تفكك التحالفات الداعمة لفلسطين وإسرائيل… طريق السلام؟

مؤمن سلام   

منذ قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 نوفمبر 1947 القاضي بتقسيم أراضي فلسطين التى رسمت حدودها بريطانيا عام 1921 إلى دولتين، إسرائيل وفلسطين، على أن تظل القدس وبيت لحم مناطق مستقلة خاضعة لإدارة دولية، انقسمت القوى الإقليمية والدولية إلى فريقين، فريق يدعم دولة فلسطين وفريق يدعم دولة إسرائيل. 

فمع صدور قرار التقسيم وانتهاء الانتداب البريطاني وإعلان دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، دخلت الجيوش العربية مصحوبة بمئات المتطوعين إلى فلسطين في محاولة لمنع تطبيق قرار الأمم المتحدة والقضاء على إسرائيل في مهدها، وبالرغم من تهالك تلك الجيوش وضعفها إلا أن الحكام في ذلك الوقت لم يستمعوا للأصوات المعارضة داخل دولهم بقبول قرار التقسيم وإعلان دولة فلسطين المستقلة، فقد أرادوا تحقيق نصر وزعامة كاذبة بعد أن روجوا وصدقوا أن المليشيات الإسرائيلية هى مجرد عصابات يمكن محوها من الوجود في عدة أيام، ولكن ما حدث عكس ذلك، بعد أن عادت هذه الجيوش والمتطوعين مهزومة مأزومة، ولتصبح إسرائيل أكبر من قرار التقسيم، عندما منحتها الأمم المتحدة 56% من الأرض فأصبحت على مساحة 78% منها، وأصبحت الضفة الغربية تابعة للأردن وقطاع غزة تابع لمصر. وهنا لابد أن نطرح سؤال، لماذا لم تعلن دولة فلسطين في الضفة وغزة في هذا الوقت؟

على الجانب الأخر انحازت الدول الغربية والقوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لدولة إسرائيل لحمايتها من الأعداء المحيطين بها من كل مكان بعد أن قدم العرب دليل مادي على هذا العداء برفض قرار الأمم المتحدة واعلان الحرب على إسرائيل منذ اللحظة الأولى. فقدمت هذه الدول الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للدولة الوليدة، وشاركت دول مثل بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل في حرب السويس 1956. وقامت فرنسا بتقديم أكبر الدعم العسكري لإسرائيل خلال الخمسينات والستينات ولعل في مشاركة فرنسا في بناء القوة النووية الإسرائيلية مؤشر على قوة هذا الدعم ولا محدوديته، والذي قد يرجع أحد أسبابه إلى الانتقام من موقف مصر الناصرية ضد فرنسا في الجزائر. 

وقد حدثت بعض التحولات والتغيرات في هذه التحالفات الداعمة لفلسلطين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، مثل اعتراف إيران بإسرائيل عام 1950 وسحبها الاعتراف عام 1979، ومشروع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في عام 1965 بحل القضية الفلسطينية على اساس قرار التقسيم، وتراجع فرنسا عن دعمها المطلق لإسرائيل واتباعها سياسات أكثر حيادية، واتخاذ الاتحاد السوفيتي موقف أكثر تشددا من إسرائيل بعد حرب يونيو 1967، وقرار الأمم المتحدة 242 الذي يطلب من إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967، أو التحول الكبير في الموقف المصري عام 1977 بانهاء الحرب مع إسرائيل وتطبيع العلاقات بين الدولتين، كما جاء الضغط الدولي على فلسطين وإسرائيل لحضور مؤتمر مدريد 1991 وبدء عملية تفاوض مستمرة حتى الآن دون أى نتيجة بالرغم من توقيع اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، واعتراف أغلب دول العالم والكثير من الدول الأوروبية بدولة فلسطين. 

