لماذا دعمت أمريكا ضباط يوليو1952؟

طلعت رضوان   

يستنكرالناصريون والعروبيون أى كلام عن دورأمريكا فى وصول ضباط يوليو52 لإعتلاء عرش مصر، حتى ولوكان الكلام باعتراف بعض ضباط يوليو فى مذكراتهم، مثل خالد محيى الدين ومحمد نجيب، وأضاف شامل أباظة الكثير من المعلومات. وهومن (مواليد 1930) حاصل على الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة تولوز بفرنسا. وهوسليل الأسرة الأباظية التى شاركتْ شعبنا فى ثورة برمهات/ مارس19. والده هو السياسى الوطنى الكبير إبراهيم الدسوقى أباظة ومن بين أعمامه الشاعر الكبير عزيز أباظة. 

أرى أنه من المهم تعريف الأجيال الجديدة بكتابه (حلف الأفاعى بين الثورة والإرهاب) صادر عن مطابع الأهرام عام94. تكمن الأهمية فى أنه اعتمد على العديد من الوثائق التى تـُدعم رؤاه بالإضافة إلى مذكرات ضباط يوليو52 الذين أجمع أغلبهم على علاقة حركة الضباط بالأمريكان قبل يوليو. وعن دورأمريكا فى السيطرة على العالم بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى سبيل المثال فإنّ صداقة كيرمت روزفلت بالملك فاروق أتاحتْ له إقامة صداقات عميقة مع كثيرين من الضباط المصريين، تمهيدًا لأنْ تنتقل زعامة العالم من الامبراطورية البريطانية المُتهالكة إليهم. والدليل على ذلك تصريح الرئيس الأمريكى روزفلت– فى أكثرمن مناسبة- أنّ الوقت قد حان لإعادة ترتيب العالم وإعادة الموازين فى توزيع الثروات الطبيعية.

ورغم التجربة الفاشلة لانقلاب سوريا العسكرى الذى دبّرته المخابرات الأمريكية فقد كان رأى كيرمت روزفلت ورجاله بمصر ضرورة التخلص من الملك فاروق. واستقرّالرأى على أنّ الجيش هوالقادرعلى القيام بالانقلاب. وساعدهم فاروق بحماقته عندما كوّن عصابة (الحرس الحديدى) وحرّض على اغتيال النحاس باشا. وكانت المخابرات الأمريكية فى مصرتراقب الأحداث وتـُحركها ترقبًا للفرص المواتية لوراثة النفوذ البريطانى الذى آذن على الانتهاء، خاصة بعد تصريح تشرشل عام 41 الذى قال ((إنّ الموقف فى الشرق الأوسط أصبح يستلزم جهدًا مشتركـًا بعد أنْ أصبحتْ بريطانيا لاتقوى وحدها على أعباء المسئولية السياسية فى دول البحرالمتوسط، ولكن الولايات المتحدة وإنجلترا معًا وبمؤازرة فرنسا يستطيعون التعامل مع المشكلة المصرية)) (77) ويُبدى أباظة ملحوظة مهمة حول حماية أمريكا لمشايخ دول الخليج، والسبب أنّ الأنظمة العربية بحكم تكوينها نــُظم عسكرية تـُرسّخ الحـُكم فى يد الحاكم الفرد الذى يلتزم بتعهداته تجاه أمريكا. فهؤلاء الشيوخ بحكم مواقعهم حـُراس على حقول البترول أوخفراء أبارالطاقة التى تعتبرها أمريكا مناطق نفوذهم واحتكاراتهم، وليسوا ملوكـًا دستوريين يلتزمون بالقانون والدستور(82) 

ويرى أباظة أنّ بعض ضباط يوليو52خرجوا من تنظيم الحرس الحديدى، خاصة أنّ أنور السادات كان أحد أفراد هذا التنظيم. بالإضافة للوقائع التى ذكرها خالد محيى الدين فى كتابه (والآن أتكلم) فإنّ عبد الناصرلم يكن بعيدًا عن هذا التنظيم (من ص14- 17) ورغم أنّ محمد نجيب ذكرفى كتابه (كلمتى للتاريخ) ((لم أكن أستطيع النظرفى وجه جمال وعبدالحكيم، كنتُ أرى على وجهيهما قناع إبليس ومن أيديهم تقطرالدماء)) فإنه (نجيب) هوالذى أعلن إلغاء دستور سنة 23ووافق على كل قرارات مجلس القيادة لقمع الحريات. 

