ويسألونك عن الديمقراطية

احمد خير الله  

إن تاريخ الفكر السياسي يعرف التمييز الشهير الذي اقترحه البارون مونتيسكيو، إذ قال بوجود ثلاثة أنظمة هي: الملكية، الجمهورية، والاستبدادي وفى العصر الحديث تُميز العلوم السياسية بشكل واضح بين ثلاث مجموعات من الأنظمة السياسية الديمقراطية التعددية، الأنظمة السلطوية، والأنظمة التوتاليتارية. وإذا ما توقفنا عند المبادىء العامة فإن الديمقراطية تريد ان تكون نظام الشعب عن طريق الانتخابات، لكنها لا تكفي لإطلاق صفة الديمقراطية على النظام، فالأنظمة التوتاليتارية والسلطوية تحسن ايضاً تنظيم الانتخابات، سواء مع مرشح واحد، وبرعاية رسمية وإذا اقتضى الأمر بالتلاعب بالتصويت. 

ويفترض النظام الديمقراطي الفعلي العديد من الشروط:

تعددية الاحزاب، حرية الصحافة، الفصل بين السلطات القضائية والتنفيذية والتشريعية، وجود معارضة سياسية تتمثل في نقابات واحزاب وجماعات ضغط اخرى، بالإضافة لمناخ سياسى يكفل حرية التعبير السياسى للمواطنين. 

أما بالنسبة للأنظمة التوتاليتارية، فهو يستخدم للإشارة إلى الأنظمة الجديدة التى ظهرت فى القرن العشرين: النازية والشيوعية. وهي انظمة لا تتميز بدكتاتورية الحزب وحسب، بل باحتكار كل وسائل السلطة الايديولوجية والعسكرية.

قد يكون التعارض بين الديمقراطية والتوتاليتارية واضحاً، إذ أن التحليل قد تمحور حول نظامين تواجها وجهاً لوجه في القرن العشرين. إلا أنه يوجد بين هذين النقيضين سلسلة من الأنظمة الوسيطة التى قامت بشكل خاص فى بلدان العالم الثالث، وافريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. والتي فيها تنوعاً كبيراً لأشكال السلطة.

الدكتاتورية العسكرية: حيث يحتكر الجيش السلطة.

أنظمة الحزب الواحد: الجزائر مع جبهة التحرير الوطنية من 1962 حتى التسعينات. المكسيك مع الحزب الثوري الذي تولى السلطة من العام 1930 حتى العام 2000.

الملكيات المتوارثة: حيث تعتبر الدولة ملكاً شخصياً لأسرة أو لقبيلة يقودها قائد دكتاتوري: الفلبين فى ظل حكم فردينان ماركس من 1972 إلى 1986، كذلك الملكيات في بلدان الخليج.

الأوليغاركيات الزبائنية: مثل نظام Caudillosفي أمريكا اللاتينية (فرنسوا دوفالييه في هايتي) ، أو تلك التي تتمثل بتملك الأسرة الكبيرة لسلطة الدولة ، والأراضي والصناعات الأساسية . انها انظمة تدير الأعمال بطريقة زبائنية.

القيصرية البونابرتية: هى شكل من أشكال الدكتاتورية المتنورة، حيث يقوم نظام سياسى قوى، وطنى أو شديد القومية بتحفيز التطور الاقتصادي، ينطبق ذلك على ألمانيا أيام بسمارك، ونظام نابليون الثالث ونظام مصطفى كمال فى تركيا.

الأنظمة الشعبوية: وهي تزاوج بين النظام السلطوى مع تأييد شعبى كبير تجاه قائد كاريزماتى.

الأنظمة الفاشية: من أمثلتها بنيتو موسيليني في ايطاليا، فرنسيسكو فرانكو باهامونو فى اسبانيا، وفيها يكون التحالف بين الديكتاتورية العسكرية، وعبادة الشخصية والتأييد الشعبي.

وقد تمثلت الأنظمة الدكتاتورية في القرن العشرين فى الأشكال السياسية السابقة، بالأضافة إلى عدد من الاشكال الوسطية أو الهجينة الىتى استندت إلى أدوات السلطة الكلاسيكية: القمع، الايديولوجيات، الاقتصاد، والالتحام بالجماهير أحياناً.

الديمقراطية في مفهومها العام هي حكم الشعب للشعب، كذلك فإن اشتقاق الكلمة من أصلها اليوناني لا يدل على خلاف ذلك (شعب =Demos، السلطة = Kratos) أما الممارسة التطبيقية لهذا المصطلح فإن سويسرا وحدها تقترب منه بالممارسة المنتظمة من خلال الاستفتاءات المنتظمة. أما الشكل السائد للديمقراطية الذي فرض نفسه منذ القرن الثامن عشر فهو الديمقراطية التمثيلية، وهو معمول به في الولايات المتحدة وأوروبا. حيث ينتخب الشعب من ينوب عنهم ليمثلوا مصالح ناخبيهم. وقد فرض التقليد الطويل عند الفلاسفة من أرسطو إلى روسو الحكم على الانتخاب بأنه ممارسة ديمقراطية.

