الرأسمالية المتوحشة

احمد الحصري                   

فى رسالة من الصديقة داليا دسوقى نقلا عن اليسار الجزائرى نقرأ اوضاع مصر من خلال العالم : “خمس سكان العالم يعيشون على أقل من دولار واحد يوميًا…. خمس الأطفال في الدول الفقيرة يموتون قيل سن الخامسة….. متوسط الدخل في أغنى20 بلد في العالم يساوي 37 مرة متوسط الدخل في أفقر20 بلد في العالم”. هذه الأرقام الصادمة هي مجرد نماذج على أوضاع الأغلبية من سكان هذا العالم الذي يتسم بدون أدنى شك بعدم العدالة وسوء توزيع الموارد. وهي ليست- كما يحلو للبعض الترويج- أرقام مبالغ فيها أو ادعاءات من مجموعة من المحرضين الاشتراكيين الراغبين في تشويه صورة النظام الرأسمالي العالمي، بل هي في الواقع أرقام صادرة عن مؤسسة من اعتي وأهم مؤسسات النظام الرأسمالي ذاته، ألا وهي البنك الدولي.

حيث أصدر البنك مؤخرًا تقريره السنوي عن التنمية في العالم لعامي 2010/5015 بعنوان: “شن هجوم على الفقر”. شهد إذن شاهد من أهلها…. شهد شاهد من أهل هذا النظام ودعاته على قسوته ووحشيته ولا إنسانية. والتناقض في توزيع الثروة هو الذي يفسر لنا التناقض بين الوفرة والفقر. فموارد العالم المختلفة التي يمكنها أن تكفي خمسة أضعاف سكانه، لا يتم توزيعها بشكل عادل. فنجد أن هناك أقلية تحصل على ما يزيد عن احتياجاتها بعشرات المرات، بينما الأغلبية لا تكاد تجد ما يكفي أبسط الاحتياجات الإنسانية. ومع التطور في العلم وفي الإنتاج قد يتوقع البعض أن يتراجع اللا تساوي بين البشر، إلا أن الواقع مختلف. فمعدلات اللا تساوي تتزايد بشكل مجنون مع مرور الوقت.

وهذا بالضبط ما حدا بشخص ككوفي أنان الأمين العلم للأمم المتحدة- وهو شخص لا يمكن لأحد أن يدعى أنه من مناهضي الرأسمالية أو سياسات السوق الحر!- أن يؤكد في مقال نشرته له أحد الصحف الإيطالية مؤخرًا أن كوكبنا قد أصبح مقسما بشكل يثير القلق بدرجات متزايدة. يقول أنان: “إن جزءا كبيرا من شعوب العالم خارج السوق العالمية لا تستهلك ولا تنتج شيئًا يستحق الذكر، وتحتاج لمتطلبات هائلة، كما تحتاج إلى مصادر وخدمات شأنها كشأن أي شعب آخر، ولكنها لا تستطيع أن تدفع شيئًا لأنها لا تربح شيئًا… ومن المدهش أن أعداد الفقراء في العالم هي نفس الأعداد التي كانت موجودة قبل15 سنة مضت، على الرغم من أن الثروة العالمية قد تعرضت لزيادة هائلة خلال تلك الفترة نفسها”.

ويضيف أنان: “إن عالمنا زاخر بثروات تكفي لتقديم الغذاء لشعوب العالم بأسره وربما أكثر، كما أن الأمراض التي يعاني ويموت من جرائها الكثيرون في جنوب العالم يمكن الوقاية منها وعلاجها، إلا أن المبالغ التي ترصد للأبحاث حول هذه الأمراض لا تزيد على 10% لأنها أمراض للفقراء“. لم يذكر أنان بالطبع ما هي المصادر الحقيقة لهذا اللا تساوي المفجع والصادم للحس الإنساني البسيط. ولكن ذكره لهذه الحقائق يشير إلى القلق المتزايد، حتى في أوساط بعض من سادة العالم، من التوحش المتزايد للرأسمالية العالمية في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية الواسعة النطاق، وفي ظل التسارع المجنون للنزعات الاحتكارية والاندماجية.

وبإجراء مقارنة بسيطة بين الدخول القومية لعدد من دول العالم وبين أحجام مبيعات بعض الشركات المتعددة الجنسيات، نستطيع أن نعلم إلى أي مدى وصلت درجة هيمنه الرأسمالية العالمية- التي لا يحاسبها أحد والتي لا تخضع لأي سلطة ديمقراطية أو شعبية- على مقدرات كوكبنا. فعلى سبيل المثال تحقق شركة واحدة- هي شركة “جنرال موتورز” العالمية- متوسط مبيعات سنوية يقدر بحوالي164 مليار دولار، وهو ما يزيد على نصف الدخل القومي لكل دول أفريقيا جنوب الصحراء مجتمعين. أما شركة “فورد” العالمية، فتمثل مبيعاتها السنوية (147 مليار دولار) ما يزيد عن ثلاثة أضعاف الدخل القومي للمجر (10 مليون نسمة)، وأربعة أضعاف الدخل القومي للمغرب (28 مليون نسمة)، وعشرين ضعف الدخل القومي لأثيوبيا (63 مليون نسمة)!! وفي مقدورنا أن نورد الأمثلة بلا توقف.

ففي عام 1976 كانت سويسرا أغنى بـ52 ضعف من موزمبيق، وفي عام 1997 أصبحت أغنى بـ508 ضعف. وفي عام 1960 كان 20% من السكان في أغنى دول العامل يحصلون على دخل يزيد 30 ضعف عن دخل أفقر 20% من السكان. ولكن في عام 1995 تضاعف الفرق بينهما ليصل إلى 82 ضعف. ولعلنا نصدم إذا علمنا أن أغنى225 شخص في العالم يملكون مجتمعين ثورة تقدر بما يزيد عن المليون مليون دولار أمريكي، وهو ما يوازي مجموع الدخل السنوي لنحو 2,5 مليار إنسان هم الفئة الأقل دخلاً من سكان الأرض، ويمثلون حوالي 42% من سكان كوكبنا.

ويمكننا أن نتخيل بالطبع ما يمكن أن تحدثه هذه الثورة من تحسين وتغيير في حياة الملايين من فقراء هذا العالم. وتؤكد المؤشرات الاجتماعية في العديد من البلدان كيف أن الفقراء هم دائمًا الأكثر معاناة من نقص الخدمات الضرورية أو تدهورها. فعلى سبيل المثال في جنوب أفريقيا بلغ معدل وفيات الأطفال دون الخامسة بين أفقر 20% مثلي المعدل لدى أغنى 20%. ولا يختلف الوضع بالنسبة لسوء التغذية. فقد توصلت دراسة تناولت 19 دولة إلى أن التقزم، الهزال، ونقص الوزن أعلى بين الفقراء في كل الدول تقريبًا. كذلك فانتشار الأمراض، وخاصة الأمراض المعدية، أعلى بالنسبة للفقراء، في حين أن فرصهم في الحصول على الرعاية الصحية غالبًا ما تكون أقل.

 إن الشعار الذي تطرحه حركة مناهضة الرأسمالية التي تنتشر في أرجاء الأرض كالنار في الهشيم، هو شعار يلخص مأساة كوكبنا: فـ”عالمنا ليس للبيع”.. عالمنا لا ينبغي أن يكون تحت رحمة حفنة من الرأسماليين والسياسيين الفاسدين الذين يتواطئون كل يوم على تعظيم وتوزيع ثرواتهم التي هي في الحقيقة ملك لكل البشر

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in احمد الحصري and tagged , , . Bookmark the permalink.