المثلية الجنسية في مجتمع منغلق

مؤمن سلاّم   

بعد أن سافر صديقنا إلى أوروبا بشهر أو اثنين فوجئنا به في أحد الأيام يكتب بوست على الفيسبوك باللغة الانجليزية يعلن فيه أنه مثلي الجنس وانه سيتفهم موقف الأصدقاء الذين سيقوموا بإلغاء الصداقة أو حتى عمل بلوك له، لكن هذا هو أنا كما قال.

الحقيقة هذا كان أكثر البوستات التي رأيتها على الفيسبوك تأثيرا في نفسي على مدار سنوات وخاصة وهو يعلن تفهمة لموقفنا إذا قطعنا علاقتنا به رغم سنوات الندوات المشتركة والقهوة والسجائر والشيشة، نقطع علاقتنا به لأنه مثلي الجنس. وبعد لحظات الحزن هذه جاءت ساعات الأسئلة. لماذا لم يخبرنا وهو في مصر وانتظر حتى سافر إلى أوروبا؟

هل كان يعتقد أننا مجموعة من مدعى الليبرالية والعلمانية، الذين سينسون كل قيم الليبرالية المتعلقة بالحرية الشخصية وقبول الأخر والتعايش وشعار أنت حر ما لم تضر بمجرد أن نعرف أن صديقنا مثلي الجنس؟ الحقيقة إذا كان هذا هو السبب فلا ألومة فما أكثر مدعى الليبرالية في مصر وقد رأيناهم رأى العين بعد انتفاضة 25 يناير 2011. رأينا ليبراليين يهاجمون العلمانية، وضد الحريات الشخصية، وأحزاب تقول أنها ليبرالية تنظم صلاة العيد، بل وصل الأمر إلي ليبرالية إسلامية بما لا يخالف شرع الله.

هل خاف إذا عرفت مجموعة أن ينتشر الأمر فتصل المعلومة إلى أحد حراس الفضيلة في مصر وما أكثرهم، فيكون السبب في قتله أو سجنة؟ ربما كان محق، فنحن مجتمع يعشق النميمة والحديث عن ما لا يخصة واستعراض المعلومات وادعاء المعرفة ببواطن الأمور ومعرفة ما لا يعرفة أحد، فقد تصبح مثليته مادة لأحدهم ليظهر نفسه بأنه شيخ حارة الليبراليين والعلمانيين ومجتمع المثقفين في الإسكندرية، ولأننا نعيش تحت حكم عسكري مستبد، فتجمعتنا لا تخلو من المخبرين والبصاصين وكتاب التقارير الذين يبيعون شرفهم لجهات أمنية تجيد الدفع، فيجد صديقنا نفسه مادة لأحد هذه التقارير، ترسل به وربما بأصدقاءة من المثليين إلى السجن ويتحولوا إلى مادة إخبارية تشغل الأمة المطحونة المقهورة عن فقرها وجهلها ومرضها.

ومخاطر إنتشار الخبر قد لا ينتهى عند حد النميمة أو الاعتقال فهناك من يسعون لفرض رؤيتهم الخاصة بالقيم والأخلاق الآتية من ظلمات القرون الوسطى، ترى في المثلية الجنسية جريمة أخلاقية ودينية وانحراف يجب بترة، وفي مجتمع مليء بالخطايا الأخلاقية ما بين رشوة وسرقة ومحباة وتحرش واغتصاب، يصبح الجهاد ضد المثلية الجنسية والحرية الجنسية وسيلة جيدة لتكفير ذنوب الفساد والنفاق، قد ترسل بصديقنا هذا إلى القبر وليس فقط إلى السجن.

هذا هو واقع مجتمعنا المنغلق الذي تربي على الوحدة والتوحد وعلى قلب رجل واحد، فاصبح كل مخالف شاذ يجب بترة والتخلص منه للحفاظ على المجتمع المصبوب في قالب واحد جامد، لا يعرف التنوع ولا التعدد.

مأساة  تعيشها أمتنا المصرية، فالمجتمع الذي لا يؤمن بالتعدد والاختلاف والتعايش وقبول الأخر، لا بد أن يفقد ثراءة، وبالتالي قدرته على الحركة والنمو، فيظل ساكنا متعفنا فتتطور الأمم وتتقدم، بينما يظل هذا المجتمع محلك سر.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.