وبينما أعلن ضباط يوليوعداءهم الصريح ضد الأحزاب وخاصة الوفد، فإنهم كرّموا واحتفوا بمكرم عبيد مكافأة له لهجومه على النحاس باشا فى (محكمة الثورة) والضباط بعد أنْ خلعوا الأقنعة حلوا نقابتىْ المحامين والصحفيين. ويطرح أباظة تساؤلا لم يلتفت إليه كثيرون، فمن المعروف أنّ صحيفة الأخباركانت تحظى برضا الإنجليزوالسراى، فما سبب هجومها على النظام الملكى فى الشهورالأخيرة قبل يوليو52 والتمهيد للتغييرالذى سيحدث قريبًا؟ وينتقد أباظة أحمد أبوالفتح لأنه انخدع بشعارات الضباط ثم غدروا به. فرغم أنّ من بين المبادىء التى أعلنها الضباط مبدأ (إقامة حكم ديمقراطى سليم) إلاّ أنهم تلاعبوا بمفهوم السلامة على هواهم تحت زعم (الشرعية الثورية) التى لايخرج معناها عن المعنى الذى أطلقه السلف فى الأزمنة الغابرة عن ((حق الفتح أوحد السيف)) (85) ويستشهد أباظة بما كتبه أحد المُدافعين عن عبدالناصر(خالد محيى الدين) فنقل عنه أنّ عبدالناصرفى أزمة مارس54 انهمك فى تنفيذ خطته فحشد أكبرقدر من ضباط الجيش حوله على أساس رفض الديمقراطية لأنها ستؤدى للقضاء على (الثورة) وبدأ عن طريق طعيمة والطحاوى فى ترتيب اتصالات بقيادات عمال النقل لترتيب الإضراب الشهير. واعترف خالد بأنّ عبدالناصرقال له ((لما لقيت المسألة مش نافعه قررت أتحرك وقد كلفنى الأمر أربعة آلاف جنيه)) (الآن أتكلم- ص 297، 298) وطبعًا المبلغ تم صرفه من خزينة الدولة وليس من جيب عبدالناصر. وكانت شعارات العمال ((تسقط الحرية. يسقط الدستور)) وأكد أباظة (ومعه كثيرون) أنّ ضباط يوليووجدوا من ساعدهم على العداء للديمقراطية وكان أشهرهم الفقيه الدستورى السنهورى الذى كان أحد كبارالمُتحمسين للضباط، وساعدهم بتخريجاته مما مكنهم من إحكام قبضتهم على مصروخداع الشعب لذا فإنّ الضباط ألقوا بمشروع دستورسنة 54 فى سلة المهملات لأنه كان يؤسس لنظام حكم ليبرالى وهوما أغضب عبد الناصرالذى أصرّعلى النظام الرئاسى الذى يُكرّس للدكتاتورية وهوما تأكد فى دستور56 والدساتيراللاحقة (93، 94)  

وعن ضباط يوليوذكرأنه كان من بينهم الإخوانى الذى يُوزع كتب سيد قطب بينما كانوا فى سبيلهم لاعدامه. ومنهم العميل للمخابرات الأمريكية. وقد قفزهؤلاء إلى قمة الحكم حتى كان من بينهم من شغل منصب رئاسة الوزارة. ومنهم من كان عميلا للملك فى منظمة الحرس الحديدى. وبعضهم كتب مذكراته مثل عبداللطيف البغدادى الذى انتقد عبد الناصروأسلوب حكمه. وكذا كمال الدين حسين وحسن إبراهيم والبغدادى فى كتابهم المشترك (الصامتون يتكلمون) لقد صمتوا حيث كان الكلام واجبًا تـُحتــّمه المصالح الوطنية. ثم تكلموا بعد أنْ أصبح الكلام لايُجدى ومباحـًا ورخيصًا. وكتب السادات (البحث عن الذات) ووجّه كل الضغائن لعبد الناصر. ثم كتب الشافعى فشنّ حملة قاسية ضد السادات واتهمه بالعمالة بعد أنْ كان نائبه ثم سرحه بأسلوب غيركريم (103) وأشارإلى كتاب الضابط حسن عزت الذى أعطاه عنوانـًا دالا (العمالقة والأقزام السبعة وثامنهم هيكل) وفى رأى أباظة أنّ ((هيكل هوكاتب الوحى الناصرى)) وأباظة- فى مقارنته لمذكرات ضباط يوليو- يتوقف أمام ما كتبه البغدادى أنّ عبد الناصرقال عن محمد نجيب ((نخلص منه)) فكان تعليق أباظة ((إذا أردنا مناقشة أقوال البغدادى نقول أنه أحد أفراد عصابة)) (29، 107، 117) ولأنّ الشجاعة تكون بالمواجهة وليس بعد فوات الأوان، فإنّ أباظة حرص على عقد مقارنة بين ضباط يوليو، وبين موقف عبد العزيزباشا فهمى الذى هاجم الملك فؤاد، فقال ((الملك يأمريحيى باشا أنْ يكون رئيس حزب فيكون رئيس حزب. ولما شالوه إنشال ولما حطوه انحط)) وهكذا كان نجيب شالوه فانشال وحطوه فانحط ، لأنه قبل على نفسه أنّ يخرج للجماهيرووضع يده فى يد عبدالناصروأعلن أنه قبل العدول عن استقالته. وغفرلمن أساؤوا إليه كأنه خلاف عائلى (119، 120) والضباط الذين صمتوا ثم تكلموا وتباكوا على الديمقراطية بعد وفاة عبد الناصر، هم الذين رضوا على أنفسهم محاكمة الشرفاء من السياسيين القدامى، فشكلوا محكمة (الغدر) ومحكمة (الثورة) برئاسة عبد اللطيف البغدادى وعضوية السادات وحسن إبراهيم. 

ورغم السمعة السيئة التى لاحقتْ إسماعيل صدقى، فإنّ التاريخ لاينسى له أنه أرغم بريطانيا على الاعتراف بوحدة مصروالسودان. أما النقراشى باشا فقد أحال قضية جلاء الإنجليزعن مصرإلى مجلس الأمن ودافع عن وحدة وادى النيل وقال قولته الشهيرة ضد الإنجليز((اخرجوا من بلادنا أيها القراصنة)) (140) أما ضباط يوليوفعملوا على انفصال السودان عن مصربحجة (تقريرالمصير) بينما كانت وسيلتهم رشوة بعض القادة السودانيين، ونقل أباظة ما كتبه أ. محسن محمد فى كتابه (مصروالسودان بالوثائق السرية البريطانية والأمريكية) وذكرفى ص 318 ((اعترف الوزراء والحزب الوطنى السودانى بحقيقة تقاضى الرشاوى والحصول على الأموال المصرية أثناء الحملة الانتخابية. ولم يملك الأزهرى ووزراؤه الاتحاديون الحقيقيون إلاّتأييد الاستقلال لحماية أنفسهم من الخزى والرشوة والعار)) وعن هزيمة يونيو67نقل أباظة فقرة ذات دلالة من كتاب خالد محيى الدين الذى كتب ((فى اعتقادى أنّ هزيمة يونيولم تكن هزيمة عسكرية بل هى فى الجوهرهزيمة سياسية لنظام فشلتْ آلياته فى اكتشاف ما إذا كانت هناك فرصة تاريخية لتحقيق الديمقراطية، لكن هذه الفرصة ضاعتْ لأنّ الديمقراطية تتطلب من الحاكم أنْ يُقدّم تنازلات للشعب، ولم يكن عبدالناصرمستعدًا– حتى رغم الهزيمة- أنْ يُقدّم أية تنازلات)) (والآن أتكلم- ص 215) أما السادات فكتب ((فى سنة 65 كانت حالة البلاد الداخلية وصلتْ إلى مرحلة يُرثى لها. فعلى صبرى كرئيس للوزراء لايتخذ قرارًا فى أى شىء لأنه بطبعه يخشى المسئولية. وربما لهذا السبب وقع اختيارعبد الناصرعليه لأنه بطبيعته الدكتاتورية يطلب من رئيس وزرائه أنْ يكون مجرد مديرمكتب يُنفذ أوامره وحسب. وفى إحدى المرات قال عبد الناصر((يا أنورالبلد تحكمها عصابة)) (البحث عن الذات- ص77، 183) كتب السادات ذلك رغم أنه لم يجرؤعلى مخالفة عبدالناصرفى جملة واحدة وكان أكثرالضباط طاعة وخنوعًا لعبدالناصر. ولكن من الذى جمع حوله أفراد العصابة؟ أليس هوعبد الناصر؟ لذا كانت ملحوظة أباظة المهمة فكتب أنه بعد ((طرد عبد الحكيم عامرمن سوريا بطريقة مهينة. وتحميله سبب هزيمة سنة 56 العسكرية والتصرفات الشاذة فى سوريا، رغم كل ذلك أصبح عامرنائبًا للقائد الأعلى واشترط إطلاق يده فى الترقيات وإدارة الجيش وفقـًا لرأيه منفردًا، بذلك تحول هذا الجيش إلى انكشارية عسكرية تـُـدين بالولاء لولى نعمتها. كما اقتحم الضباط الصحافة فأصبح منها رؤساء تحريرفخفت كل رأى حرلترتفع أصوات المنافقين الذين صاغوا المُعلقات تمجيدًا لعبد الناصر. وأصبحتْ الأولوية فى شغل المناصب الرئيسية فى الشركات ووزارة الخارجية وفقــًا على الضباط. ودأب الجيش على اغتصاب أجمل بقاع مصرمثل احتلال ستة كم من شاطىء سيدى كريروإخلاء الأهالى منها. وأقاموا مصيفـًا بالغ الفخامة. وأنّ أحدهم باع الشاليه المُخصّص له بحوالى مليون جنيه، حتى أنّ أمين هويدى (وهوأحد الضباط) هاله الأمرفكتب مقالابصحيفة الأهالى 30/7/86 فقال ((ولكن أنْ يصل الأمرإلى أنْ يُصبح الكورنيش فى الإسكندرية، وقد تملكتْ القوات المسلحة أغلب مساحته فهذا أمرغيرمرغوب فيه لأنه يُثيرالمشاعرويُطلق الألسنة، بعد تعدد النوادى والمساكن التى تـُـقدّربآلاف الوحدات السكنية للضباط)) هذا عن انحيازعبد الناصرللضباط بينما رأيه فى أساتذة الجامعات والسياسيين أنهم كانوا ((هباءً لافكرلديهم ولا خــُـلق ولايحملون لبلدهم الحب والإيثاروالتضحية التى كان يتصف بها زملاؤه الضباط)) (فلسفة الثورة- ص17) وكان تعليق أباظة ((وتمضى الأيام فإذا بزملائه الضباط الذين تباهى بهم ضربوا الأرقام القياسية فى هزائم الحرب)) (167) ورغم ذلك يكتب عبد الناصرعنهم ((أريد أنْ أفاخرالناس بأعضاء مجلس قيادة (الثورة) فهم أخوتى وزملائى)) ولكن عندما وجّه إليه زميله (الضابط) كمال الدين حسين فى خطابه المؤرخ 12/5/65وقال له ((اتق الله)) اعتقله وقطع الاتصال عن أسرته ورفض السماح باستدعاء أى طبيب للكشف على زوجته أوالحصول على الدواء وبعد وفاتها رفض السماح له بتشييع جنازتها. وعن دولة التجسس على المواطنين قال الرئيس السورى شكرى القوتلى أنّ عبد الناصر((رجل بمائة عين ولكنه لايُبصربواحدة منها)) (172) 

ونقل أباظة ما كتبه حسين الشافعى عن تجنيد أنورالسادات عميلا للمخابرات الأمريكية فكتب أنّ ((الوحدة المصرية السورية كانت الطـُعم الذى وُضع بذكاء من أجل أنْ تبتلعه مصر. وأنّ السادات كان وراء كل هذه المخططات، فقد ذكرتْ الواشنطن بوست أنّ السادات عميل للمخابرات الأمريكية منذ الستينات وأنه كان وراء توريط مصرفى حرب اليمن)) (الشافعى ويوليووحكم السادات- ص117) وكان تعليق أباظة المهم أنّ ما ورد فى صحيفة الواشنطن بوست كان بتاريخ 24/2/77 أى عندما كان السادات رئيس مصر، فلماذا