دبح القطة ولعبة الرست بين الأزهر والدولة

د. خالد منتصر 

بدأنا فى دفع فاتورة الحساب الباهظة التى ورطتنا فيها لجنة الخمسين بالمواد التى وضعتها فى الدستور، والتى جعلت من الأزهر مع كل احترامنا له كمؤسسة تدرس علوم الدين، جعلته سلطة مقدسة متوغلة فى كل تفاصيل الحياة، ودولة داخل الدولة تحت بند مراقبة كل ما هو شأن إسلامى، وما أدراك ما هو تفسير تلك الجملة المطاطة التى من الممكن أن تصبح بين ليلة وضحاها مبرراً لاجتماع هيئة العلماء لمنح التراخيص لكل سلوك وتصرف وقانون، بداية من اللقاء الحميم وحتى نقل الأعضاء وتأسيس البنوك!! جعلت لجنة الخمسين شيخ الأزهر مستقلاً غير قابل للعزل، وهو ما لم يكتب فى أى دستور من قبل، وأيضاً ما لم يتوفر لرئيس الجمهورية نفسه!! والمدهش والعجيب فى الدساتير المصرية أنه كلما تقدم الزمن وأصدرنا دستوراً جديداً نحلم فيه بدولة مدنية جديدة تحترم المواطنة والقانون، نجد أنفسنا قد تورطنا فى منح المؤسسة الدينية سلطات أكثر حتى بات دستور 1923 حلماً بعيد المنال ومستحيل التحقق، فمن المادة الثانية التى جعلت الدولة وهى الكيان الاعتبارى لها دين معين، ثم مادة ألف ولام الشريعة، ثم مادة سلطات الأزهر وعدم العزل.. إلخ، صعدنا السلالم ولكن إلى أسفل، حيث كهوف الماضى، وكأن الدولة تقتحم المستقبل بقفاها، وتصر على ركوب التوك توك فى زمن سفن الفضاء!!

ما حدث فى اجتماع هيئة كبار العلماء من رفض لاقتراح الرئيس السيسى واجتهادات أساتذة فقه معتبرين بإلغاء الطلاق الشفهى، والإصرار على التوثيق أمام القضاء حداً لسرطان الطلاق الذى انتشر فى المجتمع المصرى، ما حدث هو كما يقول العامة «دبح القطة» لمؤسسات الدولة المدنية، كما دبحت القطة للمثقفين المنتقدين المطالبين بالتجديد، ما حدث هو الصراخ نحن هنا.. الزموا حدودكم، انتصر الأزهر فى لعبة الرست مع الدولة التى أشك أن هواها سلفى، وغير متأكد من أنها تسعى فعلاً لترسيخ مفاهيم الدولة المدنية، وستشرب الدولة وسنشرب جميعاً من كأس هذا التدخل المر المرير، إنها مجرد خطوة أولى بعدها من الممكن أن يقال عن بناء تمثال إنه شأن إسلامى، فلتجتمع هيئة كبار العلماء وتكون المفاجأة أن التمثال صنم واللوحات تجسيد للروح! فوائد البنوك حرام فلتهدم البنوك بناء على رأى الهيئة، ممنوع نقل الأعضاء لأن أغلبية الهيئة ترفض الموت الإكلينيكى.. إلخ، هكذا سيتم تحنيط الزمن عند 1500 سنة مضت، وسنسلم حياتنا بتفاصيلها المتشعبة المعقدة رهينة لأمزجة رجال دين مختلفى المشارب والانتماءات ومؤسسة لها الاحترام والتبجيل، ولكن ليست لها القداسة ولا الألوهية، فكما تخرج الشيخ محمد عبده وشلتوت والصعيدى فى الأزهر، تخرج أيضاً عمر عبدالرحمن وعبدالله عزام وعبدالبر مفتى الإخوان وعميد الكلية الذى كان قاب قوسين أو أدنى من الجلوس على نفس كرسى فضيلة الإمام المحترم د. أحمد الطيب لو ظل «مرسى» شهرين زيادة!!

هناك ما يسمى المصلحة، وهناك الطوفى والشاطبى وغيرهما ممن قدموها على النصوص الجامدة، أو بالأصح فهم تلك النصوص، وقد رأى رئيس الدولة تلك المصلحة وحاول البحث عنها وتحقيقها انطلاقاً من مسئوليته، فى إطار ما يسمى الدولة المدنية الحديثة، التى توهمنا لسنين طويلة أننا نعيش تحت مظلتها، لكن البعض استشعر خطر ضياع السلطة، وسحب البساط من تحت أقدامه وضياع البيزنس، فقرر الصراخ فى وجه رأس الدولة: عض قلبى ولا تعض رغيفى «نحن هنا»، قرر البعض إرسال رسالة لكل السلطات تنفيذية وقضائية وتشريعية «الزموا حدودكم، هناك مجلس ملالى يقرر ويحدد، وزمن المجامع المقدسة للكهنة سيعود برغم أنف الجميع»!! نريد الإجابة عن سؤال محدد حتى نرتب حياتنا بناء على الرد ونفضها سيرة، هل نحن فى دولة مدنية اسمها مصر أم فى دولة دينية اسمها قندهار؟، قولوا لنا بصراحة حتى نعود لنركب الجمل، ونسكن الخيمة، ونعالج بالحجامة، ونتزوج بدون أوراق، ونقتنى الجوارى وملك اليمين، ونتاجر فى العبيد، ونحطم أجهزة التليفزيون وساعات الحائط، ونفجر المطارات، ونضع الخطط لاستعادة الأندلس وجلب السبايا!!، ريحونا وجاوبوا علينا ومش حنزعل، حنبدأ نرتب حياتنا على هذا النمط والمنوال، وسنترك الشيزوفرينيا والازدواجية ووهم أننا فى دولة مدنية أو فى القرن الحادى والعشرين، ونبنى سور مصر العظيم على الحدود، ونضع عليه لافتة «هنا كانت دولة مدنية اسمها مصر».

Print Friendly
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , , . Bookmark the permalink.