متى يحترم رجال الدين التخصص؟

مؤمن سلام  

يعارض شيوخ الأزهر بشدة حديث غير الأزهريين في الدين ومحاولتهم تقديم اجتهادات جديدة تساهم في عملية الإصلاح الديني الذي اصبح ضرورة ملحة ليس فقط من أجل المساهمة في تحرير مصر من قيود الخرافة والانغلاق والارهاب، ولكن من أجل الدين أيضا الذي أصبح يفقد نفوذه يوما بعد يوم بفعل اصطدام الطرح الديني الحالي مع مصالح الأفراد والجماعات، ما يجعل هؤلاء ينصرفوا عن الدين انحيازا لمصالحهم. 

فكلما قدم غير أزهري اجتهادا جديدا أو أحيا اجتهادا قديما يدعم العقلانية والانسانية، ثار رجال الأزهر ضده مطالبين باحترام التخصص، ضاربين مثلا غير معبر وغير علمي بأن لا أحد يستطيع العمل بالطب إلا إذا كان دارسا للطب ومتخصصا في أحد فروعه رافعين شعار “صحة الدين أهم من صحة البدن”. وبغض النظر عن صحة هذه المقارنة بين الطب الذي هو علم تجريبي والدين الذي هو معرفة أو دراسة نظرية لا تخضع لقواعد المنهج العلمي التجريبي، إلا أنني سأوافق معهم على ضرورة احترام التخصص، وأطلب من شيوخ الأزهر أن يكونوا قدوة للناس في احترام التخصص والعلم.

فشيوخ الأزهر هم أكثر من لا يحترم التخصص. فأى انسان يتابع وسائل الاعلام يستطيع أن يرى الشيوخ وهم يتحدثون في كل شيء وأى شيء، رافعين شعار “الإسلام صالح لكل زمان ومكان” وآية “ما فرطنا في الكتاب من شيء” فتجدهم على الفضائيات وفي الصحف وعلى مواقع الانترنت يتكلمون في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية وعلم النفس والفلسفة والتاريخ والآثار والفنون والأداب بل وصل بهم الأمر إلى الحديث في الطب والبيولوجي والفيزياء والزراعة رافعين شعارات الطب النبوي والإعجاز العلمي ونظريات الخلق، في مواجهة صريحة مع العلم والعلماء.

فعندما يتحدث علماء السياسة عن التحول الديمقراطي وقيم المواطنة والتعددية والتعايش وقبول الأخر والحرية والمساواة وسيادة القانون، وأهمية هذه القيم للدولة لحماية السلام الاجتماعي ولنهضة وتطور المجتمع، لا يجب على رجال الدين التدخل في هذا الحديث ليحدثونا عن حكم الديمقراطية في الإسلام، أو عن التعددية في الإسلام أو الحرية في الإسلام. فهذه أمور تقع خارج إطار تخصصهم الديني وتقع في دائرة العلوم السياسية التي لا علاقة لهم بها.

وعندما يتحدث علماء الاقتصاد عن أسعار الفائدة في البنوك أو الحصول على قروض أو تقنين نشاط إقتصادي معين بما يتوافق مع حالة الاقتصاد، فهناك حالات تتطلب رفع سعر الفائدة وأخرى تتطلب تخفيضها، وهناك أوقات تكون القروض فيها ضرورية وأوقات تكون مضرة، وهناك نشاطات اقتصادية قد تكون مفيدة للاقتصاد أو ضرورية لتنشيط الاقتصاد يجب تقنينها لتحفيز الاقتصاد، هنا أيضا لا يجب أن يتحدث رجال الدين من الأزهريين وغير الأزهريين، عن فوائد البنوك وهل هي حرام أم حلال، أو أن القروض جائزة أو غير جائزة، أو حكم الدين في هذا النشاط أو ذاك. فهذا عمل خبراء الاقتصاد وليس رجال الدين.

وعندما يتحدث علماء الاجتماع وعلماء النفس عن أهمية الاختلاط بين الجنسين في كافة المجالات وفي كافة المراحل العمرية على نفسية الإنسان وسلوكه الاجتماعي والمضار الاجتماعية والنفسية للفصل بين الجنسين، لا يجب أن يتحدث رجال الدين في الأمر ليخبرونا بحكم الاختلاط في الاسلام. فهذا تخصص علماء الإجتماع وعلماء النفس وليس تخصص الأزهريين.

وعندما يتحدث علماء الطب عن نقل الأعضاء أو التبرع بالبويضات أو التلقيح الصناعي، فهذه أمور يقررها الأطباء وفقا لحالة المتبرع و المتلقي وتأثيرها الفسيولوجي على الإنسان، ولا يجب أن يتحدث رجال الدين عن جواز أو عدم جواز التبرع بالأعضاء فهذا تخصص علماء الطب وليس رجال الدين.

وهكذا في كل شؤون الحياة على رجال الدين أن يحترموا التخصصات الأخرى، كما يطالبون أهل التخصصات الأخرى باحترام تخصصهم كرجال دين، وإلا فلا يلوموا إلا أنفسهم عندما يتدخل أهل التخصصات الأخرى في الدين، فالمعاملة يجب أن تكون بالمثل ولا تكيلوا بمكيالين، مكيال العلم عندما يكون في صالحكم، ومكيال الخرافة عندما تكون ضد معارضيكم. 

ببساطة على الرجال الدين أن يتحدثوا في أمور العبادات والطقوس والشعائر ومكارم الأخلاق، فقط لا غير.

×

Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.