بالرغم من كل ذلك لم يحدث أى تغير حقيقي في موقف الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية من عملية السلام وتسوية الأزمة بينهما، ولعل ذلك يرجع إلى أن الدولتين تعرفان أن مواقف الدول الداعمة لكل منهما لا يمكن أن تتغير تغيرا دراماتيكيا لينقلب من مع إلي ضد، فهما متأكدتان أن لضغط هذه الدول عليها حدود وأن لمعارضتها لسياسة أى منهما خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها، فبالرغم من إقامة مصر والأردن لسلام مع إسرائيل لكنهما ظلتا منحازتان للموقف الفلسطيني، وبالرغم من رغبة الولايات المتحدة وأوروبا في حل المشكلة واحلال السلام واعتراف الأوروبيين بدولة فلسطين والولايات المتحدة بالسلطة الفلسطينية، إلا أنهم متحيزون لإسرائيل، وهو ما ساهم في تبني كل من الدولتين لمواقف متشددة تجاه الأخر وتضييع الطرفين لأكثر من فرصة لإنهاء الصراع وإعلان دولة فلسطين جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل، بعد إنسحاب إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة، فكل دولة منهما تعرف أن حلفائها لن يتخلوا عنها.

إلا أن على ما يبدو أن هناك تغيرات تلوح في الأفق فيما يتعلق بالتحالفات الداعمة لإسرائيل وفلسطين، وأنها قد تشهد تغيرات جذرية تقول أنه ليست هناك خطوط حمراء وأن عصر الدعم اللامحدود قد انتهى. 

فمنذ اندلاع ثورات الربيع العربي اصبح هناك لا مبالاة لدى شعوب المنطقة بما يحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهناك شعور متنامي بالملل من هذا الصراع وانه قد ساهم في تعطيل عملية التنمية في دولهم بعد أن رفع الطغاة في الدول الناطقة بالعربية شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، كما أن سقوط الإعلام في هذه الدول لم يجعل له التأثير القوي القادر على حشد الجماهير تجاه قضية ما، فبالرغم من كثرة الحديث عن المؤامرة الصهيونية على المنطقة إلا أنه حديث لم يلقي أى قبول سوى في فئات عمرية متأخرة وثقافات أكثر ضحالة وانغلاق. بالإضافة إلى الملل الشعبي من الصراع وانحياز كل مجتمع إلى مصالحه الذاتية بعيدا عن الشعارات القومية والدينية، بدأت الحكومات أيضا في الشعور بأن الصراع الفلسطيني والإسرائيلي لم يعد مادة تسويقية ناجحة وأن العداء لإسرائيل لم يعد يمنح أى شرعية سياسية، لذلك بدأت تدخل في تحالف شبه علني مع إسرائيل وتوجه انتقادات حادة للسلطة الفلسطينية بل وتعمل على تغيير محمود عباس، في محاولة لإيجاد قيادة قادرة على السيطرة على المشهد الفلسطيني للدخول في مفاوضات جديدة مع إسرائيل وصولا إلى حل نهائي للصراع.

على الجانب الأخر أيضا شهدنا ارهاصات للتغير في الموقع الغربي من دعم إسرائيل. من الناحية الشعبية هناك موجه رفض متصاعد للتعامل من دولة إسرائيل وحملات مقاطعة لمنتجات المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وقيام بعض الجامعات الغربية بقطع علاقتها العلمية مع الجامعات الإسرائيلية، وهو ما أفرز في النهاية مطالبة بعض البرلمانات لحكوماتها بالاعتراف بدولة فلسطين. إلا أن المشهد الأخير في مجلس الأمن وعدم استخدام الولايات المتحدة للفيتو لمنع قرار مجلس الأمن بمطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان هو المؤشر الأخطر على انهيار التحالف الداعم لإسرائيل. ففي مسألة المستوطنات، كانت الولايات المتحدة تعارض دائما إقامتها إلا أنها كانت ترى أنها جزء من المشاكل التي يتم حلها في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وليس عن طريق قرارات من مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن هذا تغير الآن، بل لقد اتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنامين نتانياهو الرئيس أوباما أنه قد شارك في التنسيق لهذا القرار، ما يعني تغير كبير وجذري في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.

نحن أمام مشهد جديد يقول أن العالم قد مل من هذا الصراع الذي لا ينتهي ولا يرغب أطرافه في إنهائه وأنه قد حان وقت التخلي عن الطرفين وتركهما يخوضان الصراع وحدهما وتهتم كل دولة بمصالحها وأمنها القومي الخاص، بعيدا عن هذا الصراع الذي يدور في دائرة مفرغة من العنف والتفاوض وتشدد والتطرف. فهل يكون انهيار هذه التحالفات وتخلى كل تحالف عن الانحياز لأحد الطرفين قوة ضغط فاعلة تدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات والوصول لتوافقات تنهي الصراع ويربح منها الشعبين؟

This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.