إشكالية الخلافة الإسلامية

محمود خاطر   

إنني أحد هؤلاء الذين لا يخالطهم الشك في أن أي إشكالية تاريخية يجب تقييمها في إطار الزمن التي وقعت فيه، ومن المنظور الثقافي للزمن المعاصر لتلك الإشكالية.

وإشكالية تاريخية كبيرة كالخلافة الإسلامية يجب أن نتناولها بمنظورين الأول بمنظور تاريخي،والثاني بمنظور معاصر كأطروحة لحل ما يسميه البعض “مشاكل الأمة “. وحقيقة فإن التناول التاريخي للخلافة الإسلامية يحملنا على التصالح معها إلى الحد الأقصى،ذلك أن سمة السياسة الدولية في العصور الوسطى كانت القوة التوسوعية، فلم يكن أمام أي دولة ثمة خيار ثالث،فهي إما أن تكون دولة آكلة لا يفت الزهد عضد قوتها، وإما أن تكون دولة منسحقة، بل ألا تكون بالكلية.

كما أن طبيعة الشعوب في ذلك الوقت تحملنا على تثبيت ذلك الرأي، ففكرة القومية لم تكن متبلورة على الإطلاق في أذهان الناس في ذلك الوقت، بل كانت  الأممية الدينية هي الثقافة الحاكمة المسيطرة على عقول الشعوب كافة، فكانت الشعوب في يد المنتصر كالميت في يد مكفنه مادام -هذا المنتصر- كان على ملة الشعب، ويحكم فيهم بالشريعة التي يرتضونها، فالشعب المصري مثلا في العصور الوسطى لم يكن لديه ما يمنع أن يحكمه أي شخص أجنبي ما دام كان ذلك الشخص يدين بدين الإسلام، وحتى في المرات القليلة التي استطاع فيها الشعب انتزاع حق اختيار الوالي، لم يقع اختيارهم على حاكم مصري بل مالت بوصلتهم باتجاه الألباني محمد علي.وربما يستبد التعجب  بالبعض إن قلنا أن تلك النظرة الأممية ظلت مستمرة في مصر حتى بدايات القرن العشرين فمصطفى كامل، قد نظر للدولة العثمانية باعتبارها الدولة صاحبة الحق في حكم مصر.

فالمجمل أن الخلافة الإسلامية كإشكالية تاريخية يجب تقبلها، وتناولها بالبحث التاريخي كما نتناول الإمبراطوريات المتعددة التي قامت عبر التاريخ، أما تقديمها اليوم باعتبارها إطروحة لحل المشكلات، فهو سير نحو الانتحار، بل الجنون. وإنه ليخز في قلبي شوكة من ألم أن البعض يقدم فكرة الخلافة اليوم كنموذج للحكم السياسي الرشيد! كأنهم قد تعاموا عن معطيات الواقع، وأن العالم اليوم قد تطور باتجاه الدول القومية الحديثة، وأنه وفقا لأدبيات القرن الحالي  فإن الاعتداء على الغير بقوة السلاح ونهب ما في أيديهم، وخطف أولادهم،ونسائهم تحت مسمي الغنائم لهي همجية وبربرية غير مبررة،حتى وإن كان هذا الاعتداء تعلوه مظلة “التحجج بنشر القيم السامية “. هل غاب عن تلك -الشراذم الداعية لعودة الخلافة – أنه في القرن الحالي يوجد ملايين الطرق -غير الطرق المسلحة- يمكن من خلالها نشر “قيمهم السامية”، واننا إن اتخذنا من السلاح وسيلة لنشر ما نعتقد أنه “قيم سامية ” سيدخل العالم في دوامة صراع لا تنتهي إذ أننا نعيش أصلاً على بركة من الدوجماطيقية..؟.

إن تقديم الخلافة باعتبارها النموذج المثالي للحكم الرشيد في القرن الحالي، جهل بالتاريخ، وكفر بأساسيات العقل والمنطق. ثم أن المناداة بعودة الخلافة والخليفة لهي ردة حضارية، إذ أن الخلافة حكم ديني قد تخلصت منه البشرية، وبدأت في عصر جديد يقوم على الليبرالية والديمقراطية، والحكم الديني -نعرف جميعا – أنه حكم استبدادي عنصري إذ أنه يناهض بشكل مباشر فكرة المواطنة ، و يقوم على الفصل العنصري بين المواطنين على أساس الدين.

