“المثلية الجنسية حق اختلاف”

محمد هشام  

تزامُناً مع الدعوة ليوم التدوين عن المثلية الجنسية، وهُنا قمة الألم وقسوة المُكاشفة -التي تفضح الواقع فضحاً وتجرده تجريداً- عندما يكتب الإنسان ليقول للمجتمع أنه هناك بعض المختلفين عنكم لديهم بعض الحقوق فلتتفضلوا بمنحها لهم، في الوقت الذي تغدو فيه هذه الحقوق شيئاً طبيعياً لأي فرد في مجتمعات أخرى أكثر تقدماً وإنسانية، تلك المجتمعات التي يصبح فيها حق الفرد في الاختلاف والاعتقاد والتفكير والاستمتاع بحياته الخاصة جزء من إنسانية الفرد وكرامته التي يؤدي سلبها –أي تلك الحقوق- إلى سلب الإنسان حريته وفرديته.

لقد دلفنا منذ خمسة عشر عاماً ونيف إلى عتبات القرن الواحد العشرين، ذلك العهد الذي بدأ بثورة معلوماتية وتكنولوجية هائلة، وكذا قد تبعها طفرات علمية ونظرية هائلة، لم تقف فقط عند حدود علوم الإنسان والمجتمع والطبيعة، بل تعدت لتُناقش الأديان والمعتقدات وكافة الفلسفات والتيارات والاتجاهات، وأصبحت السمتان المميزتان لهذا العصر أنه لم تعُد هُناك أية حاجة لأي دين أو معتقد يبرر انتهاك حقوق الإنسان وحقوق الاختلاف، بالإضافة إلى أن ما تثبته العلوم والنظريات الحديثة لا يجب وأن تتورط فيه الأديان، ومن هُنا حلت مواثيق حقوث الإنسان وعهود الحقوق المدنية والسياسية محل أفكار الدوجما والكتب الدينية، وحلت النظريات العلمية والفكرية محل المعجزات والغيبيات، وحلت ثقافات المواطنة والتعايش وقبول الآخر محل تلك الأفكار التي تُحَقِر وتقلل من الآخر وتنظر له بمنظور كلاسي –أي طبقي- بحكم معتقده أو لون بشرته أو اثنيته أو توجهه الجنسية..إلخ.

وهُنا تنهدم تلك الأفكار والثقافات الواحدية التي تتمركز حول ذاتها ولا تدور إلا في فلكها؛ غير ناظرةً لقيمتي الفردية والاختلاف، هاتان القيمتان اللتان ترفضان –بموضوعية المفاهيم الحرياتية- النظر إلى الفرد على أنه ترس يدور جانب بقية التروس في ماكينة المجتمع، إلى أن تصبح الحُرية بمفهومها المُوسَع المُناقِض للفلسفات الشيوعية والشمولية؛ رافضةً لأي انتقاصٍ منها تحت مزاعم الالتزامات القبلية، والإلزامات الدينية، والأوضاع والنُظُم الاقتصادية، والمعرفة المجتمعية التي تُشكِلها الأفكار المتقولبة والأعراف والتقاليد والعادات التي تستمد قوتها المجتمعية من مرجعية دينية عُليا أو مرجعيات حُكام الدولة.

ومن هُنا تجدُر الحاجة إلى النظر إلى كل فرد على أنه كيانٍ منفرد، له وجود وأفكاره الخاصة به، وأي انتقاص من حُرية هذا الفرد يتبعه بالطبع انتقاص من حُريات الآخرين ومن ثم تهديد للسلم المجتمعي وضياع لحقوق وكرامة أفراده، ولذا كان الأساس في نظرة المجتمع والدولة إلى الفرد إلى مقدار التزامه بالقوانين والتشريعات التي يتم صكها حرصاً على مصلحة الدولة والغير وحفاظاً على حقوق الآخر، بشرط ألا تتطرق هذي القوانين إلى منافشة ما يفعله الناس في حجرات نومهم، ولا أن يجبر الفرد على الالتزام بثقافة معينة أو أحكام مُجتمعية سائدة، ولا أن يُجبَل الفرد على دينٍ ما أو الدين السائد بالمجتمع، ولا أن تسن هذه التشريعات العقوبات على كل مُختلِف أو على كل متمرد على ثقافة سائدة حاظت على اتفاق الوعي الجمعي. 

