حوارات في اللاهوت المسيحي 5 – صفات الرب في الكتاب المقدس

د.جعفر الحكيم  المسيح

كما قال الحكماء: الحكم على الشيء فرع من تصوره ,نستكمل في هذا المقال الحديث عن وصف الرب وصفاته في الكتاب المقدس

وفي المقال السابق استعرضنا الصورة المستخلصة للرب حسب نصوص الكتاب المقدس ولكي تكتمل هذه الصورة نحتاج لاستعراض بعض الصفات التي سطرها كتبة العهد القديم وكتبة الاناجيل.

نصوص الكتاب المقدس احتوت على صفات كثيرة منها مايشير لصفات الكمال والعظمة ومنها ما يستشف منها النقص, ولسنا بوارد استعراض جميع صفات الرب التي وردت في النصوص وإنما نستعرض فقط بعض الصفات الإشكالية التي لاتتناسب مع صفة الكمال المطلق التي يجب أن يتصف بها الإله المعبود.

وكما اسلفنا في المقال السابق فإن تأثر كتبة العهد القديم برواسب الوثنية وكذلك طفولية تفكيرهم البدائي حول الرب وصورته وصفاته جعلت شوائب الوثنية تظهر بشكل لافت في النصوص التي كتبوها

لذلك نجدهم يصورون الرب بكائن عظيم جبار يسكن السموات ولكنه بنفس الوقت يشبه البشر في بعض الصفات, فهو يتعب ويحتاج للراحة بعد قيامه بعمل شاق, بل ويتعب ايضا من كثرة مشاكل البشر ومصايبهم وبلاويهم!

(وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل . وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه إستراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقا )تكوين 2

(هُوَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلاَمَةٌ إِلَى الأَبَدِ لأَنَّهُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ اسْتَرَاحَ وَتَنَفَّسَ) خروج 31/17

(لَقَدْ أَتْعَبْتُمُ الرَّبَّ بِكَلاَمِكُمْ. وَقُلْتُمْ: بِمَ أَتْعَبْنَاهُ؟) ملاخي 2: 17

وبالاضافة لصفات التعب والحاجة للراحة نجد الرب ينام ويستيقظ

(فاستيقظ الرب كنائم كجبار معّيط من الخمر) مزامير 78

(اسكتوا يا كل البشر قدام الرب لأنه قد استيقظ من مسكن قدسه)  زكريا 13/2

وسوف يلحظ المتتبع لصفات الرب في النص المقدس استغراق ملفت من قبل كتبة النصوص في إضفاء الصفات البشرية على الرب نتيجة لمحدودية تفكيرهم البدائي وسذاجة تصورهم لذات وصفات الرب الذين يحاولون وصفه ,لذلك نجد الرب يحزن كالانسان ويتأسف بل ,ويندم على أفعاله وقراراته كما ورد في نصوص كثيرة هذا بالإضافة إلى النسيان والتراجع عن القرارات الشريرة المستعجلة كما بينت النصوص التي أوردتها في المقال السابق

(فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ) تكوين 6/6

(فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ) خروج14/32

(ندمت على أني قد جعلت شاول ملكا، لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي)  صموئيل الاول اصحاح 15

ولا تكتفي النصوص بوصف الرب وكأنه بشر يحزن ويندم , بل تذهب الى مديات ابعد حيث يظهر الرب لنا في سفر ارميا الاصحاح العاشر وهو يدعو على نفسه بالويل (وَيْلٌ لِي مِنْ أَجْلِ سَحْقِي! ضَرْبَتِي عَدِيمَةُ الشِّفَاءِ!)

وفي سفر ميخا الإصحاح الأول يظهر الرب وهو ينوح ويولول وينتحب كالحيوان المسمى ابن آوى

(من اجل ذلك انوح و اولول امشي حافيا وعريانا اصنع نحيبا كبنات اوى ونوحا كرعال النعام)

وفي العهد الجديد يأتي بولس ويكمل لنا الصورة بوصفه للرب بصفة الجهالة والضعف ولكنها جهالة إلهية افضل من جهالة البشر

(لأَنَّ جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ! وَضَعْفَ اللهِ أَقْوَى مِنَ النَّاسِ!) بولس الاولى لكورنثوس 25/1

وكلمة جهالة الواردة في هذا النص نجدها في النصوص الإنكليزية تحتمل معنى الغباء اوالحماقة!

