كيف مزج شعبنا بين إيزيس/مريم/زينب 

طلعت رضوان   

لماذا أدمج شعبنا الشخصيات الثلاث فى جديلة واحدة؟ 

وما أصل صفة (الطاهرة)؟

إيزيس أنجبتْ حورس ومريم أنجبتْ عيسى. اشتركتْ الإثنتان فى الانجاب بدون اتصال جسدى. إيزيس فى الأسطورة المصرية جمعت أشلاء زوجها أوزيربعد موته وحملتْ منه بقوة سحرها. ومريم حملتْ ببشارة جبريل فى التراث العبرى بأنها ستلد المُخلص يسوع ((كانت مريم مخطوبة ليوسف (النجار) قبل أنْ يجتمعا وُجدتْ حبلى من الروح القدس)) وأنّ ملاك الرب ظهرليوسف وقال له مريم ستلد ابنــًا وتدعواسمه يسوع (متى: الإصحاح1) وفى القرآن ((واذكرفى الكتاب مريم.. فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرًا سويًا)) ولما انزعجتْ قال لها ((أنا رسول ربك لأهب لك غلامًا زكيّا. قالتْ أنىّ يكون لى غلام ولم يمسسنى بشرولم أك بغيًا. قال كذلك قال ربك)) (مريم- من 16- 21) وتتناثرالقصة فى سورعديدة مثل ((إذْ قالت الملائكة يامريم إنّ الله يُبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم)) (آل عمران- من 35- 45) وكذا سورة (المؤمنون/50) 

إذن يوجد تشابه بين إيزيس ومريم فى مسألة الانجاب بدون اتصال جسدى، فما علاقتهما بالسيدة زينب بنت على بن أبى طالب وأخت الحسين؟ خصوصًا وأنها تزوّجت من ابن عمتها عبدالله بن جعفر. وأنجبتْ أربعة من الذكوروبنتيْن تزوّج الحجاج من إحداهما. أى أنّ السيدة زينب أنجبتْ بطريقة طبيعية ككل البشر، وليس كما فى الأسطورة المصرية أوالقصة العبرية. فما الذى جعل شعبنا يلضم إيزيس ومريم وزينب برباط واحد مجدول بالحب والوله؟ تكمن الاجابة فى الوجدان المصرى الذى ألـّـه المرأة وقـدّسها (أم وزوجة وابنه) وكما أبدع شخصية إيست/ إيزى (إيزيس وفق النطق اليونانى) وأبدع رمزالعداله فى الإلهة (ماعت) أوماعاط كما يرى بعض العلماء. ومن اسمها كان عندنا (معاطى) وهواسم مصرى ليس له مثيل لدى أى شعب. ولذا لم تكن مصادفة أنْ تحكم مصرتسع ملكات (يرى بعض العلماء أنّ العدد أكبر) بخلاف الأميرات والمناصب الحسّاسة مثل (قاضية) ورئيسة (نقابة) للتمريض والآلاف من الموسيقيات والعازفات والراقصات اللائى حفظ سيرتهنّ الفنانون الذين سجّلوا حياتهنّ على أوراق البردى والجداريات. 

تقديس المصرى للمرأة وصل لدرجة عدم إهتمامه بجنسيتها، فكما عشق إيزيس المصرية عشق مريم الأجنبية. وكما عشق الأقباط المسيحيون مريم كذلك عشقها الأقباط المسلمون، وكانت ترجمة هذا العشق انتشاراسم مريم بين الأقباط المسلمين. وإذا كان هذا الموقف من المسلمين أحد مؤشرات غياب التعصب الدينى فى الوجدان المصرى، فإنّ التشابه بين ميلاد حورس وميلاد المسيح كان فى خلفية العقل الجمعى فى الربط بين إيزيس ومريم.