الا ان هناك عدة انتقادات توجه إلى الديمقراطية التمثيلية من حيث قدرتها على تمثيل الرأي العام بأمانة. فالامتناع عن التصويت، وأزمة الثقة تجاه الطاقم السياسى وضعف الاحزاب، كلها علامات تدل على وجود أزمة في النموذج الديمقراطي.

مع نهاية القرن العشرين تجاوز استعمال كلمة الديمقراطية نطاق الحقل السياسى ليصل إلى حقل العلوم الاجتماعية بشكل خاص. حالياً يمكن للديمقراطية أن تتدخل في نطاق المنظمات والمؤسسات، وذلك عندما نتحدث عن الديمقراطية في المدرسة، والديمقراطية العائلية، وعن الديمقراطية في المؤسسات أيضاً. وهي منظورات أكثر توسع لمفهوم الديمقراطية.

وإذا تناولنا الجمهورية فهى من العصور القديمة وحتى العصر الحديث مازلنا نشهد تطور معناها، ففي القرن الثامن عشر اعتبرت الجمهورية نظاماً عكس الملكية المطلقة. مع الفدرالية الأمريكية تميزت الجمهورية بإدخال نظام التمثيل. وقد كتب جيمس ماديسون فى الديمقراطية قائلاً: يتجمع الشعب ويحكم نفسه بنفسه “في الجمهورية يتجمع ويحكم بواسطة الممثلين والعملاء”  

لما كان تركيز السلطة في يد فرد واحد أو هيئة حاكمة واحدة يشكل خطراً كبيراً على حريات المواطنين، حيث يشجع الحاكم أو الهيئة الحاكمة على الاستبداد والطغيان، لذلك كان لابد من توزيع السلطة بين هيئات مختلفة لتكون كل منها رقيبة على الأخرى بما يحول دون خروجهم على حدود وظيفتهم، كما يحول دون استبدادها فيما تملكه من اختصاصات.

ولقد لعبت الدعوة إلى الديمقراطية فى العصور الحديثة دوراً كبيراً فى انتشار مبدأ الفصل بين السلطات وتأكيده، إذ أن الاعتراف للشعب بحقه فى السلطة قد أدى إلى ضرورة قيام هيئات تمثله وتشارك الملوك في الحكم باسم الشعب ونيابة عنه، وهو الأمر الذي أدى إلى تعدد الهيئات الحاكمة وتوزيع السلطة بينها بعد أن كانت مركزه فى شخص الملك.

لكنه لا يكفي تعدد الهيئات الحاكمة للقول بوجود نظام ديمقراطي، يكفل للمحكومين حرياتهم وحقوقهم، وانما يتعين ان تكون ممارسة السلطة شركة بين الهيئات بحيث لا يكون لأية هيئة القدرة على التصرف بصفة منفردة، كذلك إذا حدث واستقلت كل هيئة باختصاصاتها فإنه يتوقع حدوث الاستبداد، ومن ثم يجب أن توجه هذه الهيئات نحو ممارسة اختصاصاتها بالإتفاق فيما بينها. وإلى منع كل منها من التصرف منفردة. فبرغم أن كل هيئة تمارس وظيفة معينة حيث هناك هيئة تنفيذية وأخرى تمارس وظيفة تشريعية وثالثة تتولى الوظيفة القضائية، إلا أنه يتحقق بينها نوع من التعاون والرقابة المتبادلة بما يكفل مساواه الجميع أمام حكم القانون وتحقيق الحرية والعدالة، وضمان حريات الأفراد وحمايتها من عسف السلطات الثلاث فى الدولة. 

وتختلف الدساتير فى الدول فى قدر الصلاحيات التى تمنحها لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية. وبالتالي جرى الفقه على التمييز بين ثلاث صور من الأنظمة السياسية النيابية على أساس التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. وهي:

النظام البرلماني – النظامالرئاسي –  نظام الحكومة الجمعية النيابية

الغريب أن نجد في مصر والعالم العربي من يتحدث عن تجارب ديمقراطية، فهناك من يتحدث عن تجربة الملكية باعتبارها تجربة ديمقراطية قضت عليها حركة الجيش في 1952

وهناك من يعتبر التجربة الناصرية تجربة ديمقراطية ثم السادات ومبارك الذي ارسى نظام الديمقراطية الاجرائية

بل أن هناك من وصل به الحال أن يطلق على تجربة الاخوان في مصر تجربة ديمقراطية وكان يجب ان تكتمل

ثم يأتي من يتحدث الآن عن تجربة السيسي بإعتباره رئيس وصل الى الحكم بالصندوق وعلينا ايضا التمسك بالديمقراطية

واخرون يعتبرون ان اردوغان في تركيا رئيس جاء بالديمقراطية في ظل مساعي اردوغان للانقلاب على كافة مبادئ الديمقراطية وارساء حكم الفرد

فعن اي ديمقراطية تتحدثون وتتساءلون! 

فالديمقراطية التي نعرفها جميعا هي وسيلة الاستحواذ على السلطة وليست الممارسة الديمقراطية للسلطة 

غير أننا كشعوب لم نؤهل ثقافيا للممارسة الديمقراطية 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, أحمد خير الله and tagged , , , . Bookmark the permalink.