الجماعة 2..عبقرية الكتابة والأداء

 د.رياض حسن محرم  

إنتهى الجزء الثانى من مسلسل الجماعة مع ختام شهر رمضان، وفى زحمة مسلسلات الشهر فقد حرصت على مشاهدة ذلك المسلسل لأسباب عديدة منها ذلك الإهتمام الخاص بتاريخ وتطور الإسلام السياسى عامة وحركة الإخوان المسلمين على وجه خاص، كذلك لخبرتى بدقة وموضوعية كاتب كبير كوحيد حامد عودنا على الموضوعية والعمق فى كل أعماله، ذلك بالإضافة الى إختياره لأحد مقالاتى ” الإخوان والعنف.. تجربة 1965 نموذجا” كأحد مراجعه فى تناول أحداث المسلسل، وتبقى بعض الملاحظات الأساسية على العمل ككل:

(أولا) تم إختيار الكاست بشكل جيد وأدهشنى ذلك الأداء العالى والمميز لمعظم المشاركين فيه، وتوقفت بشكل خاص أمام بعض الشخصيات التى تفوقت بشكل حصرى أذكر منها الفنانة صابرين فى دور الحاجة زينب الغزالى و ياسر المصرى فى دور الزعيم جمال عبد الناصر وأحمد عزمى فى تجسيد شخصية عبد الرحمن السندى وعبد العزيز مخيون فى دور المستشار حسن الهضيبى ورياض الخولى فى دور ابراهيم عبد الهادى ومحمود البزاوى فى دور صالح عشماوى وعلاء زينهم فى دور عبد القادر عودة، وكل الممثلين تقريبا، ولكن إستوقفتنى شخصيتين كان لهما مذاق خاص، الأول هو الفنان نضال شافعى فى دور الشيخ أحمد حسن الباقورى (وهو الذى لا أعرف له الاّ دور الواد سيد فى مسلسل “تامر وشوقية”)، الثانى هو الفنان الشاب محمد فهيم فى تجسيده لشخصية سيد قطب والذى إقترب من الشخصية الحقيقية كثيرا، ولن أنسى الفضل الكبير للمخرج المميز شريف البندارى الذى أدار أكثر من 300 ممثل بثقة وإقتدار، وقد شارك فى  إختيار الممثلين مع كاتب العمل وراعى الدقة فى الإختيار ومراعاة لغة الجسد فى ملاءمتهم لتلك الأدوار.

(ثانيا) أدى الحرص الشديد من الكاتب الكبير وحيد حامد على التعامل مع العمل كنص تاريخى بحرفية شديدة الى تقلص البناء الدرامى للشخصيات على حساب الدور الوظيفى للشخصيات ما أكسب ذلك العمل طبيعة الفيلم الوثائقى أكثر منه العمل الدرامى ما جعل السرد شديد الجفاف، وذلك أدى الى إظهار جماعة الإخوان كفصيل مضطهد ومظلوم وعرض لشخصية عبد الناصر كديكتاتور وطاغية رغم بعض محاولات الكاتب تخفيف ذلك الإنطباع.

(ثالثا) وكما هو متوقع خرج الكثير من المؤرخين والمثقفين والسياسيين باتهامات متعددة للعمل والكاتب بالإنحياز ضد إتجاهات معينه ومحاباة إتجاهات أخرى، ولكن تلك الهوجة سرعان ما توقفت بعد تقدم العمل عدة حلقات، ربما كان سبب ذلك هو حرص الكاتب الشديد على الحيادية حتى أن البعض تصوّر أن العمل كتب لحساب الجماعة وأنه سقط فى فخ الرواية الإخوانية، ولعل إستمرار الإخوان فى ممارسة العنف الممنهج ضد الدولة والشعب وتحالفاتهم مع أكثر القوى ظلامية وتكفيرية  وجرأة الكاتب فى عرض الحقيقة عارية قد ظلم ذلك العمل كثيرا.

