لا يوجد بتر لليد على جريمة السرقة [ البتر غير القطع وغير التقطيع]

    أحمد عبده ماهر             

لقد سبق وكتبت بهذا الموضوع،وأود من كل منكم قبل أن يقرأ لي أن يقوم بتشغيل دماغة ولا يقم بتعطيلها، وكذلك لا يقم بتأجيرها لغيره ولاحتى لي أنا

ومن جانبي فسأستعرض لكم رأيي ورأي الفقهاء المعتبرين لدى الأمة ….وما عليك إلا أن تحكم بيننا بالأمر إن كنت متأكدا أنك ستستخدم ما وهبك الله من عقل….ومن كان منكم أزهريا فليحاورني بفقه موضوعي إن كان لديه فقه..

وأنا لا يهمني أن تكون معي أو مع غيري، كما اني أتصور بأن ما أكتبه إنما هو نتاج جهد عظيم يتسق وصحيح القرءان والسُنّة، فأنا حين أخالف فقها راسيا منذ قرون إنما أعلم تماما بأني سأتعرض لسفالات الساقطين من هذه الأمة…..لأني أرى أنه ليس بهذه الأمة علماء يصلحوا لمناظرة فقهية .

لا شريعة تُجيز بتر اليد عقوبةً للسرقة.

بالبداية فإني أود أن أذكر بأني متخصص في الفقه الإسلامي، والشريعة الإسلامية، لكني متخصص لا يتاجر بدينه ولا يتقاضى عنه مالا.

فالتخصص دراسة بإخلاص وليس شهادة.

والفقه يحتاج لقويم الإدراك قبل أن يحتاج إلى العلم.

 ومن غير المتصور أن يضيف إليك أي معهد علمي إدراكا،… لكنه يضيف علما…….. فالإدراك منّة من الله….ثم يأت من بعده دور العلم…لذلك لابد من قياس حسن الإدراك قبل قياس ما تحمله من علم….

فالخيل لن يكون لديها خبرة الفارس في الحروب رغم اشتراكها معه في كل المعارك لأن هناك فارقا في إدراك كل منهما للأمور.

ولنبدأ بدراسة حد عقوبة السرقة بالقرءان وذلك فيما يلي:

يقول تعالى:{ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ }المائدة38.

1ـ إن الآية تتحدث عن السّارق بتشديد حرف السّين….وتتكلم عن السّارقة بتشديد حرف السّين أيضا وهو ما يعني لغويًا [ إسم فاعل ] أي رجل أو امرأة اشتهر عنهما السَّرِقة أي تكررت منهما…فليست كل عقوبة سرقة تعني ما يفهمه الفقهاء من مفهوم عقوبة البتر.

2ـ لقد فسر الفقهاء القطع على أنه بتر، وبتر اليد هو تطبيق فقهي لا ينتمي بحال لإدراك سوي، إنما هو إدراك شيطاني لمعاني ومرامي آيات كتاب الله، فلو أراد الله البتر لذكره، كما ذكره في سورة الكوثر قائلا:[ إن شانئك هو الأبتر ]، فالبتر يعني الفصل، لكن القطع عُرفا يعني بقاء الأمر على حاله مع وجود حالة من التباعد…لكن هناك أيضا فرق بين القطع والتقطيع…[قطع ــ قطّع] سنورده في حينه بهذا المبحث.

لكن كم ارتكب الفقهاء جنايات بفهمهم الخاطئ على مر العصور. ولنبدأ بشرح الأمر.

3ـ فالقرءان يقول: [ تبت يدا أبي لهب وتب ] فدل هذا على أن الله يتكلم عن كلتا يدي أبي لهب، وليست يدا واحدة.

فحين يقول الله [ فاقطعوا أيديهما ] فإنه يتكلم عن كلتا يدي السارق، وكلتا يدي السارقة، يعني كل الأيادي وليست يدا واحدة لكل منهما، لأنه إن أراد يدا واحدة لكل من السارق والسارقة لقال [ يديهما ]، لكن لأنه قال

[ أيديهما ] فهو يعني 4 أيادٍ.

وحيث أن فقه الفقهاء أن يبتروا يدا واحدة لذلك فهم لا يطبّقون النص القرءاني، لا من ناحية المعنى ولا من جهة المرمى

كما لا يفوتني أن أذكر بأنه لا بتر ولا قطع بمعنى الجرح كعقوبة تعنيها تلك الآية….وهو ما سيأت تفصيله وبيانه بهذا المبحث.

