وَجِيْزٌ مِنْ مَقَامَاتِ العَارِفِ صَوْبَ يَقْظَتِهِ

نَص / د. بليغ حمدي إسماعيل   بليغ

( 1 )

فِي حَضْرَةِ أعْوَامٍ مُنْصَرِمَةٍ مَسَاحَاتٌ بَعِيْدَةٌ ؛

مِن الدَّهْشَةِ ، والمُوسِيقَى ، وهَوَسِ اللُّغَةِ المَنْسِيَّةِ،

وقَلِيْلٍ من الحِكْمَةِ ، ونُدْرَةٍ من خَوْفٍ ،

أقُولُ لِي مُنْفَرِدًا : اطْمَئِن ، فأناً مِلْكُكَ أبَد الوَجْدِ ..

فِي حَضْرَةِ نصِّ لَهُ الحُضُور خُطُوطٌ مُضْطَرِبَةٌ ؛

أشَارِفُ القَصِيدَةَ .. فَتَكْتُبُنِي عَصِيَّةَ التَّأوْيِلِ ،

وأعَانِدُ عَدسَةَ الكَامِيرَا .. فَتَلتَقِط لَحْظَةَ حَيَاءٍ ،

وأسْرِقُ الدَّهشَةَ مُنْفَرِدَاً .. فأَتَجَلَّى صُعُودَاً…

فِي حَضْرَةِ أرْبَعِين عَامَاً آنَ الوَقْتُ لِأبْوَابٍ أخْرى ؛

أنْ أزْهَدَ فِي الرَّحْبِ ، وللدَّهْشَةِ اتِّسَاعٌ ،

أنْ أقَاوِمَ بَرِيدِيَ الإليكْتِرُوني ، فأعْصِفُ بِالنَّوْمِ،

مُضْطَرِبَاً أجِئُ .. وأسْتَدِيْرُ للصَّهْرِ ….

( 2 )

وَقْت إسْقَاطِ القُبْحِ تُؤْلِمُنَا أسْئِلَةُ الأمْسِ ؛

مَن سَرَقَ ذِكْرَيَاتِنَا مِنْ صُنْدُوقِنَا السِّرِّيِّ ؟

وَمَا الذِّي دَفَعَنَا للسَّاحِلِ ونَحْنُ نَخْشَى المَوْجَ ؟

هَاكُمُو حَوَائِطُنَا المُصْمَتَة .. فَمَنْ يَجْرُؤ عَلىَ النَّقْشِ ؟ ..

تَأْتِيَ الوُجُوهُ أكْثَرَ غَضَبَاً ؛

تَنْفَضِحُ اللَّذَّةُ فِي شَكْلِهَا المَرِيْرِ ، ويَخْطُو القَلْبُ مُتْعَبَاً كَالحَاجِبَيْنِ ،

تَشْهَقُ الرِّئَةُ بالمُثَنَّى ، وجُمُوعِ التَّكْسِيْرِ النَّادِرَةِ ..

تَهْتَزُّ الرِّياحُ يَقِيْنًا ؛

مَا عَادَ الصَّبِيُّ كَعَادَتِهِ أَجِيْرَاً للَوَقْتِ ،

هُوَ فِتْنَةٌ ، وثَمَّةُ خَتِمَةٍ مِن الصَّحْوِ ،

اليَقِيْنُ أنِّي مُبْتَدَأٌ ؛ هَارِبٌ مِن تَمَامِ خَبَرِهِ ..

( 3 )

والشَّارِعُ يعبرُ بي نُقطةَ ضَوءٍ ،

لا مَلامِحَ للرَّصيف ناحِية اليَسَارْ ..

هكذا أراهُ لَيلاً ونهارْ

وهكذا تْصْدحُ التَّجْرِبةُ في أذني ،

” أنا سيِّدُ هذا العالم ” ..

أدقُّ ، أدقُّ بعنفٍ ،

ولا أقبلُ أن أكونَ عَازفاً فَقِيراً ، يطلبُ هُتافاً كزَعيمٍ مخلوعٍ

فصَباحٌ جميل يا أصْدِقائي ، خَارجاً عن هُويَّتكم ،

أنا رَجُلٌ لا يَقبلُ مُساومةً في جماهيريَّتِه ،

واللُّغةُ ، أصْنعها كيفما أشاءُ ..

فالنَّصُّ أنا ، واللغةُ مصنوعةٌ من هَوسٍ ويَقينْ ..

( 4 )

عادةً ، أغيِّرُ الطَّرِيقَ ، فأسِيرُ في شَارعِ ” عدنان المالكي “،

قلَّما صَادفتُ نِسائي بهذهِ الطريقِ ،

ويُدهشني أن تاجِراً لا يبيع السَّجَائرَ ،

وأكثر دهشةٍ ، أني أدخِّنُ كَطقْسٍ بِدائيٍّ ..

أعجَب ، أنَّه لا تَاريخَ لي يَكتبه السَّلَفُ ،

فالأوراقُ بيَدي بندقيَّة ،

والأقلامُ شُهداءٌ لا يموتون ..

وأَعْجبُ ، حينما أشرُعُ في الرَّسمِ ،

فأرسم دولةً ؛

لا حُدودَ لا ، لا تُخومَ لهَا ، لا جَيشَ لهَا ،

بغير رايةٍ ،

ولا هَوسٍ ، ولا أطفالٍ ، ولا مَوتى ،

فدَولَتي ، آخِرُ حُدودِها .. أنا ..

( 5 )

في عَجَلٍ ..

أكتُبُ النارَ على الوقائع مدىً ،

هذا الرَّفضُ الذي يَأتي لحْظةَ الميلادِ

لا أعرفُ

من الذي يمنح حقَّ ارتدادي لرَحمِ أمي ،

أن لا تَضَعِيني طِفلاً يُزْعِج أقرانَهُ ،

آن للصَّبي أن ينمو ،

وينزح نصف شَعرةٍ بيضاءَ ،

تُعْلِنُ أنه اللعنُ من الصِّبا ..

هذا بنفسجٌ ، أسميه امْرَأةً ،

ينمو وَسْطَ حُزني ،

وحزنٌ يعطي لسبعةٍ وعشرين قتيلاً … سِحراً ..

أخبئ تلك التَّحيات التي يضاهيها طموح معاناةٍ

يسرقُ عُمري كتمانٌ يبكي ،

يتواصل مع جفن أمي ، وضحكةِ امْرَأةٍ ..

المُسَافرونَ في دمِي لن يُغادروه هذا العام ،

إنهم يميلون للغرقِ ، وأنا الموجُ ،

إذ يُصبِحَ سَهراً ،

و وَسَنَاً ،

وخيطاً أزرق يفصل بين رَحِمٍ .. وبنفسجٍ ..

**************************************************

ـ مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Arts & Literature فنون واداب, د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged . Bookmark the permalink.