لم يتخذ أى إجراء لا ضد الصحيفة الأمريكية ولاضد الشافعى (211) والسادات الذى هاجم عبد الناصرلم يكن أقل منه عداءً للديمقراطية لذا كتب أباظة ((واقع الأمرأنّ دكتاتورية السادات أكثرتطورًا فى أساليب الحكم، فقد شكل مجلسىْ الشعب والشورى وهما عبارة عن خاتم فى يده يبصم بهما على أى تخريج تشريعى)) (226) ونقل ما كتبه هنرى كيسنجر((إننى مندهش من سلوك السادات لأنه لم يستخدم أى ضغط سياسى فى مفاوضاته لفك الارتباط. وأنه كان يستطيع أنْ يفرض اتفاقــًا شاملا. ولا أعرف لماذا لم يُحاول استعمال الموقف الجديد لكى يضغط من أجل انسحاب إسرائيلى كامل)) وهذه الفقرات ذكرها هيكل فى كتابه (خريف الغضب- ص160، 161) عن المحاضر السرية لاجتماعات كيسنجروتتفق مع موقف السادات من دول البترول بعد أنْ طلب منهم إنهاء الحظرقبل الاتفاق على مبادىء الصلح المنتظر(233)  

وعندما تم طرح مشروع نفق الشهيد أحمد حمدى تحت قناة السويس تمّتْ الموافقة على مناقصة دولية رستْ على شركة إنجليزية بمبلغ 31مليون جنيه مصرى. إلاّ أنّ شركة عثمان أحمد عثمان فرضتْ نفسها فارتفعتْ تكاليف النفق إلى 105مليون جنيه أى حوالى 143دولارًا حيث كان سعرالدولارفى حدود 73 قرشـًا آنذاك عام 78. أى أنّ الزيادة بلغتْ 74مليون جنيه دخلتْ جيب عثمان أحمد عثمان. فتقدّم المرحوم د. محمود القاضى باستجواب فى مجلس الشعب بشأن ارتفاع تكلفة نفق أحمد حمدى، فانبرى له وزيرالإسكان بفاصل من الشتائم (خجل د. أباظة من ذكرها) وبعد أنْ ثاربعض النواب تدخل فكرى مكرم عبيد ووضع يديه على كتفىْ الوزيرود. القاضى وهو يبتسم وقال إنّ الأمرلايعدوالمزاح بين زميليْن. وكان تعليق أباظة إنّ هذا الوزيرلم يكن يجرؤعلى هذا السلوك لولم يتلق التوجيه من رئيسه (السادات) الذى فتح كل أبواب الفساد الذى استفاد منه هووأسرته التى انتقلتْ من العدم إلى الثراء الفاحش (239، 240) وحتى خالد محيى الدين (اليسارى) قبل رشوة عبد الناصرله عندما منحه معاش أميرالاى، أى فوق رتبته بأربع رتب. ولم يكتف خالد بذلك وإنما قال لعبد الناصرأنه ليس لديه سيارة، فقال له ((زكريا ح يبعتْ لك عربيه فورًا)) (الآن أتكلم 349، 350) 

يؤكد أباظة على أنّ الدورالأمريكى ((كان حاسمًا فى حركة ضباط يوليووإنْ اختلف الرأى حول طبيعة هذا الدورالذى قامت به المخابرات الأمريكية، إلاّ أنّ القدرالمُتيقن منه أنّ أمريكا كانت على علم كامل بتحركات الضباط وأنها كانت تـُراقب هذه التحركات وتـُباركها بعد أنْ مهـّدتْ لها بتأكيد ضمان عدم تدخل بريطانيا فى حالة نجاحها مع وعدها بالاعتراف الدولى)) (254) وبعد أنْ سيطرعبدالناصرعلى مصر، وضمن مساندة أمريكا له عمل على تبديد موارد مصرتحت شماعة (العروبة) فى العراق وسوريا واليمن والجزائرإلخ. ولم يكتف بذلك وإنما نسى دوره كرئيس دولة، فهبط أسلوبه وتردى إلى الانحطاط والاسفاف فهاجم ملك السعودية وهدّده ب (نتف دقنه) ويصف الملك حسين بأنه ابن أمه (الملكة زين) وبعد