نحو يسار مصري جديد

مؤمن سلاّم 

أرى أن أحد وسائل تطوير الحياة السياسية المصرية هو أن يصبح الليبراليين الاجتماعيين والاشتراكيين الديمقراطيين هم اليسار المصري مع انزواء الناصريين والعروبيين والشيوعيين ليصبحوا أقلية في أقصى اليسار. كذلك أقول دائما، أن الاشتراكي الديمقراطي أقرب إلي أنا الليبرالي الإجتماعي المؤمن بدولة الرفاة من الليبراليين الجدد الذين تسببت سياستهم ليس فقط في أزمات مصر ولكن في أزمات العالم، من سوء توزيع الدخل إلى دعم الديكتاتوريات إلى نشر قيم أصولية محافظة تكرس للعنصرية والتمييز ضد الأخر.

فمصر بحاجة إلى يسار مصري جديد يواجه الأزمات المصرية التي تتسبب فيها قوى اليمين الديني الأصولي  وقوى اليمين النيوليبرالي المتطرف، فالاثنين يمثلون كارثة حقيقية على مصر بعقليتهم المنغلقة المستبدة اللاإنسانية.

نحن بحاجة إلى يسار جديد يتخلص من أمراض اليسار المصري العتيدة والتي أدت إلى انهياره، هذا الانهيار المهين وصل إلى درجة أن يسيطر على نقابات العمال قلعة اليسار الحصينة، قوى الاسلام السياسي اليمينية الدينية.

يسار جديد يتخلص من الدوجما التي تجعله يعتقد أنه المالك الوحيد للحقيقة وأن من يخالفه إما خائن أو صاحب مصلحة رأسمالية متعفنة أو سليل الاقطاع البائد. وهو خطاب يجعل كل من هم خارج اليسار يتشكك في حقيقة نواياه تجاه الديمقراطية والحريات. فالحريات وفي القلب منها حرية الفكر والرأى، هى حريات مطلقة لا يمكن حدها بحدود، فكيف ترفع شعارات الحرية وتطالب السلطة باحترامها، في الوقت الذي تصب فيه اتهامات العمالة والخيانة على مخالفينك في الرأى؟ ماذا تركت للمكفراتية؟ كيف يمكن أن أصدق أنك مؤمن بالديمقراطية والحريات وأنك ستحترمها إذا وصلت للسلطة وانت تصب اللعنات واتهامات الخيانة على من يخالفك الرأى بدلاً من أن تناقش وتتحاور بشكل عقلاني هادئ؟ خاصة أنك محمل بتاريخ من الاستبداد الناصري والبعثي يجعل الشك في إيمانك بالقيم الديمقراطية أمر سهل.

ولا يتوقف تأثير الدوجما السلبي عند حدود الإصطدام بالأخر الأيديولوجي، بل يؤدي إلى صدامات داخل اليسار نفسه أو داخل نفس التنظيم محملة باتهامات التجديف الماركسي، تنتهي بالطرد من التنظيم وانقسامات وصدامات.

يسار جديد يتخلص من نظرية المؤامرة التي تجعله يعادي العالم وبالتالي يستعدي العالم عليه، ما يؤدي إلى انغلاق وتقوقع اليسار حول نفسه وانعزاله عن التطورات العالمية، في عالم ليس فقط قرية صغيرة ولكن أصبح شارع صغير وربما حارة صغيرة، وهو ما جعل سياسات العزلة سياسات مميتة. كما أن نظرية المؤامرة هى التي تجعل منه لا يؤمن بالنقد الذاتي ومراجعة السياسات والأفكار، فكل هزيمة أو تراجع أو خسارة هى نتاج مؤامرة، وليست نتاج تقصير أو خطأ في الحسابات أو فشل في السياسات، وهو ما يؤدي إلى تكرار الخطأ وتكرار الفشل والهزيمة. 

يسار جديد يتخلص من تقديس الأشخاص والأفكار. هذا التقديس الذي أدى إلى الجمود والغرق في الكتب الصفراء والعيش في ماضي يظن أنه جميل. فقد تنبأ ماركس بانهيار الراسمالية وفناءها منذ مئات السنين ولكن هذا لم يحصل بل على العكس لقد انهارات كل التجارب الشيوعية، وهذا من وجهة نظري يرجع إلى سبب رئيسي هو مرونة الفكر الليبرالي الرأسمالي وقدرته على التوافق مع ظروف الواقع والتفاعل معها، وصل إلى درجة الاستفادة من الأفكار الإشتراكية والسماح للدولة بإدارة الاقتصاد وتأسيس دولة الرفاة بدلاً من الدولة الحارسة، وذلك على عكس التجارب الشيوعية التي حبست نفسها في إطار أيديولوجي رافض لكل فكر يرى فيه اليساري خروج على الماركسية أو الشيوعية، ولهذا نرى كثيرا هذا النقاش وربما الصراع بين اللينيني والستاليني والتروتسكي والماوي حول من هو الشيوعي الحق ومن هو الشيوعي الكاذب أو المدعي، وكأني أشاهد نقاش بين إخوانجي وسلفي وجهادي حول من هو المسلم الحق ومن هو المبتدع الفاسق الكافر.

مطلوب يسار جديد، علماني، منفتح على الأخر، يمارس النقد الذاتي، ويتفاعل مع الواقع ولا ينفصل عنه.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.