أرْدُوغَان.. تَأوِيْلُ البَصْمَةِ الوِرَاثِيَّةِ لآل عُثْمَان

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل   بليغ

المقدمة الشهية للدولة التركية:

بعد سقوط الخلافة العثمانية صار لدى الكتاب والمؤرخين هوس لاقتناص أخبار هذه الخلافة المريضة سياسيا لاسيما وأنها أقيمت بفضل السواعد والعقول العربية تحت مظلة أن تلك الخلافة الإسلامية، ولايزال هذا الهوس المعلوماتي قائما بالفعل بعد تغلغل متطفل من قبل الدولة التركية والذي تمثل في مشاهد متعددة قبيل ثورات الربيع العربي وحتى وقتنا الراهن. وتركيا بطبيعة تركيبتها الجغرافية والسياسية ظلت مرهونة ببقاء إعلامي يسلط الضوء عنها وعن مشاركاتها التي دوما تصيبها خيبة المسعى وفشل المأمل والمطمح، لذا كانت تربة خصبة للكتابة وتأويل الحالة التركية التي ظلت متأرجحة عقب سقوطها السياسي بعد الحرب العالمية الأولى. ولعل أشهى ما يمكن تقدمة هذه السطور عن تركيا اليوم هو الحرب الدائرة بين بعض الصحف التركية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان بسبب نشرها وثائق وأخبار تفيد تسليح أردوغان بعض جبهات المعارضة في سوريا لكنه لا يستطيع البوح لأنه بالفعل بغير قدرة على مواجهة نظام بشار الأسد العسكري ولا الظهير السياسي الروسي والدعم الإيراني، تلك هي تركيا التي تواصل مسلسل ضعفها السياسي منذ سويعات سقوطها في ذيل الحرب العالمية الأولى.

أ ـ اللعب على عطش العيون العربية الجائعة:

وتركيا ظلت تقاوم حلمها وهاجسها القديم باستعادة زعامة الخلافة التي لم يعد لها وجود قائم عن طريق استقطاب الشعوب العربية فقط وليست الإسلامية مثل إيران عن طريق تقديم نوعية معينة من الدراما التي تم اعتمادها على دراسات تفيد عطش العيون العربية والعقول أيضا إلى مثل هذه النوعية من الدراما فكانت المسلسلات التركية التي تقدم مشاهد استثنائية من الوله والغرام والعشق وتقديم تركيا الجديدة العلمانية التي لا ترى في أعمالها الدرامية آذانا أو صلاة أو قراءة للقرآن في الوقت الذي نرى فيه عشرات المنتمين إلى جماعة وتنظيم الإخوان الذي يسانده أردوغان على شبكات التواصل الاجتماعي وهو يقرأ القرآن بصوته الذي يصفونه بالشجي الخاشع الرائع منافسا في تلاوته أساطين التلاوة المصرية من مثل محمد صديق المنشاوي وعبد الباسط عبد الصمد وغيرهما.

ولأن تركيا استهدفت منذ البداية الدول العربية لاستعادة الخلافة المزعومة التي فشلت بدليل سقوطها المدوي وتنازل مصطفى كمال أتاتورك عن أيديولوجية هذه الخلافة فقد رأت أن تقديم العشق الممنوع والأسود والحرام والصامت والصريح وكل أنواع وصنوف العشق رغم أنها دولة الخلافة الإسلامية التي تدشن لإقامة كيانات وتيارات إسلامية في منطقة الشرق الأوسط ـ هو التمهيد المناسب لعيون متعطشة للحم التركي العاري نسبيا وللأحضان الدافئة والملتهبة والمتشوقة لأنها تظن أن الشعوب العربية مريضة بالفعل كما هي سقطت بفضل المرض السياسي الذي أصابها فضعفت أمام القوة الأوروبية والتي من شأنها لا تزال تبحث تركيا عن زاوية صغيرة تنفذ منها صوب الحياة السياسية الأوروبية.