أنْ وقف مع لومومبا ضد تشومبى، إذا به يُزوّد المتمردين فى الكونغوبالأسلحة عقب الاطاحة بلومومبا وتولى (أنطون جيزنجا) وهكذا باع صديقه لومومبا. كما وجّهتْ الاذاعة المصرية (فى بثها الموّجه لإفريقيا) التحريض ضد أثيوبيا ومساندة الأقلية المسلمة فى الحبشة على الثورة ضد الامبراطور هيلاسلاسى. وعندما سيطرالشيوعيون على حكم الحبشة تغيرالموقف من مصر، خاصة وأنّ هيلاسلاسى كان يتميّزبالتعقل والحكمة وكان يحترم مصروالمصريين نظرًا لأنّ الكنيسة الحبشية كانت تتبع الكنيسة المصرية، الأمرالذى ساعد على حـُسن العلاقات بين البلديْن. وعن كارثة الوحدة المصرية السورية نقل أباظة ما قاله الرئيس شكرى القوتلتى لعبدالناصرعن أبناء وطنه ((لقد وضعتَ نفسك فى ورطة فى بلد يعتبركل شخص فيه نفسه إلهـًا)) وأنّ الأميرفيصل (قبل أنْ يعتلى العرش) عبّرعن مخاوفه من تلك الوحدة وقال إنّ ((مصرستتلقى ضربة شديدة من جراء هذه الوحدة. وطلب من السادات أنْ يُبصرزعيمه بأنّ سوريا عبارة عن عشائر، هم أدرى بها. وأنّ هذه الوحدة لن تستمر)) (من 270- 272) بل وصل الأمربعبد الناصرأنْ شجّع الفتن داخل الأسرة السعودية، من إخوة الملك بزعامة الأميرطلال ومؤازرة أربعة من إخوته وهم أخوة الملك سعود، فتم تشكيل مجموعة الأمراء الأحرار) على نسق (الضباط الأحرار) وقد تسلل خمسة منهم إلى القاهرة. كما كانت (الجيوب الناصرية) فى الدول العربية تتواجد فى الجيوش تحت مسمى (الضباط الأحرار) فى السعودية والأردن والعراق (274)

وعن كارثة (بالوعة) اليمن فإنّ عبدالناصرتجاهل أنّ السعودية لن ترضخ للأمرالواقع، فعَمَدَ على توريط وذبح الجيش المصرى فى اليمن وأصرّعلى الاستمرارفى المذبحة بعد الاتفاقية التى عقدها كيندى مع الأطراف المُتنازعة. وكان على الجانب المصرى والسعودى بموجبها سحب القوات الأجنبية من اليمن وإنشاء نظام للمراقبة الدولية مع وعود أمريكية بتقديم المساعدات الاقتصادية لجمهورية اليمن. وكانت هذه الاتفاقية تـُمثل طوق نجاة لمصر، ولكن عبد الناصر أصرّعلى موقفه من خلال التلاعب بسحب بعض القوات، وفى نفس الوقت تدعيم الجيش المصرى فى اليمن، رغم ما كانت تتحمله مصرمن خسائرفى الأرواح ونزيف العملات الصعبة. وازداد الموقف سوءًا بعد تصرح السلال (المدعوم من عبد الناصر) بأنه يمتلك الصواريخ التى ستـُـدمرالرياض على رأس حكومتها. كما كانت الطائرات المصرية تـُغيرعلى بعض المناطق السعودية التى كانت تحتمى بها القوات اليمنية المؤيدة للنظام الملكى. وبعد عاميْن اضطرعبد الناصرللاعتذارعن إغارة الطيران المصرى للأراضى السعودية. وإذا كانتْ مغامراته قد انتهتْ بخروج بريطانيا من آخرمعاقلها فى الخليج، فإنْ الفائزالحقيقى كانت أمريكا التى حلتْ محل الاستعمارالعجوز(من 276- 283) وعن كارثة يونيو67 فإنّ أباظة نقل ما كتبه الفريق أول كمال الدين حسين فى كتابه (مشاويرالعمر) من أنّ عبدالمنعم رياض ذهب للقاء الملك حسين فى أول مايو67 