أين تنتهي حريتي؟

مؤمن سلام   

“تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الأخرين”

“أنت حر ما لم تضر”

مقولات نرددها باعتبارها مسلمات تحدد لنا إطار وحدود حريتنا، نفهم معانيها ضمنيا، وأن هدفها عدم التعدي على حرية الأخرين، وعدم الإضرار بهم ضررا ماديا. إلا أن التجارب أثببت أن في اللغة العربية لا يجب أن نترك أى مفاهيم معرفة تعريفا فضفاضا، وأن كل مصطلح يجب تأطيره تأطيرا صارما يضمن عدم الخروج بهذه المصطلحات عن مفهومها العلمي أو الفلسفي. وتزداد أهمية تحديد هذه المفاهيم عندما يتعلق الأمر بمفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية والتعايش وقبول الأخر والسلام. فمازالت الكثير من التيارات السياسية المعادية لهذه المفاهيم خاصة الفاشيات الدينية والعسكرية، تتلاعب بهذه المصطلحات والقواعد لتجعلها في اضيق حدود ممكنه، لكى تحافظ على سلطاتها الدينية والسياسية.

فعندما نقول تنتهي حريتي عندما تبدأ حرية الأخرين، هنا يجب أن نسأل، أين تبدأ حرية الأخرين لتنتهي حريتي؟ في ثقافات منفتحة تحمل قيم الحداثة وتؤمن بالحريات وحقوق الإنسان تصبح هذه القيم هى حدود الحرية المتعارف عليها والمضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتقف الدولة حارسة على هذه الحدود وهى أول من يحترمها في ظل قيم سيادة القانون. أما في الدول المستبدة والمجتمعات الأبوية المنغلقة تصبح حدود الحرية هى حدود القوة والسلطة. فصاحب السلطة الأبوية دينية كانت أو إجتماعية أو سياسية يصبح هو المحدد لهذه الحدود عن طريق رسم حدود حريته هو ويصبح على بقية المجتمع أن يرسم حدود حريته وفقا لحدود حرية الزعيم والأب ورجل الدين. وكلما اقترب الإنسان من السلطة حصل على مساحة أكبر من الحرية، وكلما ابتعد ضاقت مساحة حريته، ولابد أن نلاحظ هنا أن الحرية هنا ليست فقط الحريات السياسية ولكن أيضا الحريات الاقتصادية والاجتماعية والدينية والثقافية، والسلطة ليست السياسية فقط ولكن السلطة الدينية والاجتماعية أيضا. وهكذا يستخدم أعداء الحريات، هذه المقولة لتقييد الحريات عن طريق توسيع مساحة حرياتهم، وبالتالي إجبار الأخرين على تضييق مساحة حريتهم إحتراما لحرية الفئات المسيطرة، التى تغولت وتوحشت، حتى أصبحت فوق القانون والدستور والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

كذلك، يستخدم الفاشيين المقولة الثانية لكبت حريات المجتمع بأن ضموا إلى الضرر المادي، الضرر المعنوي. وهو ضرر لا يمكن قياسة ولا التعرف عليه، لذلك أصبحت وسيلة فعالة يستخدمها رجال الدين وحراس الفضيلة لإرهاب دعاة الحريات وتصويرهم في صورة من يؤمن بشيء ويفعل عكسه. فأصبح كبت الحريات، خاصة الدينية والإجتماعية، يتم باسم عدم الإضرار المعنوي بأصحاب الفضيلة والقداسة. وأصبح لدينا نصوص قانونية تفرض عقوبات مادية على ممارسات لا يمكن قياس ضررها المعنوي على المدعين، فهناك من يفقد حريته أو حياته بتهم مثل “خدش الحياء العام” أو “إزدراء الأديان” أو “محاربة الله ورسوله”. وهناك من يتم التمييز ضدهم مثل غير المحجبات أو المفطرين في رمضان أو شاربي الخمور لأنهم يجرحون المشاعر المرهفة لمدعي الفضيلة، فيتم انتهاك حقوق فئات من المواطنين حفاظا على مشاعر أصحاب السلطة الدينية.

لذلك، لابد من وضع تعريف دقيق لحدود الحريات في مجتمعات ودول تتآمر على الحريات، وأقترح التعريف التالي:

تنتهي حريتي عندما أضر بالأخرين ضررا ماديا.

Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.