فِي اِنْتِظَارِ اِنْتِهَاءِ الفَوْضَى السُّوْرِيَّةِ

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل  بليغ

من منطق المحافظة على مقدرات الوطن الحقيقية أو الافتراضية فهذا حق واجب صوب ما يفعله النظام السوري الذي لا أزال أحتفظ برأيي في إحداثيات المشهد القائم هناك بأن ثمة طوائف وفصائل تخريبية جهادية تمول من الداخل الفاسد والخارج الأكثر فسادا وكراهية بشأن تقويض نظام الحكم في سوريا وإشاعة الفوضى وشيوع مظاهر التخريب والعدم بصورة منتظمة، لتحقيق هدف أعظم لدى تلك الفصائل والجهات الجهادية هو إزالة الكيان السوري برمته.

وعلى الشاطئ المقابل لزاوية حق الاعتراف بحماية النظام السوري وحقه في الدفاع عن كيانه وبقائه في مواجهة الفصائل الجهادية فإن زاوية النظر إلى المدنيين الذين يواجهون أعمال القصف والقتل من الجانبين النظام السوري الرسمي والفصائل الجهادية تستحق الكثير من الانتباه والوعي والإدراك. وتكفي الأخبار التي تتصدر المشهد الإعلامي بالمرصد السوري لتكون خير دليل لأولئك الذين يدافعون ليل نهار عن ضحايا نظام بشار الأسد الذي هو في نهاية الأمر رئيس عربي يدافع عن بقاء دولته ووطنه وكيانه السياسي وسط مزاعم ودعاوى وافدة من كل فج عميق بأنه يرتكب شر المذابح والإبادة بحق شعبه وأرضه.

وأفجع ما في التصريحات التي تفد إلى مسامع المواطن العربي تلك التصريحات التي تأتينا من قبل المعارضة السورية أو ما اتفق على تسميته عقب ثورات الربيع العربي الخائبة بالناشط السياسي، وهذه الأصوات على الدوام مفادها أن ما يحدث بسوريا على وجه العموم وبحلب على سبيل الاختصاص سيلقي بتبعاته على المنطقة العربية بما يعرف بالانفجار المروع، ومثل هذه التصريحات والدعاوى تستخدم عادة من أجل استقطاب أصوات مؤيدة للمعارضة في حربها المستدامة مع النظام السوري.

وإذا كان ما سبق ذكره هو الواقع والأفجع فإن الأدهش أن المتابع بجدية وبغير استلاب أو غياب وعي وفكر للمشهد السوري القائم لاسيما المشهد الاجتماعي يدرك على الفور بأن دعوات الفوضى وأخبار حلف التي تتراوح بين ( حلب تذبح ) و ( حلب تدمر ) و ( انقذوا حلب ) وأحيرا ( حلب تتحرر ) يستقرئ على الفور أن الحياة في سوريا ليست سياسية أو عسكرية كما يدعي الكثيرون ممن يتراوحون بين منتظر للفرج أو مؤيد للفوضى أو مؤيد للنظام السوري، بل إن الحياة الاجتماعية بما تتضمنه من مشاهد ثقافية تنبئ عن حياة طبيعية لا تلوثها سوى الفصائل الجهادية المتطرفة هناك والتي يدفع فاتورة أخطائها ومثالبها المدنيون البسطاء بين طفل وامرأة وشيخ كبير.

فعلى سبيل المثال فإن الهيئة العامة السورية للكتاب تقيم بالتعاون مع اللجنة الفرعية لتمكين اللغة العربية عند الساعة الحادية عشرة من ظهر يوم الأحد القادم ندوة بعنوان الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية في مكتبة الأسد الوطنية بدمشق. ومنذ يومين فتتحت أسرة فيلم “رد القضاء” أول عروضها بمسرح دار الثقافة بحمص، بحضور محافظ حمص طلال البرازي ومخرج العمل نجدت أنزور وعدد من الفنانين المشاركين في الفيلم وكاتبة العمل مع حضور جماهيري كبير.

وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للتطوع نظم فريق “شموع سورية” التابع لجمعية “كريم” فى حمص فعالية واسعة بعنوان “لمسات تطوعية” تضمنت تنفيذ جدارية فسيفسائية على مدخل حي باب تدمر في المدينة حملت في مضمونها قيم الصمود والمقاومة والتحدي. فضلا عن احتفاء عشاق المطربة الكبيرة فيروز في سورية بعيد ميلادها الـ81 حيث أحيت فرقة “نبض” الموسيقية بالتعاون مع جميعه “نحنا” الثقافية حفلة ” إلى فيروز تحية” على مسرح سينما الزهراء بدمشق وذلك بعد مضى 64 عاما على احياء احدى حفلاتها على خشبة هذا المسرح.

مثل هذه الأخبار وغيرها التي نجدها رأي العين والحقيقة على شاطئ النظام السوري الطبيعي تحتاج منا إلى إعادة نظر لتفسير التركيبة النفسية لعلاقة المواطن العربي بوطنه. فعشرات المقالات التي تهبط علينا وتأتي من كل فج عميق تتحدث عن الوطنية وأهمية الوطن وضرورة اكتساب صفات المواطن المثالي وكم من دراسة مكرورة جاءت لتطل علينا بسؤال أكثر سخافة وهو : كيف يمكن أن تطور وطنك؟ ولكن المشكلة العميقة التي نهرب منها بقصد ووعي كاملين وتامين هي مستوى العلاقة مع الوطن. وفكرة مستوى العلاقة أشبه بعلاقات الأصدقاء والأحبة والجيران وزملاء العمل والأزواج باختلاف النسبة ودرجة النوع في التشبيه.

لكن يبدو أن الأنظمة السياسية التي سقطت بفعل الانتفاضات الشعبية التي عرفت بثورات الربيع العربي بملامحها الثقافية والتعليمية أفقدت حس الوطن وحاسة الوطنية لدى الكثير من مواطني الدول العربية إلا من رحم ربي.

وقليل منا من يظل على علاقة بالوطن تشبه علاقة الأصدقاء ؛ ذكريات جميلة ومجموعة نادرة من الصور وثمة كلمات تدلل على تاريخنا الشخصي مع الوطن وبعض فترة نجتر تلك اللحظات الفائتة ونحن في هوس من تفاصيلها التي صارت منقوشة تتوارثها الأجيال المتشابهة. وهؤلاء القلة يتعاملون مع أوطانهم الجميلة بمنطق متعاطي المخدرات يتحملون مخاطر وعوائق تكاد تفتك بحياتهم من أجل لحيظات متعة فانية يستيقظون بعدها على خسارة في الذاكرة والقلب والصحة والجسد.ولكن بحجم الصداقة وذكريات الصبا والشباب تظل هناك غصة بالقلب من صديق أو أكثر ربما بسبب عوامل متعددة كالحالة الاقتصادية أو المكانة الاجتماعية أو المستوى الدراسي، وهؤلاء بضرورة إلى تنويرهم بقاعدة إنسانية مهمة مفادها أن كل إنسان يمتلك من المهارات والقدرات والكفاءات الاستثنائية ما لم تتوفر لغيره من الناس وعليه وفقاً لهذا أن يطور وينمي تلك المهارات ويستغل الفرص القريبة للعمل عليها ورعايتها من أجله أولاً ومن أجل وطن بينه وبينه علاقة صداقة لا تنتهي.

وكثيرون يرصدون علاقتهم بالوطن كمثل الأحبة ( العشاق ) وما أدراك ما العشاق ؟ فاليوم ساعة حب وغرام وحصر للنعم ورصد للحظات خفقان الفؤاد التي تتصاعد في الوصل والقرب والبعد أيضاً وتتداعى هذه الحالة عن طريق التفاصيل التي تربط بينهم من هدايا ومنح وعطايا وإحداثيات غير مادية، وغداً ساعة لعن وغضب وتشرذم وامتقاع داخلي ربما يولد الكراهية لكن لا يفضي إلى النسيان، وهؤلاء بحاجة قوية إلى تدعيم أركان علاقتهم بالوطن، وما أقسى هؤلاء وأقصاهم أيضاً عن الوطن والوطنية فحالة العشاق عادة ما تتأرجح وتتباين وتختلف باختلاف الحالة المزاجية الشخصية وبصورة الحبيب في عيني المحبوب والعكس وثمة أمور أخرى تحدد طبيعة العلاقة.

إن أسهل شئ هو رصد حالة المواطن مع وطنه واستقراء مواقفه المتباينة، لكن الصعب هو إيجاد صيغة ثابتة أو وثيقة علاقة تربط المواطن بوطنه ولا أعني الدستور الذي ينظم العلاقة ولا يربطها برابط أقوى وأعمق مع الوطن الذي يبدو حائراً في ظل حيرة الإنسان وتصرفاته وسلوكاته التي تحتاج إلى ترمومتر يضبط تلك العلاقات والحالات.

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged . Bookmark the permalink.