في ذكرى زيارة السادات لإسرائيل… أين الخلل؟

مؤمن سلام  مؤمن سلام

في 19 نوفمبر 1977 وصل السادات إلى القدس، وخطب في الكنيست ليعلن نهاية الحرب بين مصر وإسرائيل ويبشر بعصر جديد من السلام والتعايش. وانطلقت محادثات السلام بين البلدين حتى تم توقيع معاهدة السلام في 26 مارس 1979، بعد شد وجذب وضغوط وانسحاب وعودة للمفاوضات إلا أن المعاهدة تمت في النهاية.

كان من المتوقع أن تؤدي هذه الاتفاقية إلى إحلال السلام الإيجابي بين المصريين والإسرائيليين أى سلام يقوم على التعايش وقبول الآخر والتعاون بين الشعبين، إلا أن السلام أصبح سلام سلبي أو كما يسميه البعض بارد أى مجرد توقف عن الأعمال العدائية بين الطرفين، واقتصر التعاون على المجال السياسي والاقتصادي المحدود والمجال الأمني ومحاربة الإرهاب في سيناء. فما الذي حدث جعل العلاقة بين الشعبين تتوقف عند حدود وقف الحرب بين الطرفين؟

عندما ذهب السادات إلى القدس ثم وقع اتفاقية كامب ديفيد ثم معاهدة السلام، عارض الناصريون المعاهدة وانطلقوا يبثون دعايتهم المناهضة للسلام مدعومين ماديا وسياسيا من الدول التي سمت نفسها جبهة الصمود والتصدي خاصة العراق وليبيا وسوريا التي تمتلك إمكانات مادية كبيرة تمكنها من الإنفاق على المجموعات اليسارية المناهضة للسلام. أما الإسلاميين فبالرغم من أن موقفهم كان في البداية مائعا بين الرفض والموافقة إلا أن مع الوقت أخذت تنحاز هذه الحركات الإسلامية للموقف المعارض للسلام، خاصة مع ظهور التنظيمات الإسلامية الفلسطينية وعلى رأسها حماس عام 1987. وبهذا أصبح هناك تحالف عروبي – إسلامي مناهض للسلام المصري الإسرائيلي ومعارض للتطبيع بين الشعبين، وانطلق يبث دعايته مستخدما خطابا عروبيا – دينيا ممولا من دول مختلفة في المنطقة من مصلحتها استمرار حالة العداء بين المصريين والإسرائيليين.

كان من المنطقي أن يظهر على الجانب الأخر قوى سياسية مؤيدة للسلام خاصة من الليبراليين تدخل في جدل سياسي مع معارضي السلام وتدعم قيم التعايش وقبول الأخر، إلا أن هذا لم يحدث. وقد كان هذا مفهوما في بداية عملية السلام في نهاية السبعينات، أى بعد ما يقرب من 30 سنة من القمع المستمر للتيار الليبرالي وأفكاره وقياداته التاريخية. لكن مع تصاعد قوة الليبراليين بعد عام 2005 لم يتحول هذا المعسكر إلى معسكر سلام توافقا مع الأيديولوجيا الليبرالية التي يعتنقها وتؤمن بالديمقراطية كطريق للسلام والسلام كداعم للديمقراطية، بل لقد انحاز الكثير من مشاهير هذا التيار إلى المعسكر الرافض للسلام حتى وان كان بشكل أقل حدة فهم يؤيدون السلام ولكن يرفضون التطبيع.

فلماذا اتخذ هؤلاء الليبراليين هذا الموقف المناهض للسلام رغم تناقضه مع أيديولوجيتهم؟

من وجهة نظري هذا يرجع لأمرين:-

1- غياب الديمقراطية. في ظل نظام مستبد كان من المفيد للنظام العسكري غياب معسكر شعبي يعبر عن قوى السلام المصرية ويبني جسور التواصل مع قوى السلام في إسرائيل، وبالتالي تظهر جبهة سلام تضم مصريين وإسرائيليين ومع الوقت يمكن أن تضم قوي من باقي دول البحر المتوسط والشرق الأوسط، وهو تحرك سيهدد شرعية النظام الدولية باعتباره الحارس على السلام في المنطقة. ولهذا رأينا نظام الحكم المصري الذي وقع اتفاقية السلام مع إسرائيل هو نفسه الذي يفسح المجال للقوى المعادية للسلام لقمع الأفراد الذين جاهروا بتأييد السلام والتطبيع مع إسرائيل، في تحالف واضح وظاهر بين نظام الحكم والمعارضين للسلام والتطبيع. يظهر هذا التحالف بوضوح في خطاب الإعلام المصري الذي يُدار عن طريق الأجهزة الأمنية والذي يحض على كراهية اليهود وإسرائيل، كذلك في المساجد التابعة للدولة أو المراقبة من قبل أمن الدولة والتي تبث الكراهية ضد كل ما هو غير مسلم وخاصة إذا كان يهوديا، وفي وزارة الثقافة المصرية التي يسيطر عليها بشكل شبه كامل اليسار المصري منذ عهد عبد الناصر، وما نجد صداه في القوانين المصرية التي تضع شرط الحصول على موافقة أمنية تصدر من الأمن الوطني (أمن الدولة سابقا) لكل من يرغب في السفر إلي إسرائيل، وبهذا فقد تواطأت السلطة مع التيارات القومية والدينية، والتى لا يوحدها جميعا إلا العداء للديمقراطية، ضد كل صوت يخرج مؤيد للسلام فضلا عن أن يتحول هذا الصوت إلى تيار فاعل على الأرض. هذا الارهاب الفكري والسياسي والأمني الذي تمارسه الدولة والتيارات السياسية الفاشية، جعل تكلفة تأييد السلام والدعوة له مكلف جدا لكل من يقترب من هذه المنطقة خاصة إذا كان من السياسيين، ما جعل الليبراليين يتخلوا عن أفكارهم وينحازوا إلى قوى تعادي الليبرالية بطبيعتها تحت دعاوى البراجماتية السياسية، متناسين أن وعي الشعب يرفض أى سياسي يتصرف على خلاف أفكاره، فكانت النتيجة هزيمتهم في كل المواقف سواء كانت سياسية أو ثورية.

