!أخي يدعم الاتحاد الاوروبي ماديا

مؤمن سلام  

في شهر واحد سافر أبناء أخي وإبنته إلى أوروبا للعمل والدراسة. سافر الأول إلى ألمانيا للعمل مع شركة برمجيات والثاني إلى أيرلندا لدراسة تطوير برمجيات ألعاب الكمبيوتر والإبنة إلى فرنسا لدراسة القانون التجاري. سافروا بعد أن أنفق أخي مئات ألوف الجنيهات على تعليمهم في مدارس لغات خاصة وجامعات خاصة. سافروا جاهزين لدخول سوق العمل الأوروبي والمساهمة في الناتج القومي الأوربي، دون أن يكلفوا أوروبا يورو واحد. فهؤلاء الثلاثة لو كانوا ولدوا في أوروبا، كانوا سيكلفوا الاتحاد الأوروبي مئات الآلاف من اليوروهات من أجل تعليمهم وتدريبهم ورعايتهم صحيا، حتى يصبحوا جاهزين للعمل والانتاج، إلا أن هذا لم يحدث فقد تكفل أخي بهذه المهمة، لتتسلمهم أوروبا شباب جاهزين للانتاج المادي، وأيضا ليساهموا في تجديد شباب القارة العجوز التي تعاني من ارتفاع متوسط الأعمار، على عكس مصر التي يمثل الشباب فيها أكثر من 60% من السكان.

السؤال هنا لماذا رحل، أو بالأحرى فر، الثلاثة من مصر ولم يبقوا فيها ليساهموا في بنائها وتطويرها، وليذهب دعم أخي المادي للاتحاد الأوروبي بدلا من مصر؟

الإجابة ببساطة تتلخص في أن أخي “مجرد” استشاري جراحة قلب وزميل كلية الجراحين الملكيين، فهو ليس جنرالا ولا مستشارا ولا مليارديرا وليس جزء من منظومة فساد الدولة التي كانت ستؤمن لأولاده وظائف مرموقة بمرتبات عالية حتى لو كانوا أنصاف متعلمين وعديمي المهارة. كما أن الثلاثة لم يكتسبوا المهارات المطلوبة لكي يستطيعوا العمل في مصر والدخول في منظومة الفساد وهى مهارات الفهلوة والنفاق.

فالأول دارس لتكنولوجيا المعلومات وبعد أن تخرج وأدى خدمته العسكرية، قام بتأسيس شركة مع صديق له للبرمجيات، ولكن لأنه وزميله لا يملكان خبرة السوق المصري في الفهلوة والنصب والاحتيال فانتهي الأمر بالشابين بإغلاق الشركة بعد خسارة أموالهم. فعمل ابن أخي مبرمجا لدى شركة ألمانيا عن طريق الانترنت ورغم انه يعمل من مصر والشركة في ألمانيا إلا أنه لم يحدث أن نصبت عليه الشركة فكان يرسل مشاريعه البرمجية عن طريق الانترنت فتقوم الشركة بتحويل الأموال إليه، واستمرت علاقة العمل المحترمة هذه لمدة عامين تقريبا، حتى انتهى الأمر بأن منحته الشركة عقد عمل بمقرها بألمانيا. فسافر أو بالأحرى فر بعد أن عاش تجربة في مقتبل عمره تقول له أنه لا مكان لأمثاله في مصر وأن مكانه الطبيعي في ألمانيا، سافر بعد كره مصر ومن فيها، حتى أنه رفض أن يسافر على مصر للطيران، فقد كان يريد أن يقطع صلته بمصر بمجرد خروجه من المطار.

أما الثاني فدارس لإدارة الأعمال ولكنه كان مهتما ومشغولا ومتابعا لبرمجيات ألعاب الكمبيوتر وبعد أن انتهى من خدمته العسكرية لم يجد عملا إلا في مركز اتصالات (call center) معتمدا على لغته الانجليزية فهو من الناحية العمليه كان يعمل بشهادة الثانوية العامة وليس بكالوريوس إدارة الأعمال أو بمجال اهتمامه برمجيات الألعاب. حتى نجح في الالتحاق بجامعة في أيرلندا لدراسة تطوير برمجيات الألعاب (Game Developing) بعد أن تأكدت الجامعة من مهاراته ومعرفته بهذا المجال، فسافر ليحقق حلمه وطموحه هناك، مقسما على ألا يعود لمصر. ويبدو أن ظابط الجوازات أراد أن يودعه وداعا يجعله لا يفكر بالعودة لمصر، فبدلا من أن يتأكد من سلامة أوراقه ويختم له الباسبور كما هى وظيفته، فتح معه تحقيق عن سبب سفره، ساخرا عن جهل من ابن أخي لأنه سيدرس برمجة الألعاب!!!

