مواجهة مع شهريار

د. إلهام مانع   

وددتُ يا سيدي لو فكرتَ مرّة.

لو استخدمت خلايا عقلك كما أراد الخالِقُ لها أن ُتستخدم…أعني في التفكير. 

لو كففت عن الهروب إلى الخلف والتعلّق بحبال الماضي… والخوف.

لو تعاملت مع الحياة على أنها رهنُ إرادتك. 

وأدركت أن مصيرَك بيدك أنت. 

أنت الذي تخلقه وأنت الذي تُميته. 

لو نظرت إلى الواقع كما هو، 

ببشاعته…وجماله، 

بفقره… وإمكاناته.

ونظرت إلى نفسك كما هي، 

بلا تضخيم أو تهويل، 

كما أنت. 

لأنك يا عزيزي عندما تنظر إلى المرآة يُعجُبك ما تراه. 

وهذه مُصيبة.

وتتمعن في تقاطيع كينونتك وأنت مبتسم مبهور، 

وتقول لنفسك

“آه ما أعظَمني… ما أروعَني… وما أكثرَ الحاسدين”.

وهذه كارثة. 

وتخاف من ظّلك وأنت مع من تسميهم “هم”.

تنظر إليهم وتقول: “يريدون بنا الأفاعيل، يحقدون علينا، وطبعاً يريدون دمارَنا”.

وهذه داهية. 

وددت يا سيدي لو إستمعتَ إليَّ لوهلة، 

وكففت عن التشكيك في نّياتي، 

وتعاملتَ مع كلماتي بموضوعيّة.

لأنك حذفت من قاموسك تلك الكلمة “موضوعية”، 

ومعها أخواتها من “عقلانية” و”نقدية” و”منطقية”.

وأصبحت تحيا بمنطق اللاموضوعية، واللامنطقية، واللاعقلانية. 

وفقدتَ معهن مَلَكة الشك. 

ياحسرة العقل. 

قررت أن لا تفكر. 

ولم أعرف سواك أتخذَ قراراً عامداً متعمداً بعدم التفكير، 

ولم أعرف غيرَك هوى بسيفه على عقله ثم حفر قبراً له بيديه الاثنتين.

اكتفيت بالمؤامرة… كحلٌّ مريحٍ بسيطِ جميل.

آه ما أجملَ الأجوبة السهلة. 

ما أرطب وقعَها على النفس. 

مريحةٌ إلى حدِّ الموت. 

مخدرةُ كالأفيون. 

لاتزُعجُ ولاتُقلقُ ولاتثيرُ الحواسَّ والمدارك. 

كأنك لم تكن. 

كأنك غيرُ موجود. 

كأنك غيرُ مسؤول. 

كأنك بلا إرادة. 

بلا ذاتٍ ولا مقدرة. 

قشةُ أو فتلة أو حتى بعوضة… بل لا شيء. 

هكذا تصوّرُ لي نفسك كّلما تحدثت عن المؤامرة. 

هكذا تقول لي عندما تتحدث عن “حقدهم”. 

وأنت الذي تحقد، 

وأنت الذي تغار، 

وأنت الذي تموت غيظاً، 

وتدعو الله ليلَ نهار أن يُسوّيَهم بالأرض، 

تدعوه أن يدكَّهم دكاً، لكنّه لايستجيب. 

يا سيدي أنا منك وفيك، 

ولعلي خيطٌ يصل بينك وبينهم. 

جسرٌ،

أو حلقةُ وصل.

سمّني ما شئت.

غير أني منك،

من كيانك، 

من صميم حزنك

وماء دموعك. 

فلو كنتُ غيرَ ذاك لما قذقت الصورة تلو الُأخرى أصفعها على وجهك، 

لما بصقت اللهب كُتلاً من نار على صفحات نفسك، 

لما صرخت بأعلى صوتي أسُألكَ أن تستيقظ،

أنا لا أراهن على غيري. 

راهنت عليك، عساك تُصدّق. 

ولم أُرِدْ طعنك. 