فحمّـله المالك رسالة إلى عبد الناصرتتضمن تحذيرًا من فخ يُدبّرللقوات المصرية من بعض السوريين لإشعال النارمع إسرائيل فتتورط مصرويتم تدميرالجيش المصرى إلاّ أنّ عبد الناصرلم يهتم بهذا التحذير. وكان من رأى الفريق أول رياض أنّ هناك مؤامرة لاستدراج مصروتوريطها ثم ضربها وأنّ سوريا هى طـُعم الاستدراج والتوريط. ومن بين (الصناديق السوداء) التى عَمَدَ النظام الناصرى على إخفائها، قضية محاكمة المُتسببين عن هزيمة يونيو. وكان من بين المهازل أنْ يكون حسين الشافعى هورئيس المحكمة. وظلتْ أغلب صفحات التحقيق سرية. وهوما يؤكد تواطؤضباط يوليو52 ضد الوطن (مصر) خاصة أنّ بعض ضباط المخابرات العامة كانوا ضمن من تم التحقيق معهم. وكان تعليق أباظة ((والبالغ الغرابة أنّ مثل هؤلاء الأشخاص مازالوا على قمة الحكم حتى الآن (وقت تأليف كتابه عام 94) رغم أنّ المحاكمة انتهتْ بإدانتهم. ورغم اعترافهم بارتكاب أفعال فاضحة تمس الشرف وكرامة الوطن والمواطنين والاتجارفى الرقيق الأبيض فى سبيل الشهوات الشخصية)) (من 294- 302) ورغم أنّ عبد الناصردأب على تجريح الملك حسين، فإنّ الأخيرلم يُندّد بموقف مصرأثناء الحرب من التمويه والتضليل بإذاعة الأخبارالكاذبة، بعد أنْ أبلغته هيئة أركان الحرب المصرية أنه تم تدمير ثلاثة أرباع سلاح الطيران الإسرائيلى فوق القاهرة (304) 

إنّ تاريخ أى أمة يجب أنْ يُنظرإليه من خلال الدياليكتيك، أى ربط الأحداث بعضها ببعض، لذا فإنّ سيطرة ضباط يوليوعلى حكم مصر، وجرائمهم العديدة ضد شعبنا، لابد من ربطها بما قاله عبد الناصرعن حريق القاهرة بأنه ((أول بادرة لثورة اجتماعية على الأوضاع الفاسدة. وحريق القاهرة هوتعبيرشعبى على ما كانت ترزح فيه مصرمن إقطاع واستبداد رأس المال)) (نقلا عن كتاب أحمد أبوالفتح بعنوان ناصر- ص314) فحريق القاهرة من وجهة نظرعبد الناصر((ثورة اجتماعية)) رغم أنه اتهم الإخوان المسلمين مرة واتهم الشيوعيين مرة أخرى بدورهم فى حريق القاهرة كما ورد فى مذكرات إبراهيم طلعت الذى كان من رأيه أنّ الضباط الذين استولوا على حكم مصر- وفى مقدمتهم عبد الناصر- هم الذين دبّروا الحريق. ولوأثبتتْ الوثائق صحة رأى طلعت تكون تراجيديا مصرالبائسة مع ضباط يوليوأنها بدأتْ بحريق القاهرة فى يناير52 وانتهتْ بكارثة يونيو67واستمرّتْ مع الخليفة الذى اختاره عبدالناصر(السادات) ثم مع الخليفة الذى اختاره السادات (مبارك) ولذلك فإنّ هيكل فى دفاعه عن صلاح نصراتبع أسلوب (تبريرالجرائم) فكتب ((كان جهازالمخابرات العامة منذ أنشىء فى منتصف الستينات أكفأ أجهزة المخابرات فى المنطقة. وكان جهد صلاح نصرفى إنشائه وإدارته لايُنكر)) أما تبرير الجرائم فى رأى (كاتب الوحى الناصرى) هو((طول البقاء فى المنصب.. إلخ)) (هيكل فى كتابه سنوات الانفجار- ص 204) وعن استغلال صلاح نصربعض السيدات المصريات فى فضائح جنسية وتصويرهن مع خصوم ضباط الحكم فكانت ((هذه العمليات تتم عن طريق