(ليس لدى “الجنرال” من ينافسه!(1

سعيد علام  

“يحلم” بعض “الجنرالات” بمنافسة السيسى فى الانتخابات الرئاسية 2018، هو حلم، ما بين احلام اليقظة، والكابوس، لنراهم يتحركون  فى حركة بندولية، خطوة الى الامام وخطوتان للخلف: خطوة الى الامام، متكئة على المعاناة الطاحنة التى يرزخ تحتها غالبية الشعب المصرى، مادياً ومعنوياً، واتساع التكلفة المؤلمة للارهاب فى سيناء، وامتداده للوادى، وخطوتان للخلف، امام الهجوم الكاسح لخطوات “فريق السيسى” الثابتة. فى الداخل: تجاه ما يسمى بـ”الاصلاح الاقتصادى”، والخطوات العنيفة تجاه مناؤى النظام، اياً كانت درجة مناوئتهم!، وشبه الاغلاق التام لمجال العمل “المعارض” العام، وتأميم العمل الاهلى المستقل بدافع الارتياب، وهى الخطوات التى لم يجرؤ احد من قبله على اتخاذها، بهذا القدر من الاتساع والحدة، تلك الخطوات التى تتخذ على اعتبار انها الطريق الوحيد لتحقيق الوعود التى قطعها السيسى على نفسه للشعب المصرى، ورغم التأخر البارز فى تحقيقها، او حتى جزء منها، اوارتفاع نسب الشك فى امكانية تحققها، الا ان ثبات هذه الخطوات وجرئتها  يوحى، فى جانب منه، بالثقة، لدى فريق السيسى، على الاقل، فى صحة هذا الطريق.

اذا كان من المدهش، ان يعود شخص ما، لنفس الافعال التى أدت الى نتائج لا يرغب فيها، يعود لنفس الأفعال مرة أخرى، من أجل أن يتجنب نفس النتائج!، .. نفس المقدمات تؤدى الى نفس النتائج، وإن بصور مختلفة، فان الاكثر ادهاشاً ان يستمر ذلك لأكثر من 60 عاماً!

هذا ما يفعله فريق السيسى منذ 11 فبراير 2012 وحتى الآن!، من حيث “جوهر فلسفة” السياسات الاقتصادية والمالية، مازال فريق السيسى، النسخة الأحدث من سلطة يوليو 52 الممتدة، ينتهج نفس السياسات التى انتهجتها النسخ السابقة من سلطة يوليو، والتى كانت قد أدت الى 25 يناير، يعيد انتاجها، وان بصورة اكثر جرأة وحدة، من أجل تفادى 25 يناير اخرى!

اما على مستوى الاداء الخارجى: فقد استطاع ان يوظف فريق السيسى قانون “المصالح الدولية” لصالحه، فبعد التململ الدولى العام، والتراوح بين ثورة وانقلاب، رسى المجتمع الدولى على ضفاف المصالح، ولتأخذ قضايا الحريات وحقوق الانسان مكانا منزوياً فى اخر صفحة اهتمامات المجتمع الدولى، الا فيما ندر.

والان السؤال: امام الازمة الداخلية المستمرة، الاقتصادية والامنية، والتى تشير دلائل كثيرة على استمرارها لفترة قادمة، وامام ارتفاع مستوى الغضب الشعبى المكتوم، الى مستويات غير مسبوقة، وعودة ظهور شبح  يناير مرة اخرى، وتزايد معدل الانتقادات لادارة السيسى للحكم، من قبل رموز سياسية واعلامية شديدة الارتباط بالسلطة، هل امام كل ذلك، سيطبق على السيسى، “تقليد يوليو المقدس”؟!، وهو “القانون” الاكثر صرامة ووضوحاً فى مسيرة سلطة يوليو، والمستمر منذ 52، والملزم بأن، إنجاز أى رئيس لأى مهام تاريخية، مرحلية، لا يمثل حصانة لهذا الرئيس فى مواجهة ضرورة التغيير، المطلوب فى لحظة تاريخية معينة، لضمان استمرار سلطة يوليو الممتدة، وهو “التقليد” الذى يستمد “قداسته” من كونه لم يستثنى من رؤساء يوليو احداً، هذا القرار الذى لا يتخذه فريق ما، فى السلطة، منفرداً، وانما يتخذه “مجلس ادارة اتحاد ملاك مصر”، وفقاً لميزان القوى، بحسب تحالفات كل مرحلة، بأبعاده الاقليمية والدولية واجنداتها.(2)