ومن الصفات الأخرى اللافتة للنظر في نصوص الكتاب المقدس صفات: الجبار والمنتقم والمدمر والمذل والغضوب المتكبر الذي يغار

(الرب اله غيور ومنتقم.الرب منتقم وذو سخط.الرب منتقم من مبغضيه وحافظ غضبه على أعدائه) سفر ناحوم2/1

(لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ) تثنية 17/10

(هو يبيدهم ويذلهم أمامك فتطردهم وتهلكهم سريعا كما كلمك الرب) تثنية 9

والرب الجبار في الكتاب المقدس متعالي متكبر يتسبب في ضلال الذين لا يحبهم

 (اما انت يا رب فمتعال الى الابد)

(فيبسط يديه فيه كما يبسط السابح ليسبح فيضع كبرياءه مع مكايد يديه) اشعيا 11:25

(يَنْزِعُ عُقُولَ رُؤَسَاءِ شَعْبِ الأَرْضِ، وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلاَ طَرِيق)  سفر ايوب 24/12

وتصور لنا النصوص الرب وكأنه مخادع ماكر وصاحب (مؤامرات) إلهية محكمة وذكية وأبدية يخدع بها البشر وبعد ذلك (يستهزئ) بالذين كانوا ضحايا خديعته, بل ويضحك عليهم

(آهِ، يَا سَيِّدُ الرَّبُّ، حَقًّا إِنَّكَ خِدَاعًا خَادَعْتَ هذَا الشَّعْبَ)  ارميا 10/4

(أَمَّا مُؤَامَرَةُ الرَّبِّ فَإِلَى الأَبَدِ تَثْبُتُ. أَفْكَارُ قَلْبِهِ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ) مزامير 11/33

(الساكن في السماوات يضحك. الرب يستهزئ بهم)  مزامير 4/2

ومع تتبع النصوص في الكتاب المقدس تكتشف صفات كثيرة  مستهجنة وغير لائقة كالعنصرية والهيجان العصبي والتألم, كذلك نجد توصيفات تمس قدسية الرب وتشوهها, مثل توصيفه بالصخرة او بالحيوانات كالخروف والنعجة والدب والجندب والدجاجة وغيرها.

لكن الصفة الأهم اللافتة والمثيرة للاهتمام والاستغراب هي صفة (التناقض) حيث نجد الرب يذكر شيئا في مناسبة ثم يذكر أمرا مناقضا في مناسبة أخرى!

ففي حين يصف رب الكتاب المقدس نفسه بأنه لا ينقض عهده (لا أنقض عهدي، ولا أغير ما خرج من شفتي) نجده يعود في مكان آخر ويؤكد أنه قام بنقض عهده! ( فان عهدي أيضا مع داود عبدي ينقض، فلا يكون له ابن مالكا) ارميا 33

ومن غرائب النص المقدس انه يخبرنا ان الانسان الذي يتم الحكم عليه بالموت بطريقة الصلب على خشبة هو (ملعون ونجس)

(فَلاَ تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلَى الْخَشَبَةِ، بَلْ تَدْفِنُهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، لأَنَّ الْمُعَلَّقَ مَلْعُونٌ مِنَ اللهِ. فَلاَ تُنَجِّسْ أَرْضَكَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيبًا)

تثنية 23/20

ثم يعود نفس الكتاب بعهده الجديد ليحاول إقناعنا أن الرب نفسه – بعد ان صار انسان – قد تم تعليقه وصلبه على خشبة وبذلك تحول الرب نفسه الى (لعنة) في مشهد سوريالي دراماتيكي!

واما التناقض الاكثر إثارة للاستغراب والتعجب هو النص الوارد في سفر العدد 19/23

(لَيْسَ اللهُ إِنْسَانًا فَيَكْذِبَ، وَلاَ ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ)

وغرابة هذا النص تكمن في اننا قد وجدنا الرب -كما تقدم – يندم في أكثر من مناسبة وبنصوص عديدة وتكمن ايضا في التناقض الاعظم الذي جاء في نفس الكتاب المقدس في عهده الجديد الذي يخبرنا ان الله قد صار (انسان) بعد ان تجسد بشكل الشاب اليهودي يسوع الناصري والذي لسخرية القدر -وحسب الكتاب المقدس- مارس الكذب على إخوته حين أخبرهم أنه ليس صاعدا في (عيد المظال) وطلب منهم أن يذهبوا وحدهم ثم بعد ذلك تنكر وصعد الى اليهودية ليحضر العيد!

وبذلك تكتمل أمامنا الصورة  المتناقضة للرب التي يقدمها لنا الكتاب المقدس فبالاضافة الى كونه متناقض وكثير الندم فهو ايضا يمارس الكذب و(خائف) يضطر للتنكر لكي لا يكتشف قومه اليهود وجوده بينهم في احتفال عيد المظال.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Philosophy & Religions فلسفة واديان, د.جعفر الحكيم and tagged , . Bookmark the permalink.