مصر السلفية تحارب الأعمال السفلية

د. خالد منتصر  

ما حدث فى كفر الشيخ وأسيوط من حرائق يعتبر كارثة، ومحاولة تفسير هذه الحرائق بأنها مؤامرة من الجن كارثة أكبر!!، التفاصيل المكتوبة فى التحقيق الصحفى، الذى أجرته جريدة «الفجر» يشير إلى أن عقل مصر فى خطر، وأن مجتمعنا يعيش حالة دروشة دينية وهرتلة فكرية وسيطرة سلفية تجاوزت مرحلة الهلاوس والضلالات ومسامرات عنبر الخطرين بمراحل!!، إنها ملحمة عته ودراما غيبوبة ساهم فيها ورسخها الإعلام ببرامج ريهام سعيد ود.عمرو الليثى، التى كانا يستضيفان فيها الجن وضحاياه على الهواء مباشرة!!

ملحمة فيها الفلاح الغلبان وعضو البرلمان المنتخب وضابط الشرطة المحتاس وشيخ الأوقاف الضعيف والمحافظ المقتنع والسلفى المستفيد، جدارية تضم كل ألوان الرداءة الثقافية وظلال العفن الفكرى وملامح السرطان الذى ينخر فى فصوص مخ مصر ونخاعها الشوكى الذى افترسه فيروس الوهابية السحائى!!، التفاصيل كوميديا سوداء ومسخرة كحلى تصل إلى حد الرعب، أصابع الاتهام فى البداية أشارت إلى وزة اصطدمت بباب أول بيت احترق!، أما العمدة فى كفر الشيخ فأكد أن شاباً حضّر جناً ولكنه لم يستطع صرفه، وأن الجن غاضب من التنقيب عن الآثار فى القرية، وكأنه جن ماركة زاهى حواس، أو عفريت موظف فى هيئة الآثار!!

أما المعالج الروحانى الذى يسيطر على القرية ومستشارها فى عموم ديوان الحرايق ورئيس قلم الولعة، فقد أبلغ الأمن بأن السبب هو أعمال سفلية تمت عن طريق أشخاص نجسة، المهم أن الأمن قد تعامل بجدية مع هذا البلاغ الروحانى والآن يمشط المنطقة بحثاً عن الأعمال السفلية مصحوباً بأسلحة الليف الموجه ومفرقعات الصابون لتطهير وحموم الشخصيات النجسة!، أما أخطر مشاهد العبث الكوميدية فقد كان مشهد مطاردة السكان للكلاب التى يتلبسها الجن وتنفيذ الأوامر السلفية لدرء الأعمال السفلية برش الملح على جسد الكلب فيحترق!!، مجرد حرق لعلاج حرق أكبر من باب: «داونى بالتى كانت هى الداء»!!

 أما فى أسيوط فقد كانت المواجهة حاسمة وقوية والتخطيط كان عظيماً ويدعو للفخر، فقد استدعى عضو مجلس النواب أشهر «فكّاك أعمال سفلية» من المنيا خصيصاً لإطفاء الحرائق، ووزع عشرات من مشايخ السلفيين هناك كتيبات لمكافحة الجن بالقرآن!!

برغم كل تلك التحركات الرهيبة التى شملت توزيع الرقية الشرعية ورش الملح على كلاب البلد وتشغيل شرائط السديسى والحذيفى أثناء سرقة الآثار، برغم كل هذا الجهد الرهيب، فإن المسئولين فى المحافظتين لم يبحثوا قضية هامشية تافهة وهى أن أقرب وحدة مطافى على بعد عشرة كيلومترات، ولو وصلت عربية المطافى أصلاً لن تستطيع الدخول إلى تلك القرى من ضيق شوارعها وعشوائية أزقتها، وبدلاً من البحث العلمى عن أسباب تلك الحرائق، اخترنا الحل السهل المريح وعلقناها على شماعة الجن، نحن ما زلنا لم نبرح مقاعد زمن الحملة الفرنسية بعد حين كانت القنابل تنهمر على القاهرة والمشايخ يهرولون فى الشوارع صارخين بدعاء: «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف».

Print Friendly
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.