الثالة خريجة كلية الحقوق قسم اللغة الفرنسية، لم تجد لها عملا بعد التخرج سوى في مركز اتصالات أيضا (call center) معتمده على لغتها الفرنسية وبالتالي هى أيضا كانت في الواقع تعمل بالثانوية العامة وليس بليسانس الحقوق، حتى نجحت بعد اختبارات عديدة في الالتحاق بجامعة فرنسية لدراسة القانون التجاري. وهى أيضا عمل موظفوا الدولة على التأكد من أن يكون سفرها بلا عودة. فقد كانت ترتدي الحجاب مثل ملايين بنات مصر ليس عن قناعة ولكن عن قهر مجتمعي (وليس أسري) فقد كانت ترى أن الحجاب يقلل من حجم ما تتعرض له بنات مصر من مهانة في شوارع احتلها المتحرشيين تحت سمع وبصر وربما مشاركة رجال الشرطة، فكان طبيعيا أن يكون قرار خلع الحجاب على رأس أولوياتها بمجرد الخروج من هذا المجتمع المتعصب المتحرش. فبدأت بصورة الباسبور بدون حجاب، وهنا كانت المواجهة الأولى مع موظفة الجوازات التي لا ترى في نفسها موظفة حكومية تقدم خدمات لمواطنين يدفعون راتبها من جيوبهم، ولكن حارسة الفضيلة وممثل الله على الأرض، لتبدأ في الهجوم عليها لأن صورها بدون حجاب ووصل الأمر إلى رفض استكمال اجراءات استخراج الباسبور، حتى لجأت ابنة أخى إلى رئيس فرع الجوازات الذي أجبر الموظفة على استكمال الإجراءات حيث أن كافة الأوراق مستوفاة، فأكملت الإجراءات مكرهة وهى تتوعد ابنة أخي بالفشل والخذلان في الدنيا ونار جهنم في الأخرة لأنها خلعت الحجاب، وابنة أخي صامته لأنها تريد أن تنتهي وتحصل على الباسبور لتفر من مصر. ولكن مصر أبت إلا أن تودعها الوداع الأخير للتأكد من عدم عودتها، في صورة ظابط الجوازات الذي خرجت عقد النقص والإحساس بالدونية بمجرد أن سألها “مسافرة فين؟” فكان ردها بما تعودته على مدار 20 سنة France بدلا من ما تعود أن يسمعه الظابط “فرنصا”، لتبدأ وصلة الاستظراف والاستهزاء، في وداع أخير لإبنة أخي، حتى لا تفكر في العودة لمصر.

هذه نماذج ثلاثة لشباب وشابات مصر، فروا بعقولهم ومهاراتهم من بلد يقتل لديهم كل طموح، وهم ليسوا استثناء فأمثالهم بالألاف، إن لم يكن بالملايين، يفرون لبلاد تعرف قدر علمهم ومهارتهم، وتعرف كيف تستفيد منهم في تطوير نفسها، بعد أن أنفق عليهم آبائهم وأمهاتهم الآلاف إن لم يكن الملايين، فأصبحنا أمام واقع عملي يقول أن المصريين يدعمون أوروبا والغرب بملايين إن لم يكن مليارات الدولارات سنويا في صورة موارد بشرية مدربة على أعلى مستوى لتساهم في الناتج القومي لهذه الدول وتجدد شبابها بعد أن شاخت.

ولكن علينا جميعا أن نعترف أن فرار الموارد البشرية المؤهلة من مصر ليس هو المرض، فهو أحد عوارض المرض الأساسي، مرض الإستبداد، الذي أصاب مصر منذ 65 سنة، فقدم أهل الثقة على أهل الخبرة، والفهلوة على العمل، والنفاق على الإنجاز، والحسب والنسب على العلم والمعرفة. وسيستمر هذا النزيف البشري والمادي للموارد المصرية، ما استمر الاستبداد.

×

This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.