فرعون وموسى… وقتل البديل السياسي

مؤمن سلاّم  مؤمن سلام

عندما علم فرعون أن هناك رجل سيخرج من بني إسرائيل ليقتله ويستولى على ملكه أمر بقتل أطفال بني إسرائيل ليحمي نفسه وعرشه من هذا العدو القادم، إلا أن الطفل ينجو ويكبر وتتحقق النبوءة. وهذه التيمة الدرامية ليست الأولى ولا الأخيرة في هذا السياق فقبلها كان الإله ست الذي كان يسعى لقتل الطفل حورس حتى لا يكبر ويستولى على ملكه ولكن حورس يكبر ويتولى حكم مصر، والخوف على الطفل سرجون الأكادي من القتل ووضعه في سلة وإلقائه في النهر لينجو ويقضي على الملك ويؤسس مملكته، وبعدها كان هيرودس وقتل أطفال بيت لحم منعا لظهور المسