رؤية فنّية لفيلم “Inferno”.. البروفيسور لانجدون ينقذ العالم من «جهنم» دانتي

علاء حجازي   

“استغرق سكان الأرض 100 عام لكي يصل تعدادهم إلى مليار نسمة، ثم استغرق الأمر 100 عام أخرى لكي يصل تعدادهم إلى 2 مليار نسمة، ومرت 50 عامًا فقط لكي يتضاعفوا مجددًا، ثم تضاعفوا إلى 4 مليارات نسمة في عام 1970، ويصل تعدادنا حاليًا إلى 8 مليارات نسمة.

(نحن ندمر وبجنون كل مواردنا من الثروات، وإنّ كل ما نعانيه من أمراض مرجعه الأساسي إلى الانفجار السكاني). لماذا لا نتخد (نحن) إجراء حاسماً، وأن نعلن الإخصاء الإجباري، أو الحرمان من الخدمات لمن يزيدون نسلهم، أو نقضي عليهم.

إن نصف المخلوقات الحيوانية التي على الأرض قد اختفت خلال 40 سنة الماضية، لقد حدثت 4 كوارث كونية، وسيكون الانقراض الخامس هو انقراضنا نحن البشر، إن لم نتجه لقتل ثلث الكوكب أو نصفه لكي يعيش النصف الآخر بثروات كاملة دون مشاركة النصف المقتول أو المقضي عليها فيها. نحن مستمرون بلا هوادة في تدمير بيئتنا، ولسنا في حاجة إلى حدوث كارثة كونية لكي ننتبه إلى ذلك. لا شي سيغير سلوكياتنا سوى الألم، ربما الألم هو الذي سينقذنا، فالبشرية هي سرطان ينمو من داخلنا.

“ابحث.. واعثر” أو “اسكان آند فايند”

* فيلم “Inferno” أي “جَهنم” أو الجحيم، وهنا هو عنوان الجزء الأول من الرواية الشعرية لـ “دانتي” المُسمّاة الكوميديا الإِلهية، هو رائعة المخرج الأميركي رون هاوارد، ومن بطولة توم هانكس “البروفيسور روبرت لانجدون”، إلى جانب الممثلة فيليسيتي جونز، وعمر سي، وسيدس كنودسين، بن فوستر، والممثل البوليوودي الهندي عرفان خان في دور مستر سيمنز. “الجحيم” أو “جهنم” هو فيلم غموض وإثارة من إخراج رون هاوارد، ومن كتابة دافيد كويب على أساس رواية تحمل نفس الاسم في 2013 بواسطة دان براون، والفيلم هو تتمة لفيلم ملائكة وشياطين (Angels & Demons) 2009، وفيلم ( Vinci Code The Da شفرة دافنشي 2006).

تم التصوير في البندقية، وفلورنسا، وبودابست، وإسطنبول بتركيا، وباديا فيورنتينا – كنيسة دير الرهبان، وهي تقع وسط مدينة فلورنسا الإيطالية، وهي حالياً مقر رابطة أخوية القدس، وموسيقى هانز زيمر.

تحكي قصة الفيلم عن الملياردير الأمريكي برتراند زوبريست، المتخصص في الهندسة الوراثية، قال إن الإنسانية هي المرض وجهنم هي العلاج.

وبداية الفيلم نجد مشاهد العذاب وتخيل النار في الآخرة “جهنم” رجال وسيدات على وجوههم دماء وفقاقيع ودمامل، ووجوه مقلوبة. فتظهر الطبيبة الإيطالية سيينا بروكس حبيبة الملياردير الأمريكي ورفيقة البروفيسور روبرت لانجدون.

يجد البروفيسور لانجدون أنبوبة بيولوجية تفتح ببصمة يده هو فقط فيفتحها ويجد بها أنبوباً مصنوعاً من العظم، وعليه رسمة شيطان بثلاثة أفواه مفتوحة، وقد انتشرت هذه الرسمة في القرون الوسطى، وترمز الأفواه المفتوحة وإلى شراهة الطاعون في التهام البشر، لأنّ الرسمة لها صلة بما ينتاب البروفيسور لانجدون من رؤى، فيضغط على الأنبوب العظمي فيخرج منه ضوء به رسمة عندما تسلطه على الحائط والغرفة مظلمة تظهر لك تفاصل الإضاءة، وهي لوحة للرسام بوتيتشيلي؛ وهو رسام إيطالي من عصر النهضة، وهي لوحته المسماة خريطة جهنم، رسمها كإيضاح لقصيدة دانتي بعنوان: “جهنم” وهي الجزء الأول من رواية دانتي الشعرية “الكوميديا الإلهية”.

فدانتي هو الذي بلور لنا فكرتنا المعاصرة عن جهنم، والفكرة هذه لم تتغير منذ أن قدمها دانتي منذ 700 عام مضت، والرسام بوتيتشيلي رسمها، ولكن دانتي هو الذي خلق جهنم التي نعرفها التي فيقذف فيها ويحدث بها “أشخاص معذبون وآثمون، ودعاة الباطل، وكذابون، وملطخون بالطفح الجلدي – وعرّافون أيديهم معكوسة ورؤسهم معكوسة أيضاً – وثعابين لعقوبة السرقة”، وذلك عذاب لثمن آثامهم.

*تفاصيل للوحة:

تظهر مسافة هنا هي المستوى الثامن لجهنم دانتي تسمى ماليبولج، أي خنادق جهنم، هناك 10 مستويات وتفصيل للحروف التي عليها رسومات أشخاص بأحجام صغيرة عراة، وداخل كل شخص حرف والذي يرمز لعذابه، ومنها R، وe ويرمز إلى المراودين الذين يجلدون بالسياط، وc إلى المثابر: وهو واحد من العامة محاط بالقار المغلي، وهناك حروف مثل A- T – V ، وهناك جملة مكتوبة في آخر اللوحة (يمكن إبصار الحقيقة.. فقط من خلال عيون الموت)، توقيع برتراند زوبريست، وهو ملياردير أمريكي متخصص في الهندسة الوراثية ومشهور بآرائه المتطرفة. 

