الديمقراطية بين يأس السياسيين وتفاؤل المثقفين

مؤمن سلام    

يسيطر على من شاركوا في ثورة 25 يناير 2011 حالة من الاحباط واليأس بعد أن تبددت أحلامهم في تغيير الأوضاع في مصر وانتقالها إلى دولة ديمقراطية حديثة تحمل قيم الحرية والعدالة وسيادة القانون وكرامة الإنسان. ففي المرحلة الأولى للثورة نجحت جماعة الإخوان المسلمين في القفز على أكتافهم ومن ثم القفز على السلطة بمساعدة حليفهم اللدود تنظيم الظباط الأحرار، فسعت الجماعة للإنفراد بالسلطة واستبدال الحزب الوطني وريث الاتحاد الإشتراكي بجماعة الإخوان المسلمين، فكان من الطبيعي أن تنفجر الأوضاع في وجههم خاصة أنهم كانوا من الغباء أن اعتقدوا أنهم أصبحوا أقوى من تنظيم الظباط الأحرار وبالتالي يمكنهم الإطاحة بالجنرالات من المشهد السياسي والاقتصادي، فكانت 30 يونيو وما تلاها من أحداث. 

وفي 30 يونيو أعتقد الثوار السياسيين أنهم استعادوا الثورة وأن مصر الديمقراطية الحديثة قاب قوسين أو أدنى ولكن المفاجأة الكبرى لهم ولنا أن جنرالات الجيش المصري كانت لديهم خطط أخرى لإستعادة السيطرة الكاملة على السياسة والاقتصاد بعد أن فقدوا الكثير منها في أواخر عصر مبارك وصعود نجم جمال مبارك والليبراليين الجدد وحتى 30 يونيو 2013، عندما تم الاطاحة بالاخوان وتغفيل الثوار والجماهير. أحداث من الطبيعي أن تصيب ثوار السياسة بالاحباط.

لماذا؟

لأنهم ببساطة ثوار سياسيين فقط لا غير. بمعنى أنهم تصوروا أن التغيير السياسي يتم بمعزل عن التغيير الثقافي والاجتماعي. فعندما تتابع كلمات وكتابات وحوارات قادة يناير 2011 ستجد أنك أمام شخصيات محافظة يغلب عليها الأفكار القديمة التي تتراوح بين أفكار دينية وأفكار ناصرية حتى من رفعوا منهم اللافتة الليبرالية كانت كلماتهم وأفعالهم تثبت كذب هذه اللافتة. فقد ظلت السلطة الأبوية بشكلها الديني والإجتماعي قابعة في داخلهم يخضعون لها أحيانا ويحاولون ممارستها في أحيان أخرى، فقد تخيلوا أن التغيير والتحول نحو الديمقراطية يمكن أن يتم دون تبني قيم الحداثة فقد خرج بعضهم يهاجم أحد قيم الحداثة وهى العلمانية، والبعض الأخر خرج ليضع حدود على الحريات، والبعض الأخر خرج يطالب بتأميم الاقتصاد، لقد سعوا لتغيير سياسي غير مدركين لشروط هذا التغيير الاجتماعية والثقافية، فكان الفشل نصيبهم، ولأنهم لا يروا إلا التغيير السياسي لذلك تجدهم الآن محبطين يائسين.

على الجانب الأخر يقف الثوار الثقافيين الاجتماعيين، من يرون أن التغيير السياسي سواء عن طريق الاصلاح أو الثورة هو نتاج تغيرات اجتماعية وثقافية، فالنظام السياسي لأى مجتمع هو انعكاس لثقافة المجتمع وأن التغيير الحقيقي الجذري ينبع من تغيير ثقافة المجتمع، وهو ما يفسر فشل كل ثورات المصريين خلال المئة عام الماضية فقد كانت كلها ثورات سياسية ولم تمس بنية الثقافة المصرية السائدة وخاصة النظام الأبوي في اشكاله المختلفة.

لذلك تجد الثوار الثقافيين الاجتماعيين متفائلين الآن ومقتنعين أن التغيير السياسي قادم لا محالة، فهم يرصدون تغيرات اجتماعية وثقافية هائلة ومتسارعة في المجتمع المصري وفي الذهنية والوعى المصري خلال الست سنوات الماضية، يرون الإنهيار المتسارع للنظام الأبوي في المجتمع المصري، يرون الانحسار السريع للثقافة الدينية في مقابل تنامي متسارع للثقافة العلمانية، يرون تراجع مستمر للثقافة الذكورية في مقابل تنامي مستمر للحركات النسوية، يرون تنامي مستمر ومتصاعد لقيم الحرية والفردانية، ببساطة هناك رغبة متنامية خاصة لدى الشباب في الخروج من القرون الوسطي ودخول عصر الحداثة.

هذه تغيرات لا نرصدها نحن فقط بل يرصدها العالم الخارجي أيضا، قد نختلف على مدى سرعة هذه التغيرات وعلى مدى عمقها، ولكنى لم أرى أحد يختلف على أنها واقع يحدث في مصر. لذلك أقول دائما: مصر الديمقراطية الحديثة جاية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.