الداروينية فى مصر منذ أوائل القرن العشرين

طلعت رضوان  

حرص صابر نايل فى كتابه (العلمانية فى مصر:1900- 1950) الصادرعن مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان- عام1997) أنْ يفرد فصلا عن الداروينية وكيف استقبلها المثقفون فى ذاك الوقت، بعد تخلــّــصتْ مصر(نسبيـًـا) من عصورالظلمات. 

وفى بداية هذا الفصل أشارإلى الكاتب (صبحى وحيدة) وأهمية كتابه (فى أصول المسألة المصرية) ونقل عنه ((لقد خاض المجتمع المصرى وتياراته المستنيرة شوطــًـا كبيرًا من أجل تعميم النظرة العلمية واستىخدام المهج العلمى فى البحث، فقد كان المجتمع المصرى (قبل ذلك) يعتمد على عقلية التواكل، وتغليب الحياة الأخرى على الحياة الدنيا، وانتظارالمعجزات، وما يتبع ذلك من تقاعس فى السعى فى طلب الرزق والعلم والارتقاء. 

وبعد هذا المدخل تكلم صابرنايل عن المفكراللبنانى (شبلى شميل 1850- 1917) الذى عاش أغلب أيام حياته الثقافية فى مصر. وكتب كثيرًا عن استحالة التوفيق بين الدين والعلم، ليس لأنّ ((هذه الاستحالة مخالفة للآراء الغالبة بين الناس فى أصل الإنسان وحقيقته فى الوجود (فقط) وإنما لأنّ الاعتقاد القديم أنّ أصل الإنسان ما قررته الأديان، وليس ما قرره العلم اليوم، حيث أثبتتْ الأبحاث والدراسات والتجارب الحديثة أنّ الإنسان كسائرالكائنات الحية، ليس فيه شىء غريب عنها، لافى مواده (العضوية) ولافى قواه، فصارت الأفكارالدينية القديمة غير صالحة لأنْ تكون نتيجة لازمة للعلم، وصارالتوفيق بينها وبينه غيرميسورلها بالعلوم العقلية الفلسفية، وغيرها من علوم الكلام كما كان فى الزمن القديم ، ومهما بذل من الجهد اليوم فى ذلك فإنّ العلوم الطبيعية تنفيه)) 

وذكر إسماعيل مظهر أنّ شبلى شميل ليس بصاحب مدرسة حديثة ولاهو برأس فكر جديد، انتشرفى الشرق وذاع، ولكنه أول ناقل للرأى المادى الحديث إلى اللغة العربية، كما أنه فيلسوف نظرإلى العالم من ناحية ارتضاها وسكنتْ إليها نفسه، راسخ العقيدة فى مذهب اعتنقه. 

ورأى مظهر أنّ هذه المادية فى فكرشميل قد طبقها، ليس فى مجال العلوم الطبيعية (فقط) بل فى النظم الاجتماعية التى انتقد مساوئها ، وأرد أنْ يرد الشرائع إلى الأصول الطبيعية الخاصة بكل أمة، وبناءً على ذلك انتقد الأدب العربى والشعرالعربى ومبادىء الأديان، وأنكرأنّ حكيمًـا عاقلا أزليـًـا يحكم العالم، وقال ((إنى لم أتعمد فى دراساتى نفى الأديان لغرض فى النفس، أو برأى فلسفى خاص، إنما التزمتُ جانب العلم الطبيعى قليل الانتشاراليوم، لاعلم الجدل النظرى الذى يمكن أنْ يطرحه أى مفكر)) وكان شميل يتمنى أنْ يأتى يوم على البشرية، فيسود العلم ويحل محل الدين، وكان يجهربعدم اعترافه بالأديان، و(إيمانه) بالعلم. وحاول أنْ يتعرّف على رأى جمال الدين الإيرانى (الشهيربالأفغانى) (عن وجود الله) وموقفه من العلم كتيارمناوىء للدين فسأله: أين الدليل على وجود الله؟ فلما تكلم (الأفغانى) ذكرقواعد كلامية فى استحالة الترجيح بغيرمرجح، ولم أفهم شيئــًـا من كلامه. فعلمتُ أنه لايستطيع أنْ يـُـقيم برهانــًـا (علميـًا) 