(رابعا) كثير من الحقائق التى كانت غائبة أو مغيبة عن عمد قد تم إلقاء الضوء عليها من جديد فى هذا المسلسل وعند كشفها حدثت صدمة للمشاهد، خاصة أن الكاتب لم يغفل حتى التفاصيل الصغيرة من نوع أن محمد بديع ومحمود عزت كانا عضوين فى تنظيم 1965، فى هذا الإطار يقول وحيد حامد “نحن نصنع فنًا مُعرضا للقبول أو الرفض، لكن آفة المجتمع المصري أنه ينظر إلى الأشياء بتربص، وهناك فرق بين أن تشاهد مسلسلا وأنت متربص به وأن تشاهده بحياد، وأنا لا أريد أكثر من الحياد”، غير أن حرص الكاتب على عرض كل شيئ أوقعه فى عرض مشاهد مبتسرة لبعض الحوادث والأشخاص، مثال ذلك تعرضه المجتزأ لشخصية شكرى مصطفى وعلاقته بالإخوان. 

(خامسا) عندما تعرض مؤلف المسلسل لعلاقة جمال عبد الناصر بسيد قطب، تم تصوير عبد الناصر كتلميذ مخلص وتابع أمين لسيد قطب، يستشيره فى شتى الأمور، بدءً من التخطيط للثورة وصولاً لإختيار مسمى للإنقلاب العسكرى، وكيفية إدارة البلاد، والتعامل مع الأحزاب السياسية وجماعة الإخوان، ويحتوى المسلسل على عدة مشاهد يبدو فيها سيد قطب كزعيم للضباط الأحرار الذين يجلسون بين يديه كالأطفال، يستلهمون حكمته وحنكته السياسية والفكرية، والجزم بأن سيد قطب هو أول من أطلق على ما حدث فى 23 يوليو بأنه ثورة رغم وجود شواهد عديدة بأن من أطلق هذا الإسم هو طه حسين واتبعه فى ذلك راشد البراوى، كما كان لقطب تأثيرا لا ينكر حول تبرير مواقف الثورة ودفعها الى العنف مع من تشعر أنهم خصوما لها مثلما حدث من أحداث فى كفر الدوار حيث كتب سيد قطب وقتها بجريدة الأخبار فى 15 أغسطس 1952، بعنوان ” حركات لا تخيفنا “، يطالب فيه بالضرب بيد من حديد لكل من يثير الاضطرابات قائلا:

“لقد أطلع الشيطان قرنيه فى كفر الدوّار , فلنضرب , لنضرب بقوّةولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبر وأن يهيل التراب.

 وتم عرض شخصية وأفكار سيد قطب بطريقة تفصيلية فيما يظهر أنه إنتصار لتلك الأفكار خصوصا أنه لم يتم مناقشتها أو الرد عليها، وكثير من تلك الأفكار على درجة من التعقيد تجعل إستحالة تبسيطها أو إنزالها لمستوى المشاهد البسيط حول الحاكمية والإلهية والربوبية والإنفصال الشعورى والبراء والولاء، ولعل كان ذلك سببا فى إنفصال ذلك الجمهور عن المسلسل. إن وحيد حامد التزم المتن التاريخى المسجل عبر المصادر والكتب التى رجع إليها وإن كان بدا أنه كان أكثر ميلا لاعتماد الرواية الإخوانية عن تاريخ تلك الفترة عن الروايات الأخرى، حيث أن الرواية الإخوانية هى التى كانت الأكثر سيادة وشعبوية.

(سادسا) الحلقات الأخيرة من المسلسل (من الحلقة 24) هى الأكثر مللا حيث ينتقل السيناريو بدأب بين غرف المحاكمات وغرف التعذيب مع التركيز الشديد على عنف النظام وكأنه تبرير لكل تلك الدرجة من العنف المضاد والتكفير لتيار الإسلام السياسى.

فى النهاية فإننا أمام عمل درامى إجتهد فيه كاتبه أن يقدم الحقيقة فقط من وجهة نظره، لكن للحقيقة كما يقولون وجوها متعددة وما تراه من جانبك هو الحقيقة بعينها يراه الجالس بجوارك شيئا مختلفا…أليس كذلك.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.