إلى ثورة اجتماعية”.

وبهذا يمكن تعريف لاهوت التحرير بأنة حركة نضالية غير مؤدلجة تنحاز من خلالها الكنيسة للفقراء، وهم كل المهمشيين والمميز ضدهم، عن طريق لاهوت نقدي لا يستعلى على الواقع ولكن يتفاعل معة فيؤثر فيه ويتأثر به، من أجل تحرير الإنسان من كل أنواع الفقر الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والروحي.

العلمانية ولاهوت التحرير

بالرغم من أني أوضحت في مقدمة هذا المقال أن العلمانية لا تعني مجرد فصل الدين عن السياسة، وأن العلمانية هى منهج تفكير يقوم على إعطاء الأولوية للعقل والواقع المتغير والانسان، فإن الاتهامات التي وجهت للاهوت التحرير بأنه يخلط الدين بالسياسة وأن الكنيسة الكاثوليكية تمارس السياسة جعل الأب جوستافو يرد على هذه الاتهامات بصورة قاطعة وصارمة تنفي فكرة ممارسة الكنيسة للسياسة ويرى أن من يتهمها بذلك هم “الأطراف التى تسعي إلي تشوية عملهم” ص.218. ولعل في مقارنة هذا الموقف بموقف رجال الدين الاسلامي الذين لا يروا أى مشكلة في ممارسة رجال الدين والمؤسسات الدينية للعمل السياسي ولا يوجد فيه ما يمثل تشوية للعمل او السمعة بل هو فرض ومن صميم الاسلام كما يقولون، ما يجعلنا ندرك حجم الفرق بين الموقفين. ويوضح في الصفحة 219 قائلا “وأخيرا فإنة موقف يؤدي إلى الإقرار بضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة، حتى تتحرر الكنيسة من روابط السلطة الزمنية والتخلص من الصورة الملقاة على مساندتها لذوي السلطة. انفصال الكنيسة عن الدولة يحرر الأولى من مساومات مشبوهة ويجعلها أكثر قدرة على التعبير عن موقفها”. كما أن رؤية لاهوت التحرير للعمل السياسي تختلف عن الرؤية السائدة والتى تعني الخوض في الحياة السياسية من أحزاب وانتخابات وصولا إلى البرلمان لتشريع القوانين ومراقبة الحكومة ثم الوصول لسدة الحكم، فالعمل السياسي في لاهوت التحرير ينحصر في شيء واحد هو النضال ضد الظلم، ويعبر الكاتب عن ذلك في ص 189 “المقصود بالعمل السياسي الملموس يعبر إلى حد كبير عن الاختيار الروحي المُلزم نحو نضال الحركات الثورية”. 

كذلك يسلم الكاتب أن فصل السلطة الزمنية عن السلطة الدينية أصبح أمرا محسوما لا رجعة فيه، فيقول في ص 147 “واشتملت هذه الاستقلالية الذاتية انفصال العالم الزمني عن السلطة الكنسية وأيضا عن رسالتها لقد أقر العالم دنيويتة، أما موقف الكنيسة من هذه الإستقلالية فأقرته، بداية بنوع من التحفظ وعدم الارتياح، معبرة عن إقرارها في وثائق تعاليم الكنيسة مساندتها الأمم التي مبدأها إناطة السياسة قوانين عادلة ودولة الحق. أما علماء الفكر اللاهوتي فقد أدركوا أن استقلالية العالم بذاتة – وما سوف نعرفة بلفظ العلمانية – أصبحت متجلية ولا رجعة فيها.”

أى أن علاقة لاهوت التحرير بالعلمانية كمفهوم سياسي محسوم وصريح وواضح الفصل التام بين السلطة السياسية والسلطة الدينية. وفي حوار مع الأب جون جبرائيل الدومينكاني أحد مترجمي الكتاب أكد على أن قوانين الكنيسة تمنع رجال الكنيسة من ممارسة العمل السياسي، كما أنه لا يوجد نص ديني يمكن أن يتحول إلى مرجعية للدولة لكى تطالب الكنيسة بتطبيقة، وبذلك لا مجال أن يطالب رجال الكنيسة بجزء من الكعكة السياسية مقابل نضالهم ضد الاستبداد والفساد.