يبدو أنّ “زوبريست” كان عميلاً لجهة أو منظمة أمنية عابرة للقارات تلعب مع أطراف عدة ودولاً ومنظمات مشتركة، وفي بعض الأحيان هي من تصنع الحدث وتخضع العميل لأهدافها وتسوق هذا السلاح أو هذا المرض لخدمتها هي أو لجهات أجنبية أخرى، فتختطف البروفيسور لانجدون بعد من موت الملياردير الأمريكي زوبريست ووضعه الطاعون القاتل في حالة خاملة وفي يد أتابعه لكي يجدوه ويفَعّلوه ويطلقوه للعالم. وهنا لا تجد منظمة CRC بداً سوى خطف البروفيسور لانجدون لفك طلاسم وأحجيات وألغاز رسمة وخريطة جهنم لفك ألغازها وإيجاد الطاعون القاتل، فتخطفه من بوسطن بأمريكا، وتحقنه بمادة مثبطة للأعصاب وتفقده التركيز والذاكرة المؤقتة لكي يساعدها بعد إفاقته من تأثير الحقنة وجرحه برأسه عن طريق إيهامه بأنه أطلقت عليه رصاصة بالقرب من رأسه لكي يثق في عملاء المنظمة ويجد لهم خريطة جهنم ويعثر لهم على مكان الطاعون القاتل قبل إطلاقه على العالم وانتشار وحصد ملايين الأرواح، وتبدأ الأحداث في التوالي والمطاردات في شوارع فلورنسا بإيطاليا، وأنه مطارد من شرطية إيطالية وعملاء الـ”إف بي آي”، ورجال منظمة الصحة العالمية وعملاء منظمة CRC، وفي الوقت نفسه هو هارب مع حبيبة الملياردير المقتول زوبريست الطبيبة سيينا وبروكس، ويفك معها شفرة وألغاز رسمة معركة الموت الموجود في قاعة الخمسمائة بقصر ومتحف فيتشيو بفلورنسا الإيطالية، فيتّجه إلى هناك ليشاهد جدارية فاساري “معركة ماركيانو”؛ وهي لوحة جدارية شهيرة للرسام جورجيو فاساري اسمها معركة ماركيانو، وفي أعلى الجدارية توجد رسالة مشفرة تعتبر من أشهر ألغاز الفن في العالم، وتوجد في الجدارية كلمات على راية يحملها فارس مكتوب عليها “ترتشا تروفا” أي “ابحث واعثر”، أي “الحقيقة يمكن إبصارها فقط من خلال عيون الموت”، ثم يتّجهان إلى قناع الموت لدانتي الذي يوجد في الدور العلوي للقصر، فيتجهان له فلا يجدانه ليكتشفا أنه تمت سرقته من قبل صديق د. لانجدون اسمه “انغناسيون” وقد تركه، ثم يتجه هو والطبيبة سيينا بروكس إلى صحن المعمودية، وهي كنيسة عُمّد فيها دانتي وهي “معمودية القديس جيوفاني”، فيتجهان إليها وإلى البئر الموجود بها ليجدا قناع الموت في البئر، فيأخده ويفتحه فيجد على ظهر القناع كتابة تقول: “ابحث عن الكلب الخائن لمدينة البندقية (فينسيا)، الذي بتر رؤوس الجياد.. اركع في رحاب المتحف الذهبي للحكمة الإلهية واستمع إلى صوت تقاطر المياه، واغطس في أعماق القصر المغمر بالمياه، حيث الوحش القادم من العالم الآخر قابع ينتظر الطاعون ذاته تحت المياه.. غارقًا في مياه بلون الدم.. للبحيرة الملحية التي لا تنعكس عليها أضواء النجوم”.

السيدة التي كانت بصحبة البروفيسور في أحلامه التي يراها من وقت لآخر عندما ترجع ذاكرته هي “إليزابيث سينسكي” من منطمة الصحة العالمية وهي حبيبة د. لانجدون من أيام الشباب والجامعة، وقد افترقا منذ زمن لظروف عمل كل واحد منها، وهي قد جاءته ليفك لها شفرة الأنبوب العظمي الذي فيه الرسمة “جهنم”.