التجنيد والسيطرة التى قام بها قسم أطلق عليه (الكنترول) بالمجموعة رقم 98منذ عام 63. ولأنّ كاتب الوحى الناصرى (هيكل) متطابق مع الضباط ، لذا نجد أنّ حسين الشافعى يتطابق بدوره مع هيكل فى دفاعه عن صلاح نصرفقال أنه ((كان ضابطـًا ممتازا أدى خلال قيادته لجهاز المخابرات العامة أعمالا جليلة. ولكننا نحن بشر. وقد تحدث بعض الانحرافات فى مرحلة ضعف بشرى.. إلخ)) (نقلا عن كتاب صلاح إمام بعنوان حسين الشافعى وأسراريوليووحكم السادات- ص138) وقد زايد الشافعى فى تبريره لجرائم صلاح نصر(خاصة الأعمال القذرة غير الأخلاقية) على هيكل بأنْ قال أنه يكفى صلاح نصرأنه قبل كل شىء كان أحد الضباط (الأحرار) الذين قاموا ب (الثورة) وفى دفاعه عن كارثة يونيو67ردّد المأثورالعربى ((لكل جواد كبوة)) هؤلاء هم ضباط يوليوالذين حصلوا على مساعدة أمريكا كما ذكرأحمد أبوالفتح فى كتابه (ناصر) ص 503 وكان هدف الأمريكان ((إقامة دكتاتورية عسكرية)) والدليل على ذلك اتصال السفارة الأمريكية عن طريق (ليكلاند) المستشارالثانى بالسفارة والصديق الحميم لهيكل. وأنّ السفير الأمريكى (كافرى) كان يرى أنه لاسبيل لإرساء سياسة أمريكية جديدة إلاّ بتغييرالحكم وإبداله بالجيش. ومن هنا قرّرتْ الإدارة الأمريكية ما يلى 1- إنّ الضباط المرشحين للقيام بالانقلاب لهم تطلعات ثابتة. وهم تقليديون ويسهل التفاوض معهم وسوف يكونون أكثرمرونة بعد استيلائهم على السلطة 2- يجب على الحكومة الأمريكية أنْ تتقبّـل فكرة إزاحة الملك عن العرش مع اتخاذ موقف المعارضة الشكلية من جانبنا (أى الجانب الأمريكى) 3- وينبغى على الحكومة الأمريكية- بعد وصول الضباط للحكم- منع أى محاولة جادة لإجراء انتخابات نيابية أوإقامة حكومة دستورية 4- تحرص الإدارة الأمريكية على نفى أى صلة بينها وبين الضباط وأنّ حركتهم (ثورة شعبية) ومتحررة من أى نفوذ خارجى (مايلزكوبلاند– لعبة الأمم- ص 50) 

وإذا كان البعض يتشكك فى كلام مايلزكوبلاند، فإنّ أباظه فعل خيرًا عندما دعّم ما حدث بين الضباط والأمريكان بشهادة ضابط من الإخوان المسلمين اسمه (حسين حموده) وكان مع عبد الناصرفى تنظيم الإخوان. كتب حسين حموده فى كتابه (أسرارحركة الضباط الأحراروالإخوان المسلمين) إنّ ((الأمريكيين حاولوا الاتصال بالجيش عن طريق الملحق العسكرى الأمريكى بالسفارة الأمريكية بالقاهرة)) وأضاف أنه ((حضرعدة اجتماعات فى منزل الملحق العسكرى بالزمالك مع عبد الناصر. وكان الكلام يدورحول التسليح والتدريب والموقف الدولى والخطر الشيوعى على العالم وخاصة الشرق الأوسط. وأنّ أمريكا ستـُساند أى نهضة تقوم فى مصر، لأنّ بقاء الحال على ما هوعليه فى مصريـُـنذربإنتشارالشيوعية. وهذه الاتصالات بالسفارة الأمريكية كانت فى الفترة من عام 1950- 1952)) (كتاب أباظة – ص 362) 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, طلعت رضوان and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.