الا ان استبدال السيسى بجنرال اخر، هى مسألة شديدة الحساسية والتعقيد، خاصة وان امام قادة الجيش خبرة سابقة متكررة، فى كيف ازاح عسكريين رفاقهم بعد ان تمكنوا من رئاسة مصر، – عبد الناصر، السادات، مبارك -، وليس ادل على ذلك من تقليص صلاحيات الرئيس، السيسى، فى دستور 2014، ليشتمل الدستورعلى صلاحيات سيادية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، بما فيها سلطة ميزانية الدفاع، وسلطة اختيار وتعيين وزير الدفاع، وبالتالى سلطة اقالته، ولم تعد هذه السلطات تخضع لسلطة الرئيس، الذى هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وفقاً لنفس الدستور!.(3) كما انه ايضاً، وما يمكن اعتباره دليل اضافى على مدى حساسية وتعقيد مسألة ان تقوم المؤسسة الحاكمة باستبدال السيسى، هو المغزى من تحول المرشح الرئاسى السابق احمد شفيق، “ابن المؤسسة العسكرية”، تحوله الى لاجئ خارج مصر، من بعد اعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية مباشرة فى 2012 وحتى الان، وبعد مرور اكثر من ثلاث سنوات على الاطاحة بمنافسه فى هذه الانتخابات، والذى كان قد اعلن فوزه بها!، انه صراع الاجنحة فى اعلى السلطة!.

“يعيش المثقف على مقهى ريش“!(4)

“يحلم” بعضً من النخبة المدنية (اليسارية / الليبرالية)، نخبة الـ”داون تاون”، بمنافسة السيسى فى الانتخابات الرئاسية 2018، ولكن بعكس الجنرالات الواقعيين، يتميز هذا اليعض من النخبة المدنية، بخيال واسع “اوهام”، يسمح حتى لمن لم يستطع الحصول على  اصوات دائرة انتخابية واحدة، لدخول مجلس الشعب، الا بمساعدة تيار الاسلام السياسى!، هو نفسه الذى يسمح له “خياله” بان “ينافس” على الرئاسة، (السابقة 2014)!، بل ويسمح ايضاً، لدرجة ان واحد من أسوء رموز المعارضة ذكراً، وعلى “رأس” اكبر واقدم حزب “ليبرالى”، وهو المعروف اعلامياً بصاحب اشهر قفا فى التاريخ،(5) انه قد رهن دخوله الانتخابات الرئاسية، (الاسبق 2012)، رهنها على دعم الاخوان المسلمين له!، وفقاً لما ورد فى التسريب الشهير الفضيحة.(6)

عموماً العزلة التى تعانى منها النخبة المدنية، بعيداً عن تحليل اسبابها، تجعل من مسألة مناقشة مدى جدية منافستها على الرئاسة 2018، مسألة خارج اى مناقشة جادة.(7)

“ماترحش تبيع الميه ف حارة السقايين”! 

لا “يحلم” الاخوان المسلمين، – التنظيم الأم للأصولية السلفية -، بمنافسة السيسى فى الانتخابات الرئاسية 2018، حيث يبدو ان فريق السيسى قد استوعب درس اسلافه،  وهو الدرس الذى يتلخص فى ان استخدام نفس السلاح “استغلال الدين لاهداف سياسية”، والذى تستخدمه القوى الاصولية ضد النظام، استخدام نفس هذا السلاح – سلاح استغلال الدين – من قبل النظام، ستكون نتائجه بكل تأكيد، وعبر الخبرات التاريخية الحديثة كما القديمة، ستكون نتائجه فى النهاية لصالح هذه القوى الاصولية المناؤة للنظام!. اى درس عدم تقديم تنازلات لهذا التنظيم،من ناحية، ومن الناحية الاخرى، عدم الدخول معه فى منافسة، فى مضمار سباق يجيده هذا التنظيم، “السباق الدينى”، والذى راكم هذا التنظيم من خلاله ارضية جماهيرية واسعة وعميقة، وان كانت كامنة، وفقاً لمبدئها “الانتهازى” المزدوج، الاشهر ” الاستضعاف / التمكن “، كامنة نتيجة للاجراءات شديدة العنف، المادى والمعنوى، التى اتخذت تجاه منذ 3 يوليو 2013، اى ان فريق السيسى عمل وفقاً للمثل المصرى الشعبى: “ماترحش تبيع الميه ف حارة السقايين”!.(8)

“عبدة الشرعية” .. شرعية انتخابات، ام شرعية خيانة الثورة؟! 

سيل مبادرات الاصطفاف، فى الفراغ القاتل، لا يعبر سوى عن الازمة المستعصية التى تواجه قوى الاسلام السياسى، وبعضً من قوى الليبرالية واليسارالملحقة بها، انها ازمة انعدام البدائل على الارض، ولا مناص ان يكون مستقبلها، كما عبر عنه هنرى كيسنجر فى مقولته الحكيمة، “ان انعدام البدائل يحرر العقل بصورة رائعة”، مستقبل يتحرر فيه العقل من الاوهام. جميع المبادرات التى اطلقت من الاخوان، اوالتى اطلقت من خارج الاخوان ولكن العين عليهم، جميعها لاينظر اليها الاخوان الا باعتبارها معبر لـ”عودة الشرعية”، عودتهم للحكم، مجدداً، الاخوان يلهثون وراء السلطة بأى ثمن!، وان اعلنوا عكس ذلك لضرورات “الاصطفاف”، وفقاً للمبدأهم الاشهر  ” الاستضعاف / التمكن “،  (وتعقيباً على بيانه “ابراهيم منير نائب مرشد الاخوان”، عن المصالحة، قال فى مقابلة تلفزيونية – يوم السبت 19/11 – عندما سأله المذيع عن موقف الاخوان اذا ما عرض عليهم السيسى المصالحة؟، أجاب نائب المرشد “بشكل مباشر لأ”، اى ان اجابة نائب المرشد: ان الصلح مع السيسى اذا تم بشكل غير مباشر هى، نعم!).(9) نعم “ان انعدام البدائل يحرر العقل بصورة رائعة”!.