وأهم هذه الحقوق الذي يتمتع بها الفرد في مجتمعه حق إشباع رغباته الجنسية الخاصة، وحرية اختيار شريك حياته، وحرية الإعلان عن ميوله الجنسية، على أن يتمتع بكامل الخصوصية التي تُغَلِف اختياراته وطُرُق إشباعه لرغباته، على أنه لابُد وألا تنفصل هذه الحقوق عن حقوق المواطنة والمعيش في سلام. وبالتالي النظر إلى الفرد نظرة دونية طبقاُ لتوجهه الجنسي المُغاير للسائد بالثقافة المُستولية على عقول غالبية أفراد المجتمع هو نوع من التمييز والعُنصرية الغير مُبَرَرة التي تدخل في نطاق جرائم انتهاك حريات وخصوصيات الآخر. وإذا كُنا نتحدث عن المساوة في مجتمعنا، فنرى أن هذا المُصطلح يفقد الكثير من بريقه إذا اقتصر مفهومه لدى الوعي الجمعي على أنه التآخي الديني –على المستوى الفردي والقانوني والمجتمعي- بين المسلمين والمسيحيين المُشكلين لأكثر من 90% من عقيدة أفراد المجتمع، فالمساواة في فلسفتها تحفل بكافة الاختلافات سواء كان هذا الاختلاف عقائدي أو فكري أو إثني أو في التوجهات الجنسية والثقافية؛ ولذا فأي تصنيف على أي أساس جنسي أو عرقي هو نوع من أنواع التفرقة، ولنلاخظ هُنا نتحدث عن التمييز والتفرقة ولم نتطرق بعد إلى انتهاك الحقوق والسجن والقمع والقتل!

وطبقاً لما ذُكِر بالأعلى نؤكد على أنه استناداً للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية –في مادتيه السادسة عشر والسابعة عشر- أي انتهاك للحقوق الشخصية هو جريمة، وأنه لا يجوز للدولة ولا للمجتمع أن يتتبعا المثليين وإلحاق العقوبات والأذى بهم لطالما أن هذه العلاقات الجنسية تتم بين البالغين وبرضاءٍ تام وحُرية وإرادة مسؤولة، وكذلك احتجاز الأفراد وسجنهم ومحاكماتهم طبقاً لتوجهاتهم الجنسية جريمة في حق الأفراد، ولا يجوز كذا إجراء كشوفات الفحص الشرجي بحق أي فرد في المجتمع دون رضاه الشخصي –الذي يتم عن طريق اكتتابه- ولأغراضٍ طبية بحتة، وكذا نرى أن إجراء مثل هذه الكشوفات بحق الملتحقين بالخدمات التجنيدية هو نوع من أنواع التمييز الذي يُرسِخ لدى الوعي الجمعي أفكار تحض على العنف وكراهية المختلفين جنسياً والمثليين.

وختاماً لابد وأن نتطرق لأحد أهم الجوانب الهامة حول هذه القضية، حيث نرى كثيرُ من التنويريين والعلمانيين والمتصالحين مع كافة أشكال الحريات والاختلافات، يقعون في بئري التصنيف والعنصرة، وذلك حين يتحدث هؤلاء، أدعياء حقوق الإنسان وخطابات السِلم المجتمعي، عن هذه الحقوق على أنها نوع من المنح والهبات التي يتصدق بها المجتمع على أقلياته أو أفراده المنبوذين والمضطهدين، دون تناول ومناقشة تلك الحقوق من الزاوية التي ترتكز على أنها حقوق طبيعية، فمجرد مناقشة إعطائها أو سلبها من الآخر هو نوع من انتهاك قيم قبول الآخر، وذاك أيضاً بغض النظر عما يحمله المفهوم الأخير –قبول الآخر- من مردودٍ سلبي حين نستدعيه في المضمار الذي تحمله هذه الفقرة، فالتسامُح الذي ينطوي على هِبة وعطِية مجتمعية هو خطابٌ انتقائيّ يحمل في لا وعيه بعضاً مما يحمله الخطاب العام للجالدين لكل معتقد جديد او لكل مختلف، وكذا على المستوى الفردي عندما يتعامل أي مُغاير مع المثليين بمنطلق التعاطُف أو الرغبة في الدعم الشديد تجاه مؤسسات وقُوى التصنيف، دون أن تنطلق أفكار هذا المغاير -في أعماقه- من أرضية المساواة التامة بين الأفراد والاعتقاد التام أنه لا يجب وان تُؤَسَس أحكام مُسَبَقة على الأفراد طبقاً لاختلافات الجينات والوراثة والبيولوجيا، فإنه حينئذٍ يسقط في نظرية التصنيف والتمييز.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد هشام and tagged , , , , . Bookmark the permalink.