أما سلامة موسى فقد عاد من باريس عام1909 فوجد أنّ الاهتمام بالدين أعمق وأكبرمن الوعى القومى أوالوطنى، سواء بين المسيحيين أوالمسلمين فكتب (وأحسستُ عندئذ مقصد آخرهوضرورة مكافحة الغيبييات بنشرنظرية التطورحتى تأخذ بيئة العلم مكانتها، وعندئذ يجد الشباب وعيـًـا جديدًا هوالوعى بالعلوم المادية، الذى يساوى بين أبناء الأمة، بل بين أبناء البشر، ويدعوإلى الوفاق بدلامن الشقاق (المقتطف- ديسمبر1910) 

وكان من رأيى صابر نايل أنّ اندفاع سلامة موسى نحو الفلسفة المادية والعلوم الطبيعية، دفعه لعدم الإيمان بالأديان ((فكان سلامة موسى ملحدًا، وهوامتداد للتيارات الالحادية، التى لعبتْ دورًا تقدميـًـا (سياسيـًـا) شديد التقدمية فى تحطيمه العلاقات الإقطاعية ونظام الملكية المطلقة. وبذلك يكشف استغلال النظام القديم للدين استغلالا سياسيـًـا واجتماعيـًـا، وهذه النزعة العلمانية التى أكــّـدها سلامة موسى فى مقدمة كتابه (السوبرمان) كانت تعنى بالأساس إطلاق المدارس والحكومات من القيود الدينية، فالناس فى القرن الماضى أخذوا يـُـميزون بين ما يقوله الدين، وبين ما يقوله العلم، واستقر رأيهم على ما يقوله العلم، وأنه الأرجح من الدين، وانتبهوا إلى ذلك فأقرّتْ الدول (المتقدمة) التعليم العلمانى بالمدارس والجامعات، وصارالتلاميذ يتعلمون الجيولوجيا بدلامن (سفرالتكوين) وانفصلتْ بعض الحكومات عن الدين وصارتْ هى أيضـًـا علمانية)) (مقدمة السوبرمان) التى كتبها سلامة موسى عام1910- ص12. 

وكتب سلامة موسى مقالا فى المجلة الجديدة (يوليو1930) بعنوان (الأزمة الدينية فى العالم) ذكرفيه أنه قد شاعتْ فى أيامنا الروح العلمية المادية، فى أنحاء العالم المتمدن، فصار نظرالناس علميـًـا، ولايصـدّقون الروايات التى جاءتْ فى الكتب (المقدسة) وزادهم العلم ثقة بالنفس، فلم يعودوا يشعرون بالحاجة إلى الاعتماد (على قوى ما وراء الطبيعة) وكان من رأى صابرنايل أنّ سلامة موسى انطلق إلى (تأليف دين جديد) هو(دين البشرية) وردّ على المتدينين الذين هاجموه المعترضين على (دين البشرية) بأنّ عليهم إثبات (وجود الله) وكتب أنّ الكتب (المقدسة) هى فى نظر(البشريين) من الأعمال الإنسانية، التى لاتختلف عن كتب الأدب، وهى فى تطورها من (كتاب الموتى) الذى ألفه المصريون القدماء (يقصد كتاب الخروج إلى النهار) إلى أحدثها وأسماها فكرًا، تدل على تطورالضميرالإنسانى وارتقائه)) 

أما إسماعيل مظهر فقد رفع شعار(حرّر فكرك) وفى صياغة غاية فى الدقة والإبداع شرح التحرر من أى شىء فكتب ((حرّر فكرك من كل التقاليد والأساطيرالموروثة، حتى لاتجد صعوبة ما فى رفض رأى من الآراء أومذهب من المذاهب، اطمأنتْ إليه نفسك وسكن إليه عقلك إذا انكشف لك من الحقائق ما يناقضه)) وهذا الشعار كان يضعه على رأس كل عدد من مجلة العصور التى أصدرها عام1927. 