بل طعنتُ جُرحك، 

هل رأيت الصديد وهو يخرج منه؟

كما أني لم أكذب. 

بالله عليك هل تجنيت فيما قصصته عليك؟

هل افتريت؟ 

ألم أرُسمْ لك من نسيجٍ أنت الذي غزلته؟

نسيجُ فصّلته أنتَ على مقاسِ أهوائك ورغباتك. 

وغرستَ فيه أشواكاً ودبابيس

وأرغمتني على ارتدائه كساءا

دمائي تسيل لكنك تبتسم كالمعتوه وتقول: “هاك حُرّيتك. سوف تصونك من الغريب”.

رغم أنك تعرف أني أبحث عن حريةٍ تصونني منك أنت لا من الغريب. 

شهرزاد أنا يا سيدي، 

لكن حكاياتي لا تسعى إلى سُباتك،

أقصَّها عليك ياشهريار كي أقرع على أُذنك بدويِّ كالطّبول، 

فلاتنام. 

ثم أني لم ألعب على قناعتهم. 

فجُزءٌ كبيرٌ من صورتهم… موجودٌ فيك. 

وأنا وأنت أدْرى، 

فلا تكذب.ْ

كلُّ ما أردت قوله بسيط: “كلُّنا يا سيّدي في الخطيئة إنسان. 

وأنها هنا كما أنها هناك. 

لكنها لدينا أكبر، لأننا لا نريد أن نراها. 

وهي لدينا أعظم، لأن الخوف يُكمّم أفواهنا. 

وهي أفظع، لأن الصّمتَ لدينا دواؤها. 

وأننا يوم نُدرك ذلك سنواجه خطيئتنا… ونحيا. 

نحيا كما نريد، 

ونحيا بلا خطيئة”.

أنا الصّدى يا سيدي، 

صدى أنينك وانينها، 

لكن صوتي جَبله حُبّي لك ورحمتي بك، 

وحُبّي لها كان أعظم، 

ورحمتي بها كانت أشد،

وهي بضعٌ مني،

وهي الأنين، 

وهي النزيف،

ولذا فإن قلبي يدقُّ بنبضاتها، 

وصدري يتنفّس بهوائها، 

وليَتني كنت فداءها. 

ثمَّ إني القربان، 

قدمته لك طوعاً،

وهبته لك اختياراً، 

فأمنُتّك بالله أن لا تجعله يضيعُ هباءً، 

أقسمت عليك أن لا تركُلَه بقدمك كما ركلت كلَّ مَنْ أحبَّك، 

بل تمعن في كلماتي، 

دقّق فيها، 

وفكّر، 

استخدم عقلَك هذه المرّة، 

ثمَّ أغتسل بها بعد ذلك سبعَ مرّات، 

وقل “أدركت” بعد كل غسله. 

وتيمّم بحبري،

عفر جسدك به سبعينَ مّرة، 

ثم قل “عَقِلتُ” بعد كلَّ عفره. 

ثم أرجع عن الخطيئة

عُد عنها، 

وقل “سأفكر” لتصبح طاهراً. 

وكن “عاقلاً” كي تكون إنساناً، 

وقُلْ “عَزمت” كي تصبح رجلاً، 

وقُلْ “آمنت بوجودي” كي تكون شيئاً، 

ثم قُلْ “سأعمل” كي تكون جديراً بالحياة!

قُلْ “سأكون”

“سأكون إنساناً لا يلبس حلة شهريار”،

“ولا يسلط عليها سيفَ مسرور، 

“سأكونُ

إنساناً….

تثق فيه إمرأتُه.

يعيش بلاجوارٍ، 

يعيش بلا مؤامرة، 

يحترم الماضي، 

وحاضره مريض، 

لكن له مستقبل”. 

قُلْها كي أكون معك.

د. إلهام مانع (من “صدى الأنين”، دار الساقي، بيروت 2005)

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Isis' Daughters بنات إيزيس, إلهام مانع and tagged , , . Bookmark the permalink.