ماذا عن تلك الشرعية، “اللحظة” التى توقف عندها الزمن لدى الاخوان؟!، هذه الشرعية التى “يعبدونها” على اعتبار انها مؤسسة على أنتخابات نزيهة، لكن الاخوان قد نسوا ان يقولوا لنا، عن مدى شرعية هذه الانتخابات ذاتها، هذه الانتخابات التى كان من المفترض ان تكون ثمرة ثورة 25 يناير، الذى اعلنت قيادة الاخوان رسمياً، فى بدايتها، انهم لن يشاركوا فيها!، ثم تحت ضغط شباب الاخوان، اعلنوا عن مشاركة رمزية!، ثم بعد بدت اشارات نجاحها “المؤقت”، مارس الاخوان كل ما هو انتهازى، للتخلى عن الثورة للذهاب مباشرة الى السلطة، من استفتاء 19 مارس وعقد الصفقات مع المجلس العسكرى من وراء ظهر “رفقاء الثورة”، وصولا الى “الثورة فى البرلمان مش فى الميدان”!، بعد ان توهموا ان مرحلة “التمكن” قد حانت، وان مرحلة “الاستضعاف” قد ولت!، اذاً عن اى شرعية يتحدثون ؟!، هل هى شرعية الانتخابات ام شرعية بيع الثورة؟!، اليست حقاً، يا “اصحاب الحق”، هى شرعية خيانة الثورة؟! والاهم، هى شرعية خيانة حلم “شعب 25 يناير”، بالعيش والحرية والكرامة الانسانية؟!.

واسقاطاً على “رمزية” رائعة ماركيز “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه”، الذى ظل فيها الكونيل “العقيد”، بعد ان خرج على المعاش، ظل يذهب يومياً الى مكتب البريد، الوحيد فى قريته الفقيرة، الذى يعيش فيها وحيداً مع زوجته العجوز المريضة، يذهب يومياً ليسأل عن خطاب  تخصيص معاشه، وبالرغم من مشاركته ببساله فى حرب الالف يوم، الا ان خطاب المعاش لم يصل ابداً! .. يبدو انه فى حال مصرنا، خلال اللحظة الراهنة، وغالباً لفترة قادمة ما بعد 2018، واياً كان ممثل المؤسسة الحاكمة فى القصر الرئاسى، يبدو وكأن لسان حال هذه المؤسسة الحاكمة، يؤكد: “النوبه دى بجد مش حنسبها لحد!”، (10) لتنطبق رمزية رائعة ماركيز، على واقعنا ، – وليس على اوهامنا -، وغالباً لفترة قادمة، بأننا سنجد انفسنا امام وضع استثنائى، يعلن فيه انه: “ليس لدى الجنرال من ينافسه!”.(11)

القاهرة الخميس 25/5/2017

سعيد علام

إعلامى وكاتب مستقل

[email protected]

http://www.facebook.com/saeid.allam

http://twitter.com/saeidallam

المصادر:

 

العنوان مقتبس عن رائعة غابرييل غارسيا ماركيز “ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” 1961.

https://www.4shared.com/office/2VFarVLAba/______.html

السيسى يواجه تقليد يوليو المقدس!

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=535459

“السيسى رئيس منزوع الدسم!”

 http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=537495

يعيش اهل بلدى – احمد فؤاد نجم.

http://elfagoomy.blogspot.com.eg/2011/01/blog-post_89.html

فيديو ضرب السيد البدوى بالقفا فى ميدن التحرير.

https://www.youtube.com/watch?v=0RkyiEera84

تسريب السيد البدوى عن خطته لرئاسة مصر!.

https://www.youtube.com/watch?v=u_YAJU1_ANQ

نخبة “الداون تاون”.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=559656

الصراع على السلطة الدينية فى مصر.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=558391

لقاء معتز مطر مع ابراهيم منير قناة الشرق.

خبرة يناير: بين براءة الثوار، ودهاء النظام العتيق!.

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=501507

“ليس لدى الكولونيل من يكاتبه” 1961 – غابرييل غارسيا ماركيز

https://www.4shared.com/office/2VFarVLAba/______.html 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian Affairs شؤون المحروسة, سعيد علام and tagged , , . Bookmark the permalink.