إن مشكلة هؤلاء الذين أصدعوا رؤوسنا بضرورة عودة الخلافة أن أجسامهم تعيش معنا، أما عقولهم فقد تحجرت عند القرن العاشر الميلادي رافضة أن تنخرط مع السير البشري تجاه الحداثة. وياليتهم قد أعملوا عقولهم وقتما تحجرت، فإن أعملوها لوجدوا أن التاريخ الخلافي -في كثير من أيامه-  قد خلى من فترات الحكم المثالية التي يتصورونها، فحتى في أيام خلافة التابعين -رضوان الله عليهم – لم تكن الحياة ملونة باللون الوردي بل كانت -في بعض أيامها- ملونة باللون الأحمر المخضب بالدماء الناتج عن الصراع السياسي على السلطة! ثم إننا لابد لنا وأن نتسائل. أي نوع من الخلافة يمكن وصفه بأنه حكم رشيد يجب عودته..؟ هل  تمثل في عصر الخلافة العباسية التي كانت دموية بامتياز، أم في الخلافة الأموية التي أكل المجون والعنف قدرا ليس بالقليل من عمرها، أم أن تخلف ورجعية الخلافة العثمانية المتطفلة قد استلبت عقولهم..؟.

إن الخاسر الأعظم من المناداة بعودة الخلافة الإسلامية الآن هو الإسلام ذاته إذ أن الإسلام قد ابتلي بلصوص للحضارة اعتمدوا التجهيل العمدي لبعض الشباب بإلباس الباطل ثوب الحق فخلطوا المفاهيم،وقطفوا بعض المصطلحات من جذورها لتقديمها للشباب كأنها النموذج المضاد للخلافة، فقدموا القومية على أنها “نتانة”، وصوروا الديمقراطية بأنها “كفر “. فافتتن بهم ثلة من بعض الشباب ممسوخي الهوية فحمل كل منهم سلاحه منخرطا في صفوف الجماعات الجهادية رافعا راية قيل أنها راية الإسلام للقيام بنسخ تاريخي لما يعتقد انه نموذج مثالي للحكم، فمشوا بين الناس بالقتل والذبح، و كلفوا الإسلام فاتورة دماء هو برئ من ثمنها.

ولا شك أن لصوص الحضارة هؤلاء قد انتصروا على الدولة في معركة الهوية هذا إن كانت الدولة خلال العقود الماضية قد خاضت المعركة أصلا. ونتيجة لانتصار هؤلاء اللصوص في تلك المعركة أصبح لدينا حفنة من شباب المصريين اليوم – أو كما تصفهم الأوراق الرسمية بذلك- قد نبذوا قوميتهم،ووضعوها تحت أقدامهم، وبات كل منهم يحلم بعودة الخلافة،فكأن حلمهم هو أن تُحكم بلادهم من خارج أراضيها، وتصير دولة ممسوخة الهوية، وتتقزم إلى أن تصبح ترسا صغيرا يدور في آلة الاندماج الكبرى، فتبدو دولة باهتة، كالألوان الثانوية في خلفية اللوحة. 

ولقد لعبت البروبجندا الدرامية والأحداث السياسية الحالية الدور الأبرز في كون الخلافة العثمانية التركية هي قبلة لبعض من شباب المصريين الذين أصموا أذننا بالصراخ والعويل رثاءا لذكراها،وتقديسا لرموزها، بل ويحلم كل منهم بأن تنهض-الدولة العثمانية- من تابوتها العفن لتحكم بلادهم من جديد! وهم بذلك قد قزموا الذات المصرية لصالح نظيرتها التركية، وتمادوا في إهانة كبرياء بلادهم شر إهانة!

وإننا إن وضعنا نفسية هؤلاء الشباب تحت مشرط التشريح، لابد وأن يحتار المشرط،ويفقد بوصلته متأرجحا ما بين الغضب منهم، والشفقة عليهم. فهم أهل للشفقة والسخط في آن واحد، شفقة لأنهم جهلاء قد احترفوا التسول التاريخي من دولة لا يقارن تاريخها بتاريخ وطنهم الأم، وهم في ذلك كالذي يجلس على منجم ذهب ويتسول بضعة سنتات من رجل بخيل رث الهيئة. وغضب منهم لأنهم أذلاء قد فضلوا أوطانا أخرى على وطنهم الأم،ولا عذر لهم في ذلك، لأن وطنهم قد نال من التاريخ،والأنفة،والكبرياء ما لم ينله أي وطن آخر على مدار التاريخ الإنساني.

قلت لنفسي ربما لأن هؤلاء الشباب مازالوا في الحالة الطبيعية -وهي الحالة التي سبقت تحضر الإنسان والتي تحدث عنها توماس هوبز-  فإن انجذابهم للتاريخ التركي على حساب المصري،يمكن تفهمه ذلك أنهم لا يحترموا  سوى لغة العنف والقوة التي امتازت بها الدولة العثمانية،وربما قد اعتقدوا-خطأ- أن الحضارة المصرية كانت حضارة ضعيفة لم تمتاز سوى في الفن،والهندسة،والطب وغيرها من الأمور التي لم تمس طبيعتهم الحيوانية،فاعتقدوا أن مصر قد فاتها أن تحجز لنفسها مقعدا بين الإمبراطوريات التاريخية. لكن هذا أيضا لا يمكن أن يكون المبرر كي يصبح هؤلاء بهذا الذل الذي هم عليه الآن، فالحضارة المصرية كانت حضارة قوية بل امتلكت في وقت من الأوقات أقوى جيوش الأرض في العالم القديم،وخاضت به معارك،وحملات عدة تحت قيادة ملوك عظام،كالملك تحتمس الثالث الذي بلغت حملاته العسكرية  17 حملة لم يهزم في واحدة منهم، مؤسسا بذلك إمبراطورية ثقيلة في غرب أسيا، فإن كان هؤلاء لا تجتذبهم سوى لغة القوة والسلاح فكان أولى بهم أن يقدسوا رمسيس الثاني،وسنوسرت الثالث،وتحتمس الثالث بدلا من أرطغرل وأذنابه.

لكنني عدت ألتمس لهؤلاء العذر فقلت ربما قد طغت في قلوبهم المشاعر الدينية على حساب الوطنية فكان ذلك هو الحاجز بينهم وبين الإنصهار في قومية بلدهم، لكنه سرعان ما اجترف ذلك العذر تاريخ مصر الإسلامي،وما قدمته مصر للإسلام والمسلمين. ثم جاء محمد علي باشا وأضاف إلى الأسئلة الصعبة سؤلا إضافيا مرهقا. فإن كان هؤلاء لا يقدسوا إلا القوة العسكرية الإسلامية فلماذا لم يقدسوا محمد علي- الذي أسس قوة إسلامية قوية من المصريين- من باب أنه لما وجد أن الدولة العثمانية قد أصبحت عبئا على الإسلام سير تلك “القوة الإسلامية” التي كونها من المصريين لإسقاط تلك الدولة الوهنة، خاصة أن الدولة العثمانية قد ثبت خيانتها “للمسلمين” المصريين،واتحدت مع “الفرنجة” من الفرنسيين،والأنجليز،والروس ضد مصر ” الإسلامية “،وانخرطت معهم في فرض الحصار الاقتصادي على مصر؟! فلماذا لم يقدس هؤلاء محمد علي باعتباره مجددا لمجد الإسلام خاصة أنه -وبالتأكيد- قد صبغ على حملاته العسكرية نفس الطابع الديني الذي صبغت به الدولة العثمانية حملاتها العسكرية..؟.

كان محمد علي دمويا كالخلافة العثمانية بل وأذل جيوش الدولة العثمانية في معارك عدة، وهزمهم في معركة نزيب شر هزيمة، وأخذ منهم دول الشام عنوة، وامتدت إمبراطوريته “الإسلامية” شمالا حتي حدود الدولة العثمانية نفسها،وكان على وشك إسقاط استنبول على رؤوس ساكنيها. وامتلك بذلك كل المؤهلات التي تجعله يتربع في قلوب هؤلاء المصريين الحالمين بعودة الخلافة العثمانية،لكنه كان ينقصه شيئا واحدا وهو أنه قد خرج من مصر حاملا لواء الإسلام من مصر معتمدا على عسكر مصر،وأطباء مصر،ومهندسي مصر،ومترجمي مصر، وتلك الشرذمة قد أقسمت ألا تنحاز للوطن أبدا في أي شئ،وأن ترفض كل ما وسم بالختم المصري؛ فالشخص الذي أسمى أمانيه أن تعود بلاده ولاية تابعة تحكم من خارج أراضيها لا يطيق أبدا أن يرى بلاده تنتصر في أي معركة حتى ولو كانت معركة تاريخية. هم -كما قال جيفارا- كالذي يسرق من بيت والده ليعطي اللصوص فلا اللصوص شكروه ولا والده قد رضي عنه.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية, محمود خاطر and tagged , , . Bookmark the permalink.