3ـ لذلك فالأمر يعني أولا أن نكفّ أيديهما الأربعة [ للسارق والسارقة ] عن السرقة، وذلك بحبسهما أو تعليمهما حرفة، لأن القطع يعني المنع أو ما شابه ذلك,,,…

وهناك دليل آخر يدل على أن القطع بمعنى المنع حيث يقول تعالى:

{ وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25.

فهذا يعني منع وصل ما أمر الله به أن يوصل، لا أن يبتر ما أمر الله به أن يوصل، ولا إحداث جُرح به.

كما أن قطع الرحم لا تعني بتر الرحم لكن تعني منع صلة الرحم، فهي كذلك في آية السرقة أي تكون بمعنى منع كلتا يدا السارق عن السرقة.

أما على الجانب الآخر [وهو جانب التباعد] فيقول تعالى:{ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ }الأنبياء93.

يعني وتفرقوا أمرهم، فكلمة [وَتَقَطَّعُوا] تعني التفريق لكن بغير إحداث جرح لأن حرف الطاء مشدد .

بما يعني أن كل الدلائل القرءانية تؤكد أن القطع غير التقطيع..وأن القطع هو المنع والإبعاد، وليس البتر ولا الجُرح.

أما أنهم يقولون بالبتر فهذا أيضا مخالف سواء أكانت يدا واحدة أو كلتا يدي السارق أو السارقة.

ولأن القطع غير التقطيع [وهو ما سيأت تفصيله ] …..وحتى ولو افترضنا أن القطع الوارد بآية السرقة هو التقطيع الوارد بآيات أخرى فإنه يكون عبارة عن إحداث جُرح قطعي بباطن اليد وليس البتر الذي برع فيه الفقهاء ، وذلك لقوله تعالى بسورة يوسف: [ فقطّعن أيديهن ] فمعناها أن كل امرأة أحدثت جُرحا بيدها، ومن غير المستساغ أن نفهم أن النساء بترن أياديهن.

ولو أراده الله بترا لقال بالبتر ….تماما كما قال [إن شانئك هو الأبتر].

ومما هو جدير بالبيان أن القطع بمعنى الجرح أو البتر أو التفريق ورد بالقرءان بتشديد حرف الطاء في غالب أمره، ولم يرد البتر والجُرح أبدا بغير تشديد لحرف الطاء ، ولقد ورد حرف الطاء في آية حد السرقة غير مُشدد بما يعني أنه ليس جُرحا ولا بتر.

وللبيان عن التقطيع [بمعنى الجُرح أو البتر ] ولابد أن يكون [حرف الطاء مشدد ] وتدبر الآيات التالية:

  • […….كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ }محمد15.
  • {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ }الأعراف124…..قالها فرعون.
  • […..فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }يوسف31.
  • وقد يرد التقطيع بتشديد الطاء [بغير معنى البتر والجرح] يقول تعالى:
  1. {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }الأعراف168.
  2. {لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }التوبة110.
  3. {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ }الأنبياء93.
  4. {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ }المؤمنون53.
  5. {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ }محمد22.
  • وأما عن القطع بغير تشديد لحرف الطاء فلابد أن يكون بغير وجود جرح ولا بتر…وهذه قاعدة لغوية هامة من زاغ عنها فقد ضل الطريق.
  1. {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }البقرة27.
  2. {وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }التوبة121.
  3. {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25.
  4. {مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ }الحج15.

فكلمة [فاقطعوا] الواردة بآية السرقة إنما هي مدونة بغير تشديد لحرف الطاء لذلك فهي لا تحمل أبدا أي معنى للجرح ولا البتر.

  • ونكتفي بهذا القدر لإثبات بدعة البتر حين يدلل القرءان بكلمة قطع.

وأنا لا أتناول المجاز بالقرءان، إنما أتناول حقيقة النص وحرفية المعنى

 ولا يجب إقصاء أدلتي لنقول بالمجاز والحديث الفلاني قال كذا..والإمام الفلاني قال كذا.

أما المرأة المسماة [فاطمة] التي أمر بها سيدنا الرسول r لتقطع فكانت واقعتها قبل نزول سورة المائدة، وهي سورة مدنية، وكان النبي ينفذ شرع من قبلنا فيما لا يوجد نص عليه من القرءان، فذلك شريعة بنو إسرائيل ….لأنه كما تعلم بأن القرءان نزل مُنَجّمًا أي على فترات ودفعات.