أى أن لاهوت التحرير لا يرتبط بالعمل السياسي الا من كونة نضال ضد النظم الحاكمة المستبدة الفاسدة، التي تمارس الظلم والقهر والتمييز والافقار ضد مكونات المجتمع المختلفة، خاصة أنه لا يوجد ما يسمى بالشريعة المسيحية التي قد تسعى لتطبقها الكنيسة على المجتمع.

لاهوت التحرير والدوجما أو الحقيقة المطلقة

تعتقد الجماعات الأصولية التي تمارس العمل السياسي وتسعى للوصول للسلطة لتطبيق ما يسمى بالشريعة سواء كانت شريعة يهودية أو هندوسية أو إسلامية أو غيرها، بوجود حقيقة مطلقة يجب إخضاع الواقع المعاصر، المتغير دائما، لهذه الحقيقة الدينية وأنهم ملاك هذه الحقيقة وبالتالي على المجتمع أن يخضع لهم ويتبع منهجهم حتى تتحقق لهم السعادة في الدنيا والنعيم في الأخرة. أى أن هناك نموذج إلهي على الواقع أن يتبعة ويطوع نفسه ليتوافق مع هذا النموذج ويقوم الأصوليون بدور الحارس على هذا النموذج والمشرف على تطبيقة في الواقع، ومن يخالف هذا النموذج والمشرفين على تطبيقة يصبح خارج إطار الجماعة الدينية ويستحق العقاب الذي يتراوح ما بين النبذ من الجماعة والقتل.

من يقرأ كتاب لاهوت التحرير باعتبارة النص المؤسس لهذه الحركة النضالية التحررية، يستطيع أن يرى بوضوح غياب فكرة الدوجما أو الحقيقة المطلقة أو النموذج الإلهي الذي يجب تطبيقة، بل على العكس سنجد في الكتاب تشديد دائم على فكرة الجدلية بين الواقع والايمان، وضرورة التعامل مع الواقع الزماني والمكاني المختلف. بل إن تعريف لاهوت التحرير باعتبارة لاهوت نقدي يحمل في ذاته فكرة رفض الدوجما والنموذج الثابت الصالح لكل زمان ومكان.

ونعيد هنا تصريح الأب جوستافو بكل وضوح وصراحة عن علاقة الدين بالواقع في ص 150، “نحن في حاجة إلي صياغة جديدة للعالم والدين، فالعالم لا ينطلق من الدين بل إن الدين هو الذي ينطلق من العالم” فهذا تصريح واضح أن الدين هو الذي يتأثر بالواقع وليس العكس، فالواقع لا يمكن حبسة في قالب جامد لا يتغير، ففي هذا الجمود موت للواقع ليس على المستوى الانساني والمادي فقط ولكن على المستوى الروحي أيضا، فكيف يؤمن ويصدق، المسحوق تحت وطأة الواقع الظالم القاهر؟ أما الدين فهو بطبيعته يحمل من المرونة ما يجعلة قابل للتطور من خلال إجتهادات رجال الدين وتأويلهم للنص الدين لكى يتوافق مع الواقع المتغير دائما. وبهذا يظل الدين متوافق مع تطورات العصر العلمية والفكرية، دون أن يجد نفسة في مواجهة مع حقائق علمية وتاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية، ستؤدي حتما إلى هزيمة الدين وخروجة خارج السياق الحضاري.

