سليمان بين العهد القديم والقرآن

طلعت رضوان  

كرّم القرآن الأنبياء العبريين مثل داود وسليمان (سورة الأنباء/ 78، 79) وسورة النمل- من15- 22) وسورة (سبـأ / من 10- 12) وسورة ص (من 17- 20) بينما اتخذ العهد القديم موقفــًـا مغايرًا مثلما حدث عندما انتقم الرب العبرى من سليمان وقال ل (يربعام): ها أنا أمزق المملكة من يد سليمان وأعطيك عشرة أسباط.. ويكون له سبط واحد من أجل عبدى داود (رغم أنّ دواد مات) ومن أجل أورشليم، المدينة التى اخترتها من كل أسباط إسرائيل. أما لماذا غضب الرب على سليمان، فإنّ كاتب الوحى العبرى أضاف: لأنّ بنى إسرائيل ((تركونى وسجدوا لعشتروت إلاهة الصيدونيين… إلخ وهذا الرب يعتبر نفسه مثل أى إنسان، حيث نقرأ أنه قرّر أنْ يضع اسمه على مدينة أورشليم. ولأنه تخلى عن سليمان وتبنى (يربعام) لذلك قال له: سوف آخذك فتملك حسب كل ما تشتهى نفسك وتكون ملكــًـا على إسرائيل. والرب كى يُـنفــّـذ وعده اشترط على (يربعام) أنْ يسمع كلامه ويحفظ فرائضه ويُـنفــّـذ وصاياه، فإنْ فعل قال الرب ((سأكون معك وأبنى لك بيتــًـا آمنــًا كما بنيتُ لداود وأعطيك إسرائيل)) بعد هذا الكلام (وبدون أى فواصل) يتناقض الرب العبرى مع نفسه حيث أضاف ((وأذل نسل داود من أجل هذا)) ثمّ رأى أنْ يتراجع (ولكن بشكل نسبى) فأضاف ((ولكن لا كل الأيام)) أى أنّ الذل الذى سيفرضه على نسل داود ذلا مؤقتــًـا. ولأنّ الرب العبرى اختار (يربعام) ليحل مكان سليمان (فى الحكم والنبوة) لذلك فإنّ سليمان ((طلب قتل يربعام.. فقام يربعام وهرب إلى مصر (الملوك الأول – الإصحاح 11) 

وهذا الإصحاح يستدعى طرح الأسئلة التالية: 1- لماذا ترك بنو إسرائيل (ربهم) وعبدوا العشتروت؟ 2- وهل هذا مُـبرّر لكى يقوم الرب بتمزيق المملكة؟ 3- كيف سيـُـمزّقها؟ خاصة وأنه قال بعد ذلك أنه وعد (يربعام) بأنْ يمنحه مملكة إسرائيل 4- لماذا غضب على (كل) نسل دواد؟ وما ذنبهم؟ 5- لماذا قرّر سليمان قتل يربعام؟ وهل هذا سلوك يتــّـسق مع صفة (النبوة) التى منحتها الديانة العبرية بشعبها الثلات لسليمان؟ 6- لماذا هرب يربعام إلى مصر؟ ولماذا مصر بالذات؟ أليستْ مصر هى التى اضطهدتْ بنى إسرائيل أتباع موسى كما ورد فى كتب الديانة العبرية؟ وأليس قرار يربعام (اللجوء إلى مصر) فيه أدق دليل على أكذوبة أنّ بنى إسرائيل كانوا مضطهدين فى مصر؟ 

ومن عجائب العهد القديم أنْ الرب العبرى يـُـخاطب داود قائلا ((الآن انظر إلى بيتك يا داود)) فكيف ينظر داود إلى البيت بعد أنْ مات؟ كذلك فإنّ بنى إسرائيل الساكنين فى مدن يهوذا تملــّـك عليهم ملك جديد اسمه (رحبعام) فكان يستعملهم فى أعمال السـُـخرة فرجموه بالحجارة (الملولك الأول: الإصحاح 12) 

ولأنّ الديانة العبرية ضد الفن، وأطلقتْ على التماثيل (أوثان وأصنام) لذلك فإنّ الملك الجديد الذى تولى حكم أورشليم واسمه (آسا) سمع كلام (ربه) العبرى ونزع جميع (الأصنام) التى عملها آباؤه.. بل إنه غدر بأمه واسمها (معكة) ورفض أنْ تكون ملكة بجانبه. والسبب لأنها (عملتْ تمثالا) فكسره ابنها وأحرقه. 