وكان مظهر لديه الشجاعة فى انتقاد الشخص (المقدس) فى ذاك الوقت فى نظرأصحاب الدعوة الدينية (إى جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفعانى) فكتب أنّ (الأفعانى) هو وريث العرب وثقافتهم، ووقف من الرقى الفكرى حيث وقفوا، حيث الترويج للفكرالغيبى. وأضاف مظهر((إنّ الخطوة التى خطوناها فى سبيل الخروج من ظلمات الأسلوب الغيبى إلى وضع الأسلوب اليقينى، ستقودنا سعيـًـا إلى ميدان يتصادم فيه الأسلوبان، وسوف يـُـثيرفى جوالحركة الفكرية لجاجة، ينكشف غبارها عن الأسلوب الغيبى، وقد تحطــّـمتْ جوانبه واندكــّـتْ قوائمه، وتترك الأسلوب اليقينى قائمًـا بهامة الجبارقوى الأصلاب، مشرقــًـا على الشرق، وقد هبّ من رقاد القرون ليسيرفى الدرب الذى هدتْ سبله للأنام نواميس النشوء والارتقاء)) (المقتطف- فبراير1926) ورأى مظهرأنّ الدين له (وظيفة إرشادية) بالنسبة للمؤمنين بالأديان، ولكن ليس له (وظيفة تعليمية) لأنّ القول بأنّ له وظيفته تعليمية قد يجرالبحث فى أصل الأديان ومقارنة بعضها ببعض، وهذا بلا شك سيؤدى حتمًـا إلى القضاء على المهمة الأصلية التى من أجلها وُجدت الأديان، مهمة الإرشاد والتأثيرعن طريق الوازع فى سلوك الأفراد. وقال إنّ ((أبسط الأشياء فى العالم هى أكبرمعضلاته، وفى نفس الوقت فإنّ فى أبسط ذراته تكمن أعظم قوته)) 

أما محمود عزمى (أحد التنويريين المصريين) فقد بدأ حياته الثقافية بالاصطدام بالأزهر، حين ذهب ليقدم لشيخ الجامع كتابات (بعض المفتريات على الدين الإسلامى) ولكن شيخ الأزهر لم يجد ما يرد به على (هذه المفتريات) فبدأ محمود عزمى يتشكك فى الأمر، ويتساءل: هل (هذه المفتريات) حقيقية أم لا؟ وعندما ذهب إلى فرنسا ودخل كلية الحقوق سأل الأستاذ (لابير) هل الربا حلال فى الاقتصاد السياسى، بينما هوحرام فى الشريعة الإسلامية؟ فرد عليه (لابير): إذا أردتَ أنْ تدرس الاقتصاد السياسى، فليس هناك مجال للشريعة الإسلامية. وفى فرنسا استمع (لمدة ثلاث سنوات) إلى محاضرات (دوركايم) أستاذ علم الاجتماع ورائده فى العصرالحديث. ومن هذه المحاضرات تعلم أنّ جميع النظريات العلمية، وجميع الظواهرالاجتماعية (نسبية) لأنها معرضة للتغيرمن زمن إلى زمن ومن مجتمع إلى مجتمع. وعندما عاد إلى مصر، وقد صارأكثرنضجـًـا وتفتحـًـا على كل ثقافات العالم كتب فى مقال من مقالاته العديدة ((إيمانى بالعلم وحده)) (مقال: كيف آمنتُ بالعلم وحده- المجلة الجديدة- أول ديسمبر1929)  

يعتقد البعض أنّ إسماعيل أدهم له كتاب بعنوان (لماذا أنا ملحد؟) بينما الحقيقة أنه مقال كتبه أدهم ردًا على محاضرة ألقاها أحمد زكى أبوشادى فى ندوة ثقافية، عن التوفيق بين الدين وحقائق العلم. وقال ((إننى بروحى المتصوفة المتدينة التى تتغذى فى الوقت ذاته على العلم، أميل إلى الإدماج.. وأنّ الإسلام تشرّب العلم..إلخ)) بعد هذه المحاضرة قرأ أدهم ما كتبه أبوشادى عن (عقيدة الألوهية) فكتب مقاله (لماذا أنا ملحد؟) وصـدّره ببيتيْن من شعرجميل صدقى الزهاوى ((لما جهلتَ من الطبيعة أمرها / وأقمتَ نفسك مقام معلل/ أتيتَ ربـًـا تبتغى حلا به/ للمشكلات فكان أكبرمشكل)) (إسماعيل أدهم: قضايا ومناقشات- تحريرأحمد إيرهيم الهوارى- دارالمعارف المصرية- عام1986- ج3- ص80- وكتبه فى أغسطس1937) 