فيوضح الأب جوستافو في سياق حديثة عن رفض فرض اللاهوت الأوروبي على أمريكا اللاتينية ليؤكد على أهمية توافق اللاهوت مع سياق واقع أمريكا اللاتينية في ص 33 “وكان لاهوتيو أمريكا اللاتينية يستندون إلى اللاهوت الأوروبي بدون الاهتمام بالسياق الفكري والتاريخي له، ونتيجة لذلك أصبح اللاهوت مجموعة من المقترحات المجردة. وطالما باءت محاولات تكييف اللاهوت الأوروبي مع واقع جديد بالفشل ولم يتمكن اللاهوتيون في أمريكا اللاتينية آنذاك من وضع أولويات للموضوعات أو إلى شرح جوهرها أو إلى تطوير تفكير الكنيسة لأن جميع هذه الجهود كانت تتحرك داخل إطار الثقافة الخاصة بشمال الأطلسي”. ويؤكد في ص 46 “اللاهوت القائم في مثل هذا الإعداد له شيء مشترك مع كل اللاهوت: حوار مع الثقافة السائدة أو، كما الحال في أمريكا اللاتينية، مع مختلف الثقافات الموجودة في هذه البقعة من الأرض.” ويرفض فكرة شمولية الخطاب اللاهوتي في ص 48 “ولكنة أيضا ليس من الصحيح أن نعتبر كل خطاب لاهوتي على أنه خطاب شامل جامع.” وينقل الكاتب عن البابا بولس السادس في ص 55 “يجب علينا أن نقول ما يلي حول التحرير الذي يعلنة العمل الإنجيلي ويسعى إلى تحقيقة:

أ- لا يمكن أن يقتصر على المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقط، ولكن يجب أن يشمل الفرد كاملا ًبجميع الأبعاد، بما في ذلك العلاقة مع المطلق، وحتى مع من هو مطلق، أى الله.”

وعن علاقة اللاهوت والايمان بالعقل يقول في ص 72 “اللاهوت ليس فلسفة من الفلسفات بل هو معرفة منطقية قائمة على العقل. واللاهوت كمعرفة عقلية هو أيضا معرفة مستمرة بناء على مبدأ اللقاء بين الايمان والعقل.” وفي ص 73 “يحتاج اللاهوت إلى كل من الروحانية والمعرفة العقلية إذ أن لكل منهما مهمة دائمة لا غنى عنها في إجمالي الفكر اللاهوتي.” وفي ص 75 “فهم الايمان ليس نقلا بل عقلا يستجيب بكامل إرادته لمحبة الله لنا، ونمطا ثابتا نسير عليه في الحياة.” 

وعن العلمانية يقول في ص 148 “فالعلمانية قبل كل شيء، حدثت نتيجة نضج الإنسان الادراكي لفهم ذاته، فيتحول من رؤية للكون إلى رؤية للطبيعة البشرية في ظل التغيرات التي أحدثتها الإكتشافات العلمية”. وعن عدم حاجة العالم أو الواقع إلى نموذج يتبعة ويحبس فيه، يقول في ص 159 “نحن أمام عالم مستقل بذاته، عالم لا ديني، أو بعبارة أكثر إيجابية نحن أمام عالم بلغ سن الرشد.” ويقول بوضوح عن علاقة الكنيسة الكاثوليكية بالواقع الظالم الذي تعيشة أمريكا اللاتينية في ذلك الوقت ص 201 “فالكنيسة لا تضع نفسها فوق هذا الواقع، وإنما تعلن مسؤوليتها عن الظلم الذي ساندته سواء من خلال تضامنها مع النظام القائم أو بصمتها على شرور هذا النظام”. فالأب جوستافو هنا لا يبرأ الكنيسة من الواقع المظلم الذي عانت منه دول أمريكا اللاتينية تحت الحكم العسكري، بل يعترف بذنب الكنيسة في كونها شاركت في أو صمتت على هذا الظلم، فهو لا يحاول أن يعطي الكنيسة دور ملائكي منفصل ومتعالي على الواقع لا يخطئ ولا يظلم ولا يفسد، بل جعل الكنيسة جزء من هذا الواقع السيئ.

