!الذكرى العشرون لخضوع هونج كونج للديكتاتوريّة الصينيّة

رعد الحافظ  

مقدمة:

هونج كونج مِثالٌ واضح على كون ما سُميّ بـ (الإستعمار)، هو في حقيقة الأمر ليس سوى (بناء ونهوض وإعمار) للبلاد البائسة التي طالها!

هونج كونج مدينة صغيرة (مساحتها أكثر قليلاً من ألف كيلومتر مربع).

خلال (حرب الأفيون الأولى) التي إنتهت عام 1842، والتي كان الغرض منها السيطرة على تجارة هذه المادة المزروعة في الصين، خضعت هذهِ المدينة للإمبراطورية البريطانيّة المُنتصرة في تلك الحرب!

حدثَ ذلك بعد توقيع إتفاقيّة (نان جنج 1842)، في وقتٍ كان الإسطول البريطاني على أبواب بكين البحريّة!

لكن في عام 1984 تمّ توقيع (إعلان) إتفاق في پكين، تُسلّم فيه بريطانيا تلك المستعمرة الصغيرة الى بلدها الأمّ الصين بعد 13 عام يعني 1997.

يومها رئيسة الوزراء (مارغريت تاتشر) وقعّت عن الجانب البريطاني!

من شروط ذلك الإعلان أنّ الوضع سوف يسري لمدّة 50 عام فقط!

وأنّ هونج كونج ستكون منطقة إداريّة خاصة!

وقد أعطت الصين يومها ضمانات بأنّ الجزيرة ستتمتع بدرجة عالية من الإستقلاليّة والحكم الذاتي، بإستثناء الشؤون الخارجيّة والدفاعيّة!

كان مبدأ (صين واحدة ونظامان مختلفان) من ضمن مايعنيه، بأنّ هونج كونج ستستمر بنظامها الإقتصادي الرأسمالي، وسوف يتمتع شعبها بكامل الحقوق والحريّات السائدة يومها هناك!

اليوم يبلغ تعداد نفوس هونج كونج زهاء سبعة ملايين، مايجعلها البقعة الأكثف سكاناً على ظهر الكوكب!

في الواقع لم يكن لهذه المدينة أيّ شأن يُذكر قبل خضوعها للبريطانيين حتى أنّها كانت تعتبر مجرد (قرية صغيرة للصيد)!

إستمر تواجد الإنكليز فيها قرابة (155 عام) من 1842 الى 1997 !

عندما تركوها، كانت هونج كونج تقريباً أغنى وأثرى مقاطعة (ميناء) في العالَم بأعتراف الجميع، بما فيهم أدعياء الوطنيّة الأنذال!

كيف نهضَ الإنكليز بهذه المدينة؟

أعلم (وقد كتبتُ عن ذلك) بأنّ الإرتقاء العمراني وحده لا يعني الإرتقاء الحضاري لبلدٍ أو شعبٍ ما !

لأنّه لو صحّ ذلك لأعتبرنا إمارة دُبي (البدويّة)، هي الأرقى حضاريّاً، بينما هم مازالوا يشجعون على شرب بول البعير لعلاج بعض أمراضهم!

لكن بخصوص هونج كونج ( ذات الألف ناطحة سحاب) يكفي القول أنّها غدت مركز إقتصادي عالمي بارز من خلال قطاع البنوك فيها وإنخفاض قيمة الضرائب الى أدنى مستوى معروف في العالَم الحُرّ!

وبسبب تطوّر شبكة المواصلات فيها الى درجة كبيرة، فإنّ 90% من ناسها يستخدمون النقل العام!

وهي تحتل مراتب عالميّة متقدمة في الحريّة الإقتصادية ومكافحة الفساد والتنميّة البشرية وجودة الحياة (الرفاهيّة يعني)! 

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة ومنظمة الزراعة والأغذية العالميّة، فإنّ متوسط عمر الإنسان في هونج كونج هو الأعلى في العالَم!

أرقام ومستويات خرافيّة كثيرة لا يتسع المجال لذكرها,كلّها حدثت بسبب الديمقراطيّة الغربيّة والحُكم الرشيد ومراعاة حقوق الإنسان!

***

لماذا يريد شعبها العودة الى حكم البريطانيين؟

لأنّه ببساطة وبعد (20عام من رحيل الإدارة البريطانيّة) فإنّ العالَم أجمع يشاهد ويسمع اليوم أخبار تلك الجزيرة، والتراجع الحاصل في مختلف الأصعدة، خصوصاً في مجال الحريّات السياسيّة، المتمثلة في المطاردات الحكوميّة للنشطاء المناهضين للصين والمطالبين بالإستقلال عنها،

كالحركة المعروفة بـ (إحتلال وسط هونج كونج) و(حزب ديموسيستو)!

الآلاف من الشباب هاجروا الى الغرب بحثاً عن مستقبل وملاذٍ آمن!

العديد منهم يُطالبون اليوم بعودة الحكم البريطاني الى بلدهم الصغير!

ورغم كون الجزيرة تتمتع بحكم (شبه ذاتي) وفيها من الحريات ما لايتوفر في الصين الأمّ، إنّما هذا الوضع لا يُقارن بما كان عليه أيام حكم الإنكليز!

ومؤخراً حذّرَ رئيس السلطة التنفيذية (كونغ ليونغ) الموالي بالطبع للصين المتظاهرينَ بأنّ مدينتهم ستخسر فرص وإستثمارات ووظائف إذا هُم إستمروا في سعيهم للاستقلال .كما عرضَ صورة قاتمة للإقتصاد بدون دعم الصين . الرابط أدناه!

***

الخلاصة:

بالمناسبة كانت لدى الإنكليز فكرة (ربّما مازالت قائمة لو تسنح الظروف) بأنّ يكون ميناء عدن اليمني الجنوبي، نسخة طبق الأصل لهونج كونج!

حتى البصرة العراقيّة كانوا يفكرون لها بمثل هذا السيناريو، وكثير من المدن العربيّة الأخرى!

لكن العامل المؤثر هنا المتمثّل في إختلاف الثقافتين (الصينيّة والعربيّة) وقبول الناس ورغبتهم وإستعدادهم للتغيير والتطوير هو الذي يحسم الأمور في النهاية!

مثال آخر واضح ومن منطقة الشرق الأوسط بالذات هو إسرائيل!

فرغم ظروفها السياسيّة كونها محاطة من جميع الجهات بأعداء يريدون زوالها، لكنّها رغم إنوفنا متقدمة على جميع الدول العربيّة في كلّ شيء من التطوّر الصناعي والتكنلوجي (تصدّر تكنلوجيا متقدمة حتى الى الولايات المتحدة)، الى باقي مجالات الحياة، بما فيها كرة القدم!

السبب هو ذاته تقريباً / الديمقراطية وثقافة العلم والعمل!

في الواقع أنا لا أؤمن بأنّ للناس في مختلف بقاع الأرض قدرات متساوية فهذا واضح لكل مُنصف,وإنكاره مجرّد مزايدة وتلاعب!

لكنّي أؤمن بضرورة حصول الجميع على العدالة والمساواة (النسبيّة)!

بالطبع هذا لن يحصل دون الإنفتاح على الآخر وقبوله، كي يساعدنا على النهوض المأمول!

***

رابط / الرئيس التنفيذي لهونج كونج

http://www.ssnp.info/index.php?article=110871

رعد الحافظ

25 مارس 2017

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in World History دول وشعوب, رعد الحافظ and tagged , , , , . Bookmark the permalink.