2- حداثة الليبرالية في مصر. بالرغم أن الليبرالية هي أول الأيديولوجيات الحديثة وصولا إلى مصر وأن أول حزب في مصر كان حزب ليبرالي، إلا أن التيار الليبرالي المصري تعرض لضربة قوية تكاد تكون قاتلة مع انقلاب يوليو 1952. فبالرغم من أن عبد الناصر أطاح بحلفائه من الشيوعيين والإسلاميين إلا أن ضرباته لهم كانت ضربات أمنية ولم تمس أفكارهم. فالإشتراكية كانت شعار المرحلة السياسي والاقتصادي وكان النظام يرسخ الفكر الإشتراكي والعروبي في عقول المصريين بالرغم من وجود الشيوعيين في السجون. وهو ما فعله مع الإسلاميين أيضا، فرغم اعتقالهم وإعدام بعض قيادتهم، إلا أنه عمل على نشر الفكر الديني من خلال تأسيس إذاعة القرآن الكريم والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية والمؤتمر الإسلامي، وجعل الدين مادة إجبارية في المدارس وحول الأزهر لجامعة تضم تخصصات مدنية، وعلى الجانب الآخر أغلق المعابد البهائية والمحافل الماسونية وطارد اليهود ومنع القمار.

وهذا على عكس ما حدث مع الليبراليين، فلم يكتفي عبد الناصر بحبسهم ونفيهم وتشويه سمعتهم وتاريخهم الوطني، ولكن حارب أيضا الفكر الليبرالي وراح يقرنه بالاستعمار والاستغلال، مستخدما كل الوسائل الإعلامية والدينية والفنية وترويج الإشاعات المتعلقة بالسلوك الشخصي لقيادات التيار الليبرالي المصري وصولا إلى أعلى درجات الانحطاط بترويج الشائعات حول زوجاتهم. لقد عمل نظام يوليو على سحق الليبرالية والليبراليين بكل قوة على مدار ما يقرب من 30 عام.

لذلك، ليس من المستغرب أن نرى هذه الآراء والتصرفات تخرج من شخصيات وأحزاب تصف نفسها بالليبرالية ومع ذلك تتصرف على عكس ما تقول الليبرالية، ليس فقط فيما يتعلق بالسلام ولكن في كثير من القضايا. فنذكر مثلا تحالف حزب الوفد مع الإخوان المسلمين في انتخابات عام 1984، وتصريح السيد البدوي عندما تولى رئاسة حزب الوفد بأن حزب الوفد ليس حزب علماني، وتحالف أيمن نور زعيم حزب غد الثورة مع الإخوان المسلمين حتى اللحظة. وتأييد هذه الأحزاب لبقاء المادة الثانية من الدستور المتعلقة بالشريعة الإسلامية. كما أتذكر هنا موقف شخصي مع حزب المصريين الأحرار عندما ظهرت دعوة باسم “جمعة الزحف إلى القدس” لتحريرها وكان محدد لها 15/5/2011، وإذا بالقائمين على الحزب بالإسكندرية يعلنون مشاركة الحزب فيها ما أدى إلى اصطدامي بهم وترك الحزب. وحتى عند عودتي للحزب مرة أخرى بعد تغيير قيادته في الإسكندرية، كان صدامي هذه المرة مع قيادة الحزب بالقاهرة التي أرادت فرض رقابة على الندوات التثقيفية في مشهد فاشي لا يتوافق مع اللافتة الليبرالية التي يرفعها الحزب، ما دفعني لترك الحزب للمرة الثانية والأخيرة.

فنحن في الحقيقة أمام تيار جديد يولد في مصر وربما كان ميلاده الحقيقي بعد 2012 عندما بدأت الأصنام السياسية والدينية تتهاوى وبدأ الشباب مرحلة البحث عن الذات والتنوير الحقيقي بأن يفكروا لأنفسهم بأنفسهم دون خوف أو كسل، ولذلك أرى أنه ليس من الإنصاف تحميل التيار الليبرالي الحالي خطايا شخصيات وأحزاب رفعت شعار الليبرالية قبل 2012 وهي لا تدري منها إلا الإسم.

أظن أن هذه الأسباب هي التي أفشلت مشروع السلام المصري الإسرائيلي الذي وضعه السادات. فقد كان سلام بلا جذور شعبية بسبب ديكتاتورية تحتكر السلام كأحد أدوات استمرارها في السلطة، وغياب تيار ليبرالي حقيقي يستطيع خلق المناخ المناسب لسلام ايجابي عن طريق بث قيم الليبرالية في المجتمع. وبالرغم من استمرار النظام المستبد في السلطة، إلا أن ظهور تيار ليبرالي أكثر قوة وأكثر عمقا وإن كان غير ممثل في أي حزب حاليا، يبشر بإمكانية نجاح مشروع السادات في تحقيق سلام إيجابي بين الشعبين المصري والإسرائيلي، بعد 40 سنة من زيارته للقدس.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.