بعد تصديرهذيْن البيتيْن شرح لماذا هولايؤمن بالأديان، فذكرأنّ من بين المشكلات حول (فكرة الله) مشكلة العثورعلى المحرك الأول للكون، وهذا المحرك الأول لم يعثرعليه أحد. وبالتالى فإنّ (فكرة الله) تخلومن عناصرالقوة الإقناعية الفلسفية، وإنما تعود لحالة يـُـسميها علماء النفس (التبديد) ومن هنا فإنك لاتجد الأدلة التى تــُـقام لإثبات وجود السبب الأول، وتكون لها قيمة علمية أوعقلية. وأضاف ((ونحن نعلم أنّ أصل (فكرة الله) تطوّرتْ عن حالات بدائية، وأنها شقــّـتْ طريقها لعالم الفكرمن حالات وهم وخوف وجهل بأسباب الظواهرالطبيعية)) وأكــّـد على أنّ معرفته بأصل (فكرة الله) ومن أين جاءتْ، ساعدته على إزالة القداسة التى يخلعها البعض عليها (المصدرالسابق- من ص80- 91) 

وبينما حاول أبوشادى وغيره التوفيق بين العلم والدين، وأنه يمكن اللقاء بينهما، فإنّ عميد الثقافة المصرية (طه حسين) رأى أنّ الخصومة بين العلم والدين، أمرلابد منه فكتب ((ولكن المسألة فى حقيقة الأمرليست فى أنّ الخصومة واقعة أوغيرواقعة، إنما هى فى أنّ الخصومة ضارة أونافعة، وبعبارة أدق: المسألة هى أنْ نعرف هل كــُـتب على الإنسانية أنْ تشقى بالعلم والدين، أم كــُـتب أنْ تسعد بهما؟)) وكان من رأيه أنه من الممكن أنْ يسعد البشربالعلم والدين. ولكنه بذكائه الشديد اختتم دراسته بأنّ البشر لن يشعروا بالسعادة إذا استغنوا عن الكهرباء وكل انجازات العصرالحديث، ثم خاطب المسلمين قائلا ((وويل لنا يوم نعدل عن طب باستور وكلود برنار إلى طب ابن سينا وداود الأنطاكى. أما العلم الحديث فلا نستطيع الاستغناء عنه. والعلم لايمكنه أنْ يعيش ويثمرإلاّ فى جو كله حرية وتسامح. فنحن بين إثنين: إما أن نؤثرالحياة، وإذن فلا مندوحة عن الحرية، وإما نؤثرالموت، وإذن فلنا أنْ نختارالجمود)) (من بعيد- الشركة العربية للطباعة والنشر- عام1958- من ص245- 246) 

وصل تواضع طه حسين لدرجة أنْ يتولى بنفسه عرض مقال أعجبه للكاتب (عبداللطيف شرارة) بعنوان (كيف نحارب الطائفية؟) نشره فى مجلة الأديب قال فيه ((إنّ التوفيق بين الدين والفلسفة محاولة عقيمة، وقد قام بها ابن سينا منذ قرون فانتهى به الأمرإلى اعتباره زنديقــًـا من قـِـبل رجال الدين، قصيرالنظرمن قـِـبل الفلاسفة. وهذا كل ما ربحه من تجربته. كما أنّ التوفيق بين دين ودين انتهى على يد الكثيرين فى أوروبا وفى الشرق إلى مآسٍ ردّد التاريخ صداها)) (مجلة الكاتب المصرى- عدد فبراير1946) 

وأعتقد أنّ أهم تأثير للداروينية، كان فى جانبها الذى انعكس على مجالات الفلسفة وعلم الاجتماع، والاعتراف بالنسبى ورفض (المطلق) الذى انطلقتْ منه الديانة العبرية بشعبها الثلاث (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.