وبغض النظر عن التناقض فى أسماء الملوك ومدة حكمهم، فإنّ ((ناداب بن يربعام) تملــّـك على إسرائيل لمدة سنتيْن. ومثله مثل من سبقوه (بما فيهم داود وسليمان) فإنه ((عمل الشر فى عينىْ الرب. وسار فى طريق أبيه وفى خطيته التى جعل بها إسرائيل يـُـخطىء)) (الملوك الأول – الإصحاح 15) وهذا مع مراعاة أنّ كاتب الوحى العبرى سبق أن ذكر أنّ الرب هو الذى اختار يربعام، وأجلسه على كرسى الحكم بعد أنْ أنزل غضبه على سليمان. ثمّ يجيىء ملك جديد اسمه (بعشا) وتملــّـك على إسرائيل أربعـًـا وعشرين سنة. وأيضـًـا ((عمل الشر فى عينىْ الرب وسار فى طريق يربعام وفى خطيته التى جعل بها إسرائيل يـُـخطىء)) أى أنّ غالية من ذكرهم كاتب الوحى العبرى ((يعملون الشر فى عينىْ الرب.. ويجعلون إسرائيل يـُـخطىء)) ومع ملاحظة أنّ كلمة (إسرائيل) ترد دائمـًـا بصيغة (التجهيل) أى بدون تحديد المعنى المقصود، خاصة وأنه ورد فى سـِـفر التكوين أنّ يعقوب تغيـّـر اسمه وأصبح اسمه الجديد (إسرائيل) وأنّ يعقوب أقام مذبحـًـا ودعاه إيل إله إسرائيل)) (تكوين: الإصحاح 33، الإصحاح 35) وتزداد البلبلة عندما نقرأ ((أنا الرب ساكن فى وسط بنى إسرائيل)) (عدد: الإصحاح 35) 

والرب العبرى يـُـشبـّـه نفسه بالبشر فيقول ل (ياهو بن حنانى): إنى قد رفعتك من التراب وجعلتك رئيسًـا على شعبى إسرائيل. وسرتَ فى طريق يربعام وجعلتَ شعبى إسرائيل يُخطئون ويُغيظوننى بخطاياهم)) (الملوك الأول: الإصحاح 16) فهل الرب مثله مثل البشر، فيستطيع أى إنسان الكيد له وتعكير مزاجه بفعل (الغيظ)؟ وهنا فإنّ شعب إسرائيل بأكمله – وليس إنسانــًـا واحدا – ((يُـخطئون ويغيظوننى بخطاياهم)) كما تزداد البلبلة عندما يستخدم الكاتب العبرى تعبير (شعبى إسرائيل) فلماذا لم يستخدم التعبير الأكثر دقة (شعبى بنى إسرائيل)؟ 

ثمّ يأتى ملك جديد اسمه (رِمزى) وأيضـًا ((عمل الشر فى عينىْ الرب)) وأنه أحرق البيت على نفسه بالنار فمات.. وبعد ذلك: انقسم شعب إسرائيل نصفيْن (الملوك الأول- الإصحاح16) 

ويأتى حاكم جديد فيقول له الرب: انطلق من هنا واتــّـجه نحو المشرق واختبىء عند نهر كريت الذى هو مُـقابل الأردن، فتشرب من النهر. وقد أمرتُ الغربان أنْ تعولك هناك. فانطلق وعمل حسب كلام الرب. وكانت الغربان تأتى إليه بخبز ولحم صباحـًـا وبخبز ولحم مساءً (الملوك الأول: الإصحاح 17) هنا يرتفع سقف الخرافة لدرجة أنّ الغربان هى التى تتولى إحضار الطعام، وتلك الخرافة تتــّـسق مع مُـجمل تخاريف الديانة العبرانية التى وصلتْ لدرجة أنه تم قتل جميع أجدادنا المصريين القدماء ((فإنه كما رأيتم المصريين اليوم لا تعودون ترونهم أيضًـا إلى الأبد.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون.. ونظر إسرائيل المصريين أمواتــًـا على شاطىء البحر.. ولم يبق منهم ولا واحد)) (خروج: الإصحاح 14) ثمّ جاء القرآن وأكــّـد على ما جاء فى التوراة فقال يـُـخاطب بنى إسرائيل (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)) (البقرة /50) 

أما النبى (إيليا) فقد خاطب الرب (مثل من سبقوه) وقال له: أيها الرب إله إبراهيم وإسحق وإسرائيل.. إنك أنت الله فى إسرائيل وأنا عبدك (دائمًـا صيغة العبودية) وبأمرك فعلتُ ما أمرت.. استجبنى يا رب ليعلم هذا الشعب أنك أنت الرب الإله. وأنك قد حوّلتَ قلوبهم رجوعـًـا.. فسقطتْ نار الرب وأكلتْ المحرقة والحطب والحجارة والتراب.. فلما رأى الشعب ذلك سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله. فقال لهم إيليا: أمسكوا أنبياء البعل ولا يفلت منهم رجل.. فأمسكوهم فنزل بهم إيليا إلى نهر فيشون وذبحهم هناك (الملوك الأول: الإصحاح 18) 