وتتوالي الأحداث في الفيلم ويذهبوا إلى فينيسيا لأنّ فيها أصل كلمة الحجر الصحي وهي “كارنتا فورتي”، وتماثيل الجياد مقطوعة الرؤوس التي تم نقلها ووضعها في فينيسيا، ولكن الشخص الذي قطعها هو “إنريكو داندولو”، وهو الشخص الذي خدع الفينيسيين وورّطهم في الحملات التبشيرية، وكان من المفترض أن يبحر بسفنه إلى مصر ولكنه تسلّل خلسة إلى كونستانتينوبول؛ فيكتشف البروفيسور لانجدون أن الملياردير المتطرف زوبريست وضع فيروس الطاعون القاتل في “المتحف الذهبي للحكمة الإلهية”، وهو عندما توفي “داندولو” لم يدفن في فينيسا بل في “الحاجة صوفيا” في إسطنبول، وأنهم ليسوا في المدينة المطلوبة ولكنها إسطنبول في تركيا، فتخونه حبيبة الملياردير بعد أن تعرف أين تم وضع الطاعون القاتل، وهي في الوقت ذاته بعد وفاة حبيبها ذهبت للمنظمة الوسيطة لتخبرهم بأنها من أنصار الملياردير المتطرف وتريد أن تعرف أين هو الطاعون القاتل، فيساعدوها، واستخدموها أيضاً لسبك وحبط الخطة بالإيقاع بالبروفيسور لانجدون لإقناعه بأنه مطارد لكي يستفزوا ملكاته في فك الشفرة وألغاز الأحجية، ومن غير البروفيسور روبرت لانجدون قادر على فكّها. فينطلق “سيينا بروكس حبيبة الملياردير” إلى تركيا لإخراج الطاعون القاتل – الفيروس المميت – لكي يخرجوه للعالم، ويذهب وراءها البروفيسور لانجدون ورئيسة منظمة الصحة العالمية، ومستر سيمنز رئيس منظمة CRC في مطاردة في إسطنبول. وسبب اختيار إسطنبول لإطلاق الفيروس هو أنّها المدينة التي تفصل بين الشرق والغرب، أي المركز الرابط بين الشرق الأقصى والغرب وأوروبا، فيسهل انتشار الفيروس في العالم سريعاً، وسيصاب 95% من تعداد سكان الأرض بالفيروس خلال 48 يوماً فقط، فيذهبوا لمسجد “الحاجة صوفيا” أو “آيا صوفيا” بإسطنبول حيث إنّ الفيروس موجود في كيس زجاجي مربوط بأحد أعمدة نظام تنقية المياه بالمركز العمومي، وهو خزان المدينة الذي تتجمع المياه إليه عندما تتشبع الأرض بالمياه، فيجدوا أنّه تم وضع الفيروس في القصر الغارق أسفل متحف ومسجد أيا صوفيا فيذهبوا إلى “سراي يرباتان” أي القصر الغارق، فتحدث مطاردة وقتال بين أتباع سيينا بروكس وأفراد منظمة الصحة العالمية ومستر لانجدون، فيتم قطع الاتصالات عن المكان لكي لا تنفجر القنبلة وينتشر الطاعون في الهواء عبر نظام تنقية الهواء البيولوجي، فيتم في نهاية القتال والمطاردة بين محاولة احتواء الفيروس قبل تفجير القنبلة ووضعه في زجاج مصفح ومأمن بيولوجياً، فينجح الأمر في النهاية في إنقاذ المدينة والعالم من خطر وشر الطاعون القاتل. 

وفي النعاية نستخلص من الفيلم أن منطق جماعات الظلام دائماً أو الأنانيين في العيش والتحكم بثروات ومصائر البلاد هو أنهم يقولون “إن الكثير من البشر سيموتون ولكننا سنتجنب تفاقم الأزمة وهذا ما تنادي به طبيعة الكون، والمشكلة لن تهدأ بشكل مفاجئ بل ستحل بصفة نهائية عن طريق إفناء نصف البشرية أو إبادتهم لكي يحيا النصف الآخر منعماً بالثروات، وأنّ كوارث كونية تحدث لتقضي على نصف البشرية ليعيش النصف الآخر”، ولكنّه ليس منطقاً صحيحاً، ويقولون أيضاً 

“فعندما لا يتدخل الله يتدخل أفراد لكي يهلك ثلاثة أرباع البشرية ويحيا من معه المصل أو العلاج أو من يستطيع أن يعيش أو من معه الأموال لكي يستطيع العيش”.. وهذا للأسف منطق الطغاة.. وهناك أيضًا منطق آخر للبشر وهو أنّ العبقرية عندما يساء استغلالها تمنح المستغل مسؤولية اتخاذ القرار في الوقت الذي يمتنع فيه الآخرون عن اتخاذ القرار. وهناك أيضًا منطق آخر وهو “الحب” فبدافع الحب للإنسانية والعشق للكون تحتم عليك فعل أي شيء من أجل إنقاذه، ولكنه مردود عليه بـ”إن أعظم الخطايا في تاريخ الإنسانية قد ترتكب باسم الحب”.

This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب and tagged , . Bookmark the permalink.