وبعد هذا التمهيد البصري التركي للشعوب العربية عن طريق دراما باتت رخيصة بعض الشئ، لجأت عقب ثورات الربيع العربي وإن لم تكن بالفعل ثورات حقيقية بل هي انتفاضات شعبية لتحقيق مطالب ومطامح قصيرة النظر تزامنت مع المخطط الصهيو أمريكي لترويج الفوضى الخلاقة والتي استحالت بالفعل سمة رائجة في العراق وليبيا واليمن وثمة مناطق في سوريا، سعت تركيا إلى هيمنة ثقافة جديدة تغزو بها العقول العربية غير متناسية في ذلك نظرية اللحم العاري والصدور الناهدة البارزة وجاء هذا الغزو من طريق سلسلة حلقات حريم السلطان التي روجت للعسكرية العثمانية وقوة السلطان العثماني الذي عزا العالم للتأكيد على عراقة الخلافة من ناحية، وعلى قوة الدولة التركية العسكرية من ناحية أخرى.

ولأن الشعوب العربية أكثر اهتماما بقضاياها الراهنة ولا تهمها بالفعل أن السلطان سليمان أكثر ولها وغراما بالجميلة هيام أو بالجواري الحسان، ولم تعد تكترث حقا بحكايا الصبايا العاشقات الوالهات صبا وشوقا في ظل واقع يتضمن وعيا أكثر بقضايا الأوطان الحقيقية، فكرت الدولة المريضة تركيا حسب توصيف أوروبا لها وليس أنا في مناصرة كافة الحركات والتيارات الدينية في المنطقة لكن لم تقدم أية إشارات حقيقية لمكانة أعرق مؤسسة دينية في العالم وهي مؤسسة الأزهر الشريف الأمر الذي عجل بسقوطها شعبيا في المنطقة العربية.

ب ـ وجوه تركيا: أنف وثلاث عيون:

لكن تركيا مباشر اليوم لم تعد تهتم بالشأن العربي لاسيما المسألة السورية لأنها باختصار وجدت نفسها في مواجهة روسيا وإيران وحزب الله فضلا عن المؤسسة العسكرية السورية وهي في الأصل غير مؤهلة لمساجلات قتالية أو حتى مناوشات سياسية لفظية ضد جهات أربع، فقط تستطيع أن تظهر بوجوه ثلاث فحسب، وجه يناصر من بعيد تنظيم الإخوان الذي كان موجودا في مصر ومعظمه إما هارب أو مقبوض عليه خلف أسوار السجون المصرية أو قرر الهجرة بعيدا إلى قطر أو ماليزيا أو تركيا التي ستضطر لاحقا إلى ضردهم إذا أمر الاتحاد الأوروبي بذلك. ووجه الدراما الذي يقدم تركيا إما على أنها دولة معاصرة جميلة وجديدة ذات نساء فائقات الجمال والروعة والإثارة، أو تركيا دولة الخلافة القوية ذات الجواري والقيان والغلمان. والوجه الأخير هو تركيا العلمانية التي قدمت تقريبا كل فروض الولاء والطاعة والإذعان التام لأوامر وشرائط وضوابط الاتحاد الأوروبي ولا تزال تقدم من أجل البقاء ضمن سياج الحماية الأوروبية.

ورغم الوجوه الثلاث التي تشير إلى ديموقراطية الدولة إلا أن مؤشرات القمع السياسي والفكري داخل تركيا هي الملمح الأكثر بروزا اليوم حينما نقرر أن نعكس المشهد التركي الراهن ولاسيما بعد أن أفصح أردوغان الموهوم بالزعامة والخلافة عن مطامحه الداخلية باقتناص الحكم منفردا بغير شريك أو معارضة.

ج ـ أردوغان: أنا الحاكم ولتسقط الديموقراطية البلهاء:

في الوقت الذي يدغدغ فيه أردوغان أسماع وعقول المحسوبين على تنظيم الإخوان في مصر أو جبهات المعارضة في سوريا بأنه الرجل الذي جاء من أوروبا ليحقق أحلام الديموقراطية في منطقة بلاد العرب هو نفسه الذي قرر أن يسحق الديموقراطية في بلاده معلنا صراحة بأنه الحاكم الفعلي للبلاد والعباد ولتسقط الديموقراطية بغير رجعة.

وهذا التحول في تركيا يعكس عن الوجه الحقيقي لرجل يطمح في الزعامة والخلافة عن طريق إقصاء الآخر، وهو يشبه في المسلك أوباما حينما كان يعوض فشله الداخلي بإقحام أمريكا في سياسات دول الشرق الأوسط متوهما وشعبه أنه بذلك يحكم العالم، لكنه في الواقع مثله مثل أردوغان يعاني من حالة فصام نفسي تجعله ينأى عن واقع ما يقدمه عن نفسه للعالم، فالأول أوباما قدم نفسه على أنه مُخَلِّص البشرية الجديد، والأخير أردوغان لايزال يقدم نفسه للعالم الإسلامي بأنه رسول الديموقراطية ولأوروبا بأنه النموذج الكامل للعلماني. 