لاهوت التحرير والإنسانية

لا تمثل الإنسانية قيمة أساسية داخل الأديان خاصة الأديان الإبراهيمية، فالأديان غالبا ما تجعل أتباعها بشر فوق البشر، وتجعل المؤمنين بها يتمتعوا بحقوق وإمتيازات أكبر من حقوق المنتمين لعقائد أخرى، خاصة إذا تعلق الأمر بالحقوق السياسية والاقتصادية. وعندما تتكلم هذه الأديان عن الانسان وتكريمة وكرامته، فغالبا ما يكون المقصود هو الإنسان المؤمن بهذه العقيدة، وليس كل إنسان بغض النظر عن عقيدته أو لونة أو عرقة أو نوعة أو طبقته الاجتماعية أو ميولة الجنسية.

الجديد هنا أن لاهوت التحرير يتجاوز هذه العنصرية الدينية لينطلق لأفاق الإنسانية الرحبة، فهو يؤكد دائما على أهمية الإنسان ورفع الظلم عنه والتمييز ضدة بغض النظر عن عقيدته أو لونة أو عرقة أو نوعة أو طبقته الاجتماعية أو ميولة الجنسية، الإنسان من حيث كونة إنسان. بل ويؤسس لذلك من حيث ربط تجسد السيد المسيح في الصورة الإنسانية وفي تأكيد لاهوت التحرير على أن الخلاص ليس خلاص الإنسان المؤمن بالمسيح مخلصا بل إن الخلاص هو خلاص عام لكل إنسان. ولعل في تصريحات البابا فرنسيس بابا الفاتيكان الحالي ما يؤكد على هذا المعنى حيث يقول: “إنه من الأفضل أن تكون ملحدا بدلا من أن تكون واحدا من “كثيرين” من الكاثوليك، الذين “يعيشون حياة المنافقين المزدوجة”. وكذلك تصريحاتة فيما يتعلق بالملحدين وأن فداء الرب لا يختص بالكاثوليك فقط ولكن الجميع حتى الملحدين، وأن النعيم ليس للمؤمنين فقط ولكن للملحدين أيضا طالما يشاركون في فعل الخير. وفي هذه التصريحات يجعل البابا أصل صلاح الإنسان ليس عدد مرات ممارسة الطقوس ومدى إيمانه، ولكن تعاملات الإنسان مع الأخرين والتزام الحق والعدل، مثل أن لا يستغل العاملين لدية وأن يعيطهم أجور عادلة، وأن يشارك في فعل الخير.

أما الأب جوستافو فيقول بشكل واضح في ص 304 “ليس المسيحي وحدة هيكل الرب، بل البشرية جمعاء هى هيكل الرب”. وذلك تحت العنوان الفرعي في الفصل العاشر “الإنسانية: هيكل الله”. ويقول قبل ذلك في ص 298 “ولا يختلف المؤمنون المسيحيون عن غيرهم في قناعتهم بضرورة التوافق بين القيم الإنسانية والحقائق الدينية، وقد لا تخلو ممارستهم السياسية من معان مبهمة حول هذه القيم، إلا أن محور اهتمام الكثير منهم يظل الإنسان عينه، ونقتبس هنا مقولة اللاهوتي خوسية ماريا جونثالث: التوجة نحو الإنسانية”. ويقول في ص 300 “صار الله إنسانا من أجل الإنسان، ليصبح منذ تلك اللحظة حضورا تاما ومعلنا للبشرية جمعاء”. ويلاحظ أن الإنسانية هنا تخطت مسالة الحقوق السياسية والاقتصادية للمواطنين داخل الدولة ولكن لتشمل المستوى الديني، فالخلاص لم يعد فقط للمسيحيين ولكن لكل البشرية، والله لم يعد خاص بالمسيحيين فقط ولكن لكل إنسان يعيش على وجه الأرض خاصة إذا كان من الفقراء المضطهدين والمميز ضدهم. 