الأمر الثاني: ما العمل فيما إن تبين بعد البتر أن اللص بريء؟، من سيعيد إليه كفُّه المفصول؟.

وماذا لو بُتِرَت يد عامل في مصنعه كيف سيبرئ نفسه من مظنَّة أنه سارق عند من لا يعرفه..

الأمر الثالث: لم يوقف سيدنا عمر حد السرقة [ السجن ]، كما زعم بذلك من زعم، إنما نَفّذ مقتضيات حد السرقة، لأنه لا يجوز تنفيذ الحد على جوعان محتاج ولا معتوه …إلخ، كما أنه لا يحق لأحد وقف حد من حدود الله…لا عمر بن الخطاب ولا النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الأمر الرابع: إننا بعقوبة البتر نمنع اللص عن الصلاة بل عن التوبة، ونقيم محفلا لمضارين حوله، فمن ذا الذي سيتزوج ابنة اللص؟، ومن الذي سيقبل أن يعمل عنده ابن اللص؟، وغير ذلك من المضاعفات كثير.

الأمر الخامس: يقول تعالى بالآية التي تلي القطع مباشرة { فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ{39}.

فكيف بالله سيتوب من تقطع يده ويتم تعرية شرفه بين الناس، وكيف سيكون وقتها الله غفور رحيم به، أين الرحمة فيمن تم الحكم عليه ببتر يده طوال حياته فيظل عاجزا حتى وإن تاب، وقد يذهب بعض المجادلين بأنها مغفرة ورحمة بالآخرة، فلست أدري من أين جعلوها رحمة للآخرة فقط؟!.

كما تجد بعض المجادلين يقولون بأن التوبة تكون قبل البتر…..فأجيبهم ومن الذي حددها وأوقفها لتكون قبل البتر فقط….لماذا لا يكون باب التوبة مفتوح حتى قبل الغرغرة…..أيكون باب التوبة مفتوح للكافر حتى قبيل الموت ولا يكون مفتوحا للص إلا بعد أن نبتر يده…….ساء ما تحكمون.

و لذلك فسوف نتتبع معانى القطع، و سوف نقطع الأمر بحثا فى معنى قطع اليد !!!

أولا : معانى القطع من المعاجم.

معجم : المحيط في اللغة

المؤلف : الصاحب بن عباد

قطع ( إقطع لسانه أى كف كلامه )…

. وأقْطَعَ لِسانَه: كف كلامَه. وأقْطَعَ الوالي قَطيعَةً: أي طائفةً من أرض الخَراج.

وأقْطَعْتُه: جَاوَزْتَ به نهراً..

وأقْطَعَت الدجاجة: انقطع بيضُها…..

 وأقْطَعَ الرجل: لا يقدِرُ على الكلام، وانقطعتْ حجته. وأقْطِعَ الفحلُ: جَفَرَ. وما زالَ في مَطَر جَوْدٍ حتى أقْطعَه المكان كذا: أي قَطَعَه . وقاطَعْته على عَمَل كذا.

 والقِطَاع – في لغة هُذَيل – : الدراهم. ولأقْطَعَن عُنق هذه الدابةِ: أي لأبيعَها. وهذا زَمَنُ القِطاع: يعني إدراك التمْر. وقَطَاعُ الماء: انقطاعُه.

معجم تاج العروس

الكتاب : تاج العروس من جواهر القاموس

المؤلف : محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي

قطع 

 قَطَعَه كَمَنَعه قَطْعاً ومَقْطَعاً كمَقْعدٍ وتِقِطّاعاً بكَسْرَتَيْنِ مُشَدَّدَةَ الطّاء وقالَ الرّاغِبُ : القَطْعُ قد يكونُ مُدْرَكاً بالبَصَر كقَطْعِ اللَّحْمِ ونحوه وقد يكونُ مُدْرَكاً بالبَصِيرَةِ كقَطْعِ السَّبِيلِ وذلك على وَجْهَيْنِ : أحَدُهُمَا يُرَادُ به السَّيْرُ والسُّلُوكُ والثّاني يُرَاد بهِ الغَصْبُ من المارَّةِ والسَّالِكِينَ كقَوْلِهِ تَعالَى : إنَّكُمْ لتَأتُونَ الرِّجالَ وتَقْطَعُونَ السَّبيلَ وإنَّما سُمِّيَ ذلك قَطْعَ الطّرِيقِ لأنَّه يُؤَدِّي إلى انْقِطَاعِ النّاسِ عن الطَّرِيقِ وسيأْتي 