ورغم عمليات التجميل التي أجريت للكيان التركي وتكرارها من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والانصياع لأوامره ونواهيه إلا أن هناك عقدة نفسية عنوانها الإقصاء السياسي عقب إسقاط الخلافة العثمانية والتحول الذي أجراه أتاتورك ولم يعد بتركيا إلى حالتها الأولى قبيل الإسقاط القسري. ولو فكر أردوغان وحاشيته قليلا أن الإقصاء الأوروبي هو في الأساس مفاده خطاب تركيا الثقافي الذي بات غائبا لسنوات بعيدة وجاء اليوم خطاب سياسي وليس ثقافيا يمثل الاقتحام وفرض الزعامات الواهنة بغير صفة شرعية لهذا الحضور الفقير زمنيا ومكانيا أيضا. 

وربما الرجل الذي لم يتعاف بعد أقصد وأعني تركيا لم يفهم أن الوجود بالمحفل الأوروبي له شرائط وعلامات وثمة مشاهد تحكمه ؛ منها أن الاتحاد الأوروبي لا يعترف إلا بوجود عسكري قوي، وحضور ثقافي مستنير وناهض وله وجود عالمي، وأخيرا لغة تتمتع بالانتشار الواسع وهي أمور قد تبدو بعيدة المنال نسبيا بالنسبة لتركيا لاسيما في ظل انشغال حكومتها بقضايا أخرى وشئون لا تخصها.

أحلامُ الزَّعَامَةِ:

ولاتزال تركيا حتى اليوم على موعد بحلم قصير بإعادة إنتاج الماضي ونظرا لإفلاسها الحضاري وهذا تثبته وثائق التاريخ من خلال استعانتها بكل ماهر ولبيب في صنعته من المحروسة مصر في إعمار الأستانة التي ذهبت تاريخيا لفقر أصحابها الثقافي، فكان البديل الحصري لديها والمعقول أيضا هو إعادة إنتاج فكرة القومية التي غزت الشرق في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، مما جعلها تنادي بالإصلاح الاجتماعي والسياسي، وهذا الإصلاح لم ينعكس على الشأن التركي الداخلي لوجود فوارق طبقية هائلة وشاسعة، وهي الحالة العجيبة التي تعاني منها تركيا اليوم ؛ حنينها إلى الوازع القومي البائد وهوسها الرأسمالي من أجل الحصول على منحة الرضا الأوروبي نحوها.

ومشكلة كل الدول التي تنادي بالقومية والأممية والخلافة وإحيائها هي عدم قبولهم أو اقتناعهم من الأساس بفكرة التنوع الثقافي للأمم والشعوب وهو وجود سمات مشتركة بعينها تجمع كل شعب ومجتمع ومن ثم استحالة استقطاب هذا التنوع الثقافي الذي فشلت فيه العولمة نفسها. وكون الاستناد إلى رفع شعار أو علم أو التعبير بجمل بسيطة عن الواقع العربي تحديدا ليس شرطا للانتماء، فاللغة التركية البعيدة تماما عن تداولنا الثقافي العربي يجعل من مهمة تركيا للحضور والوجود مستحيلة تماما، وبات من الصعب لدى الكيان التركي إيجاد مرجعية ثقافية تجعل وجوده شرعيا داخل أنسجة المجتمعات العربية التي تفتخر بتاريخها ولغتها وحاضرها أيضا.

التَّنَوُّعُ الثَّقَافِيُّ.. وَطَنٌ يَأبَى الاسْتِلابَ:

ولأن المشكلة ثقافية، فكان من الأحرى على نظام أردوغان الثقافي أن يجري استطلاعا للرأي داخل المجتمعات العربية من أجل استبانة رأي المواطن العربي ومعرفته الثقافية بمبدعي تركيا ومؤسساتها الثقافية والحضارية، والنتيجة بالقطعية صفر، وحتى النخب العربية المثقفة تجدها بمنأى عن الحضور الثقافي التركي وغير مشدوهة لأية احتفاءات ثقافية تجري على أراضي مقر الخلافة العثمانية البائدة، سوى معرفة النخبويين بأفكار وآراء المستنير عبد الله كولن وسط تعقب قسري له من النظام الحاكم هناك.

الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه وربما غفل عنه كثيرون من معلمينا بالمدارس التي تربينا فيها وعلى مقاعدها أن الغزو العثماني لمصر تحديدا ولبقية الدول العربية جاء نتيجة انحطاط ثقافي ولغوي على التحديد، وكما يقول سمير أمين في كتابه الماتع ” في نقد الخطاب العربي الراهن ” أن العزو العثماني كانت تتويجا للانحطاط اللغوي وتراجع مكانة اللغة العربية والثقافة العربية، وهما الأمران اللذان يمكن رصد التحولات بشأنها من خلال انتشار اللغة الفصيحة بشكل واسع وحجم الدراسات اللغوية الكبيرة والرصينة بجامعاتنا وعدد المطبوعات والمنتديات اللغوية بعالمنا العربي مما يجعل مرة أخرى فكرة العودة العثمانية مستحيلة بصورة مطلقة.

الصُّنْدُوقُ الأسْوَدُ للرَّجُلِ المَرِيْضِ:

ومؤخرا ظهر كتاب تركي المنشأ وهو ( 12 عاما مع عبد الله جول ) لكاتبه أحمد سافار الذي عمل مستشارا للرئيس التركي السابق والذي أسماه كثيرون الصندوق الأسود للحزب الحاكم كشف فيه عن محاولات أردوغان الاستيلاء على السلطة وما أعقبه من نكران للجميل وعدم الوفاء للرئيس السابق، والممارسات القهرية التي تعرض لها المفكر التركي عبد الله كولن وجماعته المستنيرة هناك، والكتاب يعكس حجم الممارسات التي فرضها أردوغان على مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي ليصل به الأمر كما يقول مؤلف الكتاب لحجب موقعي تويتر ويوتيوب لمنع عمليات تسريب التسجيلات الصوتية التي تشكل حرجا على حكومته.

ونفس الرجل الذي لطالما وجع أسماعنا بالحديث عن الشرعية والرئيس المنتخب هو نفسه الذي اعلن في يوليو 2014 تحديدا بعد لقاء مطول مع عبد جول بأنه سيدخل الانتخابات الرئاسية في تركيا معلنا بأن الشعب سيختار رئيسه على أساس أن الاتحاد الأوروبي كان يعين رئيس تركيا !. وصرح آنذاك أردوغان بأن جول هو رئيس عهد الوصاية في الوقت الذي يريد فيه أن يفرض وصايته على شعب عريق متحضر كمصر ساهم في بناء وتشييد الخلافة العثمانية البائدة.

إنها تركيا التي بدأت برجل مريض أُسقطَ زمنيا لفقره الحضاري، مروراً بسيرة سياسية اتسمت بخيانة صديق العمر وعلى حد وصف زوجة عبد الله جول المعروفة هناك بخير النساء بأنها تتابع بكل دقة مشاهد نكران الجميل انتهاء بإقصاء أوروبي مستدام، وأخيرا فزع من المارد الذي أعلن عن إدراكه وإفاقته لقدره وقيمته التاريخية والحضارية

د ـ في انتظار محطة الوصول:

واليوم لا يمكننا التنبؤ بمستقبل أدوغان السياسي سوى بأنه على وشك محطة الوصول الأخير للسقوط، فهو على مستوى المشاركة في المشهد العربي الراهن لا دور له في المسألة السورية التي بدت أكبر منه ومن قدراته ومن مؤسسته السياسية، وعلى مستوى المشاركة الأوروبية ربما أنه أدرك دوره الحقيقي كوسيلة تستخدمها أوروبا بعض الوقت من أجل ترويج الفوضى في منطقة الشرق الأوسط، والداخل فبعد إقصاء كبار المفكرين والكتاب، وقهر المعارضة رغم التظاهرات التي لا تنتهي هناك، أصبح اليوم في مسعاه للانفراد بالحكم بغير مشاركة حقيقية، وعلى المواطن التركي أن يستفيق إلى مصيره مع حاكم مثل أردوغان بدا متخليا عن ديموقراطية وطنه وراح يروج لها في الشرق الأوسط مهرولا صوب أوروبا من أجل اعتراف سياسي يضمن بقاءها وسط الكيانات الأوروبية الكبيرة.

د.بليغ حمدي إسماعيل

مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

Print Friendly
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , , , . Bookmark the permalink.