ومن يقرأ الكتاب سيجد أن النصوص التي تؤكد على الإنسانية وعدم التمييز بين البشر على أى أساس تشمل كل فصول الكتاب تقريبا. فيقول في المقدمة نقلا عن البابا يوحنا الثالث والعشرون “نحن مدعوون لخدمة الكائن البشري، وليس الكاثوليك فقط، للدفاع عن حقوق الإنسان قبل كل شيء، وليس مجرد التابعين للكنيسة الكاثوليكية”. وفي الفصل الأول في هامش ص 76 ينقل عن اللاهوتي اليسوعي كارل رانر “على اللاهوت العقائدي اليوم أن يصبح أنثربولوجيا لاهوتيا و][ إن اتجاه اللاهوت نحو مركزية الإنسان أمر ضروري ومثمر في الوقت عينة”. وفي صفحة 80 يقول “ويضاف إلى تلك العوامل التي أثرت على الفكر اللاهوتي الفكر الماركسي، الذي يرى أن الإنسان وفعلة المادي هو الذي يشكل العالم”. وعندما يتحدث عن العلاقة بين التنمية والتحرير وحركة التاريخ نحو الحرية في الفصل الثاني يقول عن التحرير “فهو صراع من أجل روح الإبداع المستمرة من أجل الإنسانية، فهو ثورة ثقافية دائمة لا تتوقف”. وفي الفصل الثالث ص 126 يعرف الفعل السياسي بأنة “الذي يوحد الفرد بالجماعة، ويوحد الجماعة بالفرد من أجل نمو وتطور الإنسانية”. وفي الفصل الرابع ص 136 يقول “إن مهمة بناء مدينة إنسانية من شأنها قبل كل شيء ترسيخ مجتمع قائم على العدل والإخاء الإنساني واحترام حقوق الأخرين”. وأخيرا، ينقل في الفصل السابع ص 206 توصية مؤتمر ميديين الخاص بأساقفة وكهنة أمريكا اللاتينية المنعقد عام 1968 “ضرورة تعليم التحرر كأداة جوهرية لإستقلال الشعوب من جميع أشكال العبودية وارتقاءهم من وضع أقل إنسانية إلى وضع أكثر إنسانية، واضعة في الاعتبار أن البشرية هى المسؤول الوحيد والمبدع الرئيسي لنجاح أو اخفاق مسار تحررة”. وهكذا يستمر الأب جوستافو في التأكيد على المعاني الإنسانية والتأخي والمحبة والمساواة بين البشر دون تمييز على أى أساس حتى نهاية الكتاب في الفصل الثالث عشر.

الخاتمة

وبهذا ومن خلال رؤية لاهوت التحرير للعلاقة المستقلة بين الكنيسة والدولة، ورفضه لسيطرة المطلق المقدس على الواقع المتغير النسبي، وإيمان لاهوت التحرير بالإنسان وحقوقة لكونة إنسان وفقط، نستطيع القول أننا أمام ما يمكن تسميته باللاهوت العلماني، أو العلمانية الروحانية، أو كما يسميها الأب جوستافو “روحانية التحرير”.

إلا أننا هنا يمكن أن نسأل وما حاجتنا للاهوت علماني أو علمانية روحانية؟

إجابة هذا السؤال يمكن أن يكون في ثنايا كتاب “حروب في سبيل الإله – الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام” للكاتبة البريطانية كارين أرمسترونج. حيث ترى الكاتبة أن صعود الأصوليات في العصر الحديث يرجع في الأساس إلى غياب منطق الروح وسيادة منطق العقل بشكل يكاد يكون عدواني. فهى ترى أن الحداثة قد أعلت من منطق العقل بشكل سُحق معه منطق الروح بشكل كبير، شعر معة المتدينون أنهم يتعرضون لعملية غزو، وتدمير لكل القيم الروحية، استشعروا معها التهديد حتى على وجودهم ذاته الذي يرتبط من وجهة نظرهم بوجود القيم الدينية، فكان رد الفعل بهجوم مضاد على الحداثة وقيمها ورفض منطق العقل بشكل كامل، ما تولد عنه صعود الأصوليات الدينية وما تبع ذلك من صراعات نشهدها منذ سبعينات القرن العشرين وحتى الأن. خاصة وأن منطق العقل مازال غير قادر على تقديم إجابات لبعض الظواهر التي يقدم لها منطق الروح إجابات يؤمن بها الكثير من البشر.