ومِنَ المَجَازِ : قَطَعَ النَّهْرَ قَطْعَاً وقُطُوعاً بالضمِّ : عَبَرَهُ كما في الصّحاحِ واقْتَصَرَ على الأخِيرِ من المَصَادِرِ 

 ومِنَ المَجَازِ : قَطَعَ لِسَانَهُ قَطْعاً : أسْكَتَه بإحْسانِه إليْهِ ومنه الحَدِيثُ : اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَه قالَهُ للسّائِلِ . أي : أرْضُوهُ حتَّى يَسْكُتَ 

 وقالَ أيضاً لبِلالٍ : اقْطَعْ لِسَانَه أي العَبّاسِ بن مِرْداسٍ فكَسَاهُ حُلَّتَه وقِيلَ : أعْطَاهُ أرْبَعِينَ دِرْهَماً وأمَرَ علِيَّاً رضي الله عنه في الكَذّابِ

معجم لسان العرب…..لسان العرب – ابن منظور 

المؤلف : محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري

قطع 

 ويجوز أَن يكون معنى قوله وتقطَّعوا أَمرهم بينهم أَي تفرقوا في أَمرهم نصب أَمرهم بنزع في منه …قال الأَزهري وهذا القول عندي أَصوب وقوله تعالى وقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنّ أَي قَطَعْنَها قَطْعاً بعد قَطْعٍ وخَدَشْنَها خدشاً كثيراً ولذلك شدد وقوله تعالى وقطَّعْناهم في الأَرض أُمَماً أَي فرّقْناهم فِرَقاً وقال وتَقَطَّعَتْ بهم الأَسبابُ أَي انْقَطَعَتْ أَسْبابُهم المقطوعُ اليَدِ والجمع قُطْعٌ وقُطْعانٌ مثل أَسْوَدَ وسُودانٍ ويَدٌ قَطعاءُ مقطوعةٌ .

وفي الحديث لما أَنشده العباس ابن مِرْداسٍ أَبياته العينية اقْطَعُوا عني لِسانه أَي أَعْطُوه وأَرْضُوه حتى يسكت فكنى باللسانِ عن الكلامِ ومنه الحديث أَتاه رجل فقال إِني شاعر فقال يا بلال اقْطَعْ لسانه فأَعطاه أَربعين درهماً قال الخطابي يشبه أَن يكون هذا ممن له حق في بيت المال كابن السبيل وغيره فتعرّض له بالشعر فأَعطاه لحقه .

قال أَبو حاتم وقد حكاه أَبو عبيدة عن العرب والقُطْعُ وجَعٌ في البطن ومَغَسٌ والتقطِيعُ مَغَسٌ يجده الإِنسان في بطنه وأَمْعائِه يقال قُطِّعَ فلان في بطنه تَقْطِيعاً .

قال الأَزهري في آخر هذه الترجمة كلّ ما مر في هذا الباب من هذه الأَلفاظ فالأَصل واحد والمعاني مُتَقارِبةٌ .

و خلاصة ما وجد فى المعاجم أن كلمة القطع ليس لها معنى واحد محدد وأنها تأتى فى جمل المجاز التى تدل على المنع.

ويتعلل القائلين بالبتر بأن الله تعالى قال: [جزاءا بما كسبا نكالا من الله] فهم يعنون أن التنكيل بالسارق وارد بالقرءان.

لكن إن فهمنا أن كلمة [نكالا] وردت بعد فعل [كسبا] وليس بعد فعل [فاقطعوا] لعلمنا أن النكال يخص ما كسبه اللص نكالا عن أمر الشريعة التي وضعها الله، ولا يخص تنكيل الله بالسارق الذي ينتظر الله منه التوبة…فالنكال صفة للكسب وليس صفة للقطع…لكن قل في الجهل ما تشاء.

فالله لا يُنَكِّل بعباده في الدنيا أبدا، وبخاصة إن كان يستحثهم على التوبة في الآية التي تليها مباشرة، فالوصف دوما يكون بعد الفعل الموصوف ولا يكون أبدا لأي فعل في السياق تختاره أنت بنفسك..