فهل الرب فى حاجة إلى دعاء نبيه (إيليا) حتى يعلم الشعب ((أنك أنت الإله))؟ وما مغزى أنّ الرب ((حوّل قلوبهم رجوعـًـا))؟ وما مغزى قوله (أنبياء البعل)؟ مع ملاحظة أنّ (البعل) كان أحد الآلهة، والمُـعترف به فى الديانة العبرية، وورد ذكره كثيرًا فى العهد القديم (يشوع: الإصحاح 11، وقضاة: الإصحاح 3) واعترف به القرآن (الصافات / 125) فما معنى أنْ يكون ل (بعل) أنبياء كما ورد فى سـِـفر الملوك الأول؟ وهل ما ذكره كاتب الوحى العبرى حقيقة أم من وحى خياله؟ وإذا كانت الديانة العبرية أدانتْ هذا ال (بعل) فكيف يكون له أنبياء؟ ولماذا صوّر الكاتب العبرى النبى (إيليا) بتلك الصورة البشعة عندما كتب أنه ((ذبح أنبياء البعل ولم يفلتْ منهم رجل واحد))؟ فهل كل الأنبياء العبرانيين مع سفك الدماء؟ 

وقد تأكد ذلك فى الإصحاح التالى (التاسع عشر) حيث أنّ النبى إيليا ((قتل جميع الأنبياء بالسيف)) ورغم كل ما فعله الرب العبرى لصالح بنى إسرائيل، فإنّ النبى إيليا قال لربه: إنّ بنى إسرائيل قد تركوا عهدك ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف. وبقيتُ أنا وحدى وهم يطلبون نفسى ليأخذوها.. فقال له الرب: اخرج وقف على الجبل أمام الرب. وإذا بالرب عابر (هكذا) وريح عظيمة وشديدة قد شقــّـتْ الجبال وكسّـرتْ الصخور أمام الرب.. وبعد الريح حدثت زلزلة.. ولم يكن الرب فى الزلزلة.. وبعد الزلزلة نار.. ولم يكن الرب فى النار… إلخ (الملوك الأول: الإصحاح 19) فهل على العقل الحر أنْ يُـصـدّق أنّ الرب نزل بنفسه ليقف مع نبيه إيليا؟ حيث ورد فى النص ((وإذا بالرب عابر)) وهل الرب فى حاجة إلى أنْ يكتب كاتب الوحى العبرى أنّ الرب لم يكن فى الزلزلة ولم يكن فى النار؟ أم على العقل الحر أنْ يتعامل مع تلك النصوص على أنها تدخل ضمن تخاريف من كتبوا العهد القديم؟ 

وكتب اللورد بولينجيروك فى معرض تعليقه على ىسـٍفر الملوك الأول أنّ إيليا الذى ((تمكــّـن من إبادة كثيرين من البشر، بنار (سماوية) ليس إلاّ شخصية خرافية، وإلاّ لكان بمقدوره أنْ يستولى على مقاليد الأمور فى الكرة الأرضية كلها بمُـساعدة تلك النار (السماوية) وهو يتنزه مع خادمه. وهذا ما قاله العقلاء دائمًـا للسحرة والمُـشعوذين: إذا كنتم على ثقة بأنّ الشيطان الذى أنتم معه مُــتحالفون، سوف يُـنفــّـذ أوامركم كلها، فلماذا لا تأمرونه بأنْ يعطيكم ممالك الأرض وثرواتها ونسائها؟ وما يمكن قوله لإيليا فى هذا الشأن: لقد قتلتَ ضابطيْن ومائة جندى بصواعق استنزلتها من السماء، ولكنك كنتَ قد هربتَ إلى أعمق الجحور، كأى فأر جبان، يوم توعدتك الملكة إيزابيل، فلمَ لم تقض عليها وتشطرها بواحدة من صواعقك كما فعلتَ بالجنود؟ إنه لتناقض يُـثير الاشمئزاز، فأنت إله حينــًـا، وجبان رعديد أحيانــًـا)) وكان تعليق العالم ليو تاكسيل (الذى نقل ما كتبه اللورد بولينجيروك): ((فى مغامرة إيليا، مُـحاكاة لمُـغامرة البطل الإغريقى القديم (ثاتون) الذى ركب مركبة نارية أيضـًـا. كما أنّ أسطورة (ثانون) ذات أصل مصرى، وهى أسطورة تعليمية أخلاقية، تــبيـّـن خطورة الغطرسة وما تــُـسبّـبه من أذى وضرر يلحق بالبشر. فما مغزى تحليق إيليا إلى السماء؟)) (التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير) ترجمة د. حسـّـان اسحق ميخائيل – عام 1994 – طبعة خاصة على نفقة المترجم – من ص430- 434) 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.