وبهذا يصبح من المهم عمل مصالحة بين منطق العقل ومنطق الروح، إذا أردنا مواجهة حقيقية مع الأصوليات المختلفة، تمهيدا لمصالحة عالمية إنسانية تشمل سكان هذا الكوكب الذي تهدده الصراعات الدينية والسياسية والاقتصادية. فالمصالحة بين العقل والروح قد تكون أحد أدوات حرمان الأصوليات من أهم أسلحتها، وهو الترويج للمؤامرة ضد الدين وأتباع الدين، والهجوم على الحداثة ورفض قيمها. وهى مصالحة تجعل الأفراد الملتزمين بالأديان لا يشعرون بالتصادم بين قيمهم الدينية وقيم الحداثة ما يدخلهم في صراع نفسي يجعلهم ينحازوا إلى الأصوليات حفاظا على قيمهم الدينية التي يعتقدوا أنها أهم وأرسخ وأقوى من قيم الحداثة التي تمثل بالنسبة لهم خطر على وجود الدين وبالتالي على وجودهم.

ولذلك، قد يكون لاهوت التحرير أحد هذه الحلول لتحقيق المصالحة بين منطق الروح ومنطق العقل، حيث يحرك العقل حياتنا من أجل تطوير وتحسين وتنمية وتحرير الإنسان، ولكن دون الطغيان على منطق الروح، الذي يعطي سلام نفسي لكثير من البشر.

ولكن هل يمكن لهذا اللاهوت العلماني، أو العلمانية الروحانية، أن تتوافق مع الأديان الأخرى خاصة الإسلام؟ أو أن تنتقل من الكنيسة الكاثوليكية إلى الكنيسة المصرية الأرثوذكسية؟ وهل يمكن أن يجد هذا اللاهوت مكان في المجتمعات والتجمعات الليبرالية، خاصة أن البعض يرى أن لاهوت التحرير ينتمي للفكر الشيوعي؟

أسئلة سأحاول الإجابة عليها في المقالات القادمة.

المراجع

1- لاهوت التحرير التاريخ والسياسة والخلاص – جوستافو جوتييرث الدومنيكاني – ترجمة جان رزق الله والأب جون جبرائيل الدومنيكاني – دار الأكويني

2- عرض كتاب لاهوت التحرير للأب جون جبرائيل الدومنيكاني بنادي كتاب مركز الجيزويت الثقافي – الإسكندرية

https://www.youtube.com/watch?v=LBCIgcv81Dw&t=45s

https://www.youtube.com/watch?v=tOFj70UjNuw

3- عن ضحايا النظام العسكري في تشيلي

https://en.wikipedia.org/wiki/Augusto_Pinochet#Suppression_of_opposition

4- عن ضحايا النظام العسكري في البرازيل

https://en.wikipedia.org/wiki/Brazilian_military_government#Torture

5- عن ضحايا النظام العسكري في الأرجنتين

https://en.wikipedia.org/wiki/Dirty_War#Casualty_estimates

6- عن ضحايا النظام العسكري في أورجواي

https://en.wikipedia.org/wiki/Civic-military_dictatorship_of_Uruguay#Oppression_and_emigration

7- عن ضحايا النظام العسكري في بوليفيا

http://www.bbc.com/news/world-latin-america-26514546

8- عن ضحايا النظام العسكري في باراجواي

https://www.usip.org/publications/2004/06/truth-commission-paraguay

9- تصريحات البابا فرنسيس

http://www.skynewsarabia.com/web/article/921209/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D8%A7-%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7-%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%94%D9%86-%D8%AA%D9%83%D9%88%D9%86-%D9%83%D8%A7%D8%AB%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%81%D9%82%D8%A7

http://archive.arabic.cnn.com/2013/world/5/27/heaven.for.atheists_/index.html

10- معارك في سبيل الإله – الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام- كارين أرمسترونج- ترجمة فاطمة نصر ومحمد عناني

Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.