عكستْ الحضارة المصرية ثقافتها القومية على المرأة وتقديسها، وهوما جعل شخصية إيزيس تنتشربين شعوب عديدة، وهوما لفت نظرعالم المصريات الكبيرأدولف إرمان الذى كتب ((مع إنّ المسيحية كــُـتب لها الفوزفى مصرمنذ أمد بعيد، ظلتْ عبادة إيزيس فى فيلة حبيبة للنوبيين. وعندما عقد القائد مكسيمينوس عام 452م معاهدة سلام مع الشعبيْن، سمحتْ بيزنطه التقية لمن وصفتهم ب (الوثنيين) بحرية الحج إلى معابد فيله وجلبوا منها تمثال إيزيس كل عام للاحتفال به. وكتب ((غدتْ إيزيس سيدة جميع العناصر. والإلهة العليا فى مملكة الموتى ورئيسة أهل السماء.. فكان العالم بأسره يعبدها بأسماء مختلفة. وهكذا نرى أنّ إيزيس ابتلعتْ جميع الآلهة التى كانت تـُعبد فى أوروبا. ومن إيطاليا إلى الهند وفارس ومن البحرالأسود إلى البحرالأحمركانت السيادة فى كل مكان للإلهة (ذات الأسماء العديدة) وستون شعبًا كانوا يعبدونها على أنها الفضلى الجميلة، الطاهرة إلخ)) وهكذا سادتْ عقيدة إيزيس فى كل أوروبا. وكان سلطانها ينموعلى الدوام واستمرّحتى القرن 12الميلادى. وتسبّبتْ مقطوعة (الناى السحرى أوالفلوت الساحر) التى كتبها الموسيقارالنمساوى فولفانج أماديوس موتسارت (1756- 91) فى زيادة انشارديانة إيزيس، ولذا صرخ الشاعر الألمانى جوته (1749- 1832) فى حنق وغيظ ((أى إيزيس وأوزير. لوإنى أستطيع التخلص منكما)) فكتب إرمان (وهوألمانى أيضًا) ((ولكننا نحن الذين نعرف هذه الأسطورة من مصادرها القديمة الخالصة، وهى أقدم ما فى العالم من أساطير، فإننا ننظرإليها نظرة مختلفة كما نستطيع أنْ نبتهج بها فى غيرتحزب)) 

ولأنّ مريم أنجبتْ عيسى بالقدرة الإلهية، لذا اندمجتْ شخصيتها مع إيزيس، ولأنّ شعبنا قدّس المرأة لذلك أحبّ مريم كما أحبّ إيزيس، ولأنّ شعبنا مؤمن بالتعددية بغض النظرعن الدين، لذا كانت المرأة المصرية (المسلمة) تزورمقابرالقديسات المسيحيات وتنذرلهنّ النذور، والمرأة المصرية (المسيحية) تزورالسيدة زينب وتهب لها النذور. كما أنّ الكثيرات منهن يصمن صيام شهررمضان. 

أعلم أنّ الأميين من شعبنا الذين استقبلوا السيدة زينب بوجدانهم المُرحب بكل ضيف، ولم يقرأوا تراجيديا حياتها فى كتب التاريخ، وإنما سمعوا عما فعله أهل العراق الذين خذلوا الحسين، وسمعوا عما فعله يزيد بن معاويه مع النساء والأطفال وعاملهم كسبايا وأسرى الحروب. سمع الأميون المصريون عن الفصل الأخيرمن كارثة كربلاء ولم يعرفوا شيئــًـا عن تفاصيل مأساة السيدة زينب، ومع هذا تفاعل وجدانهم العفوى معها (خاصة بعد أنْ علموا أنّ بنى أمية رفضوا وجودها معهم) فدمجوها فى شخصية إيزيس التى جمعتْ أشلاء أوزيرالذى كان من صفاته (سيد الشهداء) وهى الصفة التى أطلقها شعبنا على الحسين، أما الدليل الدامغ على هذا الدمج فهومنح إحدى صفات إيزيس (الطاهرة) و(رئيسة الديوان) للسيدة زينب. ولم تكن مصادفة أنّ جلسة المحكمة الباطنية كل يوم ثلاثاء فى مسجد الإمام الشافعى أنْ تكون السيدة زينب رئيسة المحكمة. ولأنّ إيزيس كان من صفاتها (الطاهرة) وكذلك السيدة مريم، انتقلتْ الصفة إلى السيدة زينب، وهكذا دمج الأميون المصريون الشخصيات الثلاث فى جديلة واحدة مضفورة بالتعددية التى أبدعتها الديانة المصرية (قبل أحادية أخناتون الكارثية) تعددية ترفض التعصب لأى دين ولأى جنسية، ولذا كانت إيزيس/ مريم/ زينب شخصية واحدة فى وجدان الأميين المصريين الذين لم يتأثروا بالتعليم الحريص على الأحادية والعداء لتعدد الأديان والثقافات.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , . Bookmark the permalink.