ويروي البخاري في صحيحه باب الحدود بالحديث رقم [ 6401 ] حدثنا عمر بن حفص ….. عن أبي هريرة عن النبي r قال: لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده.

بينما بشرح صحيح البخاري مدون الحديث التالي:[ ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع ] رواه الزبير عن جابر ورفعه وصرح بن جريج في رواية النسائي.

فالحديثين السابقين أهديهما لكل الفقهاء الذين تخربت عقولهم من فقه الأقدمين، وهم يتخذون أحكاما من مدسوسات السُّنَة القولية.

فهل يا ترى سنبتر اليد لسرقة بيضة أو حبل ولا نبتر يد مختلس؟.

 أتكون هذه سوية فكرية!؟.

أيمكن أن تصدقوا بأن رسولكم يتسامح في الاختلاس بينما يبتر لسرقة بيضة؟!، أيمكن أن نستخلص الأحكام مما تقولون عنه سُنّة نبوية قولية صحيحة بينما هي تحمل الأمر ونقيضه؟!.

ومن هو ذلك الصحابي الذي بترت يده بعد نزول سورة المائدة؟.

أرى بأن البينة على من ادعى، ……أو تراهم يظنون بأنه حكم لم يتم تنفيذه في المسلمين.

لذلك فمن كل الأوجه كلمة القطع لا تعني أبدا البتر، لذلك وجب تجديد الفقه وتعليم جهلاء القوم الذين يطالبون بتطبيق الشريعة وهم لا يفهمونها، وقد يكون ذلك الفهم مستساغا بعصور كانت المدارك العقلية أقل مما هي عليه الآن لذلك يجب أن نتعامل مع النص بعقل وإمكانيات اليوم.

ولا يجوز الاحتجاج بكتب التراث التي ورد بها ذلك البتر المشوّه لدلالات آيات الله، إذ أن التراث لم يتعرض لأي غربلة كالتي تعرض لها الحديث النبوي، ومع ذلك لا نزال نجد بالحديث النبوي مدسوسات إلى يومنا هذا….فكيف نعتمد على كتب التراث التي لم تنال من التمحيص ما ناله الحديث النبوي ومع هذا فلازلنا نجد العوار بالحديث النبوي.

والبتر كان من شرائع اليهود، وتم نسخه بالقرءان على النحو الذي أسلفنا لكن فقه العصر القديم وقد ارتمى في أودية الهلاك مع المرويات ظنية الثبوت فقد خرج علينا بالبتر وألصقه بالإسلام، بينما الإسلام منه براء.

فلا بتر ولا حسم لليد المبتورة بالنار أو بوضعها بالزيت المغلي، فهذه كلها أمور كانت على عهد أمم قبلنا واختلط الأمر على فقهاء الأمة فتصوروها من الإسلام، دون أن يعلموا مناسبة الحديث النبوي ولا توقيته، وعما إن كان قد صدر عن نبينا قبل نزول سورة المائدة التي تقول بالمنع ولا تقول بالبتر أم بعدها…تماما كما فعلوا مع ما يسمونه حد الرجم.

وكلمة [والسارق والسارقة] إنما يعبران عن إسم فاعل، أي من تكررت منه السرقة مرات……تماما كالطبيب أي من احترف الطب، والنجار أي من احترف النجارة…..

ولذلك فعقوبة السرقة هي المنع أي الحبس ولا يكون ذلك الحبس أبدا إلا لمن يجد طعام يومه…. ولا يكون أبدا لمن لا يجد طعام يومه وبذل الجهد فلم يجد عملا.

وقد يتعجب المتعجبين من هذا التخريج الفقهي الذي أقول به لكنه تدبر كتاب الله الذي أهملناه واستبدلنا فقهه بمرويات ظنية قمنا بتشييد ديننا عليها.

ولا تعجبوا كوني لست أزهريا…. ألم يكن سيدنا داوود حكيما، ومع هذا فقد جعل الله من ابنه سليمان وهو طفل صغير أن يفصل في مسألة كان قد فصل فيها سيدنا داوود بحكمته بصورة أقل إدراكا من ابنه، وفي ذلك يقول تعالى:

{فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ}الأنبياء79؛

فكان سليمان على صغر سنه أفهم من أبيه على كبر سنه وحكمته،

لذلك فليعتبر من يريد الاعتبار، إن كان هناك أحرار غير مكبلين تحت وطأة عمامة، أو كانت هناك عقول لم يتم تأجيرها بعد لفقهاء ما كانوا يدركون اللغة ولا مرامي الآيات وكانوا يفسرون القرءان بمعلوماتهم عن مرويات وجدوها وقالوا عنها سُنّة نبوية ألصقوها زورا بالنبي.

وكل ما أطلبه هو كيف يتوب اللص…..هل بعد أن تجعله صاحب عاهة مستديمة؟….

أأنت بهذا تمنع السرقة من جانب التخويف وتقيم بالمجتمع فئة من ذوي الاحتياجات الخاصة وقد يكون بريئا بشهادة شاهدي زور لكنك تقوم بتدميره وتدمير أسرته تحت زعم خاطئ لمعنى القطع الذي هو واضح من سياقه اللغوي أنه ليس بترا أبدا….

فهل تقيم ذعرا بالمجتمع وتزعم أنك تقيم حدود الله؟؟….أكان إرهاب الناس من بين أهداف حدود الله !!!!، أهذه رحمانية الله التي فهمها الفقهاء والمفسرين!!!؟..

ثم بالمقابل تعال لأشرح لك رأي الأئمة الأربعة في عقوبة السرقة..

فإنك إن نظرت لشريعة البتر [المزعومة ] لوجدت منها العجب العجاب ولنستعرض معا فقه الشافعية عن السرقة وفق ما ورد باب السرقة من كتاب الإقناع للماوردي وذلك بالأسبقية الأولى، حيث ذكر ما يلي:

ومن سرق ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار من غالب النقود الجيدة من حرز مثله ولم يكن له شبهة في الحرز ولا في المال ولا في المالك قُطعت يده اليمنى من الزند وحسمت بالدهن الحار [يعني الزيت المغلي].

فإن سرق ثانية قُطعت رجله اليسرى من الكعب وحسمت…..[بالزيت المغلي طبعا].

فإن سرق ثالثة قُطعت يده اليسرى

فإن سرق رابعة قُطعت رجله اليمنى 

فإن سرق بعد الرابعة عُزِّر ولم يُقتل.

 ولو لم يقطع في الأولى حتى سرق مرارا قطعت يده اليمنى بجميعها.

ولا قطع على غاصب ولا مختلس ولا خائن ولا على والد سرق من مال ولده. 

ولا على ولد سرق من مال والده .

ولا على زوج سرق من مال زوجته.

ولا على زوجة سرقت من مال زوجها.

 ولا على عبد سرق من مال سيده .

وإذا اشترك الجماعة في سرقة لم يقطعوا حتى تبلغ حصة كل واحد منهم ربع دينار فصاعدا 

وإذا نقب أحدهم ودخل آخر فأخرج السرقة لم يقطع واحد منهما. 

ولو استهلك السرقة في الحرز أغرم ولم يقطع.

ولو استهلكها بعد إخراجها قطع وأغرم موسرا كان أو معسرا.

ولو وهبت له السرقة لم يسقط عنه القطع ولا يجوز العفو عن حد الله بعد وجوبه.

 وإذا شهد بالسرقة عدلان ثبت الغرم والقطع فإن شهد بها رجل وامرأتان ثبت الغرم دون القطع……ولست أدري لماذا لا يبترون رغم شهادة الرجل وامرأتين، هل هذا لتفاهة أمر المرأة عندهم؟.

فمن أي مصدر استقى الشافعية ذلك المفهوم، ولماذا تختلف الحنفية والمالكية عنهم، فالشافعية تبتر اليد في ربع دينار، بينما الحنفية يعرفون السرقة بكتاب الاختيار لتعليل المختار بأنها أخذ العاقل البالغ نصاباً محرزاً، أو ما قيمته نصاباً ملكاً للغير لا شبهة له فيه على وجه الخفية. والنصاب دينار أو عشرة دراهم مضروبةً من النقرة.

فهل القطع في دينار [إثني عشر درهما] أو ربع دينار[ثلاثة دراهم] كما قالت المالكية والشافعية، أم نصابا أي ما قيمته 84 جرام من الذهب كما قالت الحنفية….

أليسوا من مصدر واحد كما يزعمون، أليست هذه حدود لا مفاصلة فيها ولا تباين، وهل حد القطع هو سرقة ربع دينار، أم حين يبلغ المال المسروق نصابا بالدينار، وهو عندنا نحن فإننا نقدره بما قيمته[84 جرام ذهب]؛ وهل نقطع يد من سرق ربع دينار ونترك من اختلس أموال البنك المركزي؟.

ولنتابع العجب مع الفقه الحنفي الذي يقرر [ولا قطع فيما يوجد تافهاً في دار الإسلام: كالحطب والسمك والصيد والطير والنورة والزرنيخ ونحوها، ولا ما يتسارع إليه الفساد: كالفواكه الرطبة واللبن واللحم، ولا ما يتأول فيه الإنكار: كالأشربة المطربة، وآلات اللهو والنرد والشطرنج، وصليب الذهب، ولا في سرقة المصحف المحلى، والصبي الحر المحلى.

ولا في سرقة العبد، ولا في سرقة الزرع قبل حصاده والثمرة على الشجر ولا في كتب العلم؛ ويقطع في الساج والقنا والأبنوس والصندل والعود والياقوت والزبرجد والفصوص كلها، والأواني المتخذة من الخشب؛ ولا قطع على خائن، ولا نباش، ولا منتهب، ولا مختلس]…فما رأيكم في أنه لا قطع على منتهب ولا مختلس ولا نباش.

فمن أي معين قطعي يمكن أن يكون فقهنا هكذا، ثم لنستطرد مع فقه الحنفية [ولا من سرق من ذي رحم محرم، أو من سيده، أو من امرأة سيده، أو زوج سيدته، أو زوجته، أو مكاتبه، أو من بيت المال، أو من الغنيمة، أو من مال له فيه شركة.

وتقطع يمين السارق من الزند وتحسم، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد لم يقطع ويحبس حتى يتوب. فإن كان أقطع اليد اليسرى أو أشلها أو إبهامها أو أصبعين سواها، وفي رواية ثلاث أصابع أو أقطع الرجل اليمنى أو أشلها أو بها عرج يمنع المشي عليها لم تقطع يده اليمنى ولا رجله اليسرى.].

فالشافعية قرروا بتر الأطراف الأربعة إذا ما تكررت السرقة أربع مرات، بينما الحنفية لم يبتروا إلا مرتين إذا تكررت، ولا يبترون في السرقة الثالثة ولا الرابعة، فأيهم هدي رسول الله؟، وهل بتر رسول الله أحدا بهذا النهج، أم هي في حقيقتها تآليف بشرية نظنها شريعة الله.

وزاوية أخرى من زوايا البحث أنه على فرض بأن القطع يعني بترا، فهل يكون البتر منقطعا لأجل البتر، أم أنه ضمن منظومة شرعية تعني زخم كامل يعيش فيه المجتمع، بحيث تكون العدالة والحرية والاكتفاء وغيرهم، هم الزخم الذي يعيشه المجتمع كله.

ولا يكون البتر بمجتمع يسوده الاستغلال وتضخم الثروة عند البعض والفاقة عند الآخرين، حتى تصير السرقة نوعا من الاحتجاج، وحتى لا يكون أنصار شحذ السكاكين هم الفئة الأعلى صوتا لقطع يد المكلومين مجتمعيا بينما المختلسين والمنتهبين لا تبتر أياديهم بتلك الشريعة التي شيدها الفقهاء ليبتروا يد الشعب المغلوب على أمره بينما لا قطع على أصحاب الجاه والسلطان في النهب والاختلاس.

وفضلا عن ذلك الاختلاف الجوهري بين الفقهاء، فمن كل الأوجه كلمة القطع لا تعني أبدا البتر، لذلك وجب تجديد الفقه وتعليم الجهلاء الذين يطالبون بتطبيق الشريعة بينما هم لا يفهمونها ويتصورونها شريعة الله بينما التي يصرخون في وجوهنا لأجلها هي شريعة الفقهاء، وليست شريعة الله.

فشريعة الله في السرقة هي القطع بمعنى المنع وليست أبدا البتر ولا القطع بمعنى الجرح…لذلك فنحن أهل القانون من ينفّذ شريعة الله بينما قام الأئمة والفقهاء بتنفيذ شريعة سوء الإدراك للنصوص القرءانية.

مستشار/أحمد عبده ماهر

محام بالنقض  وباحث إسلامي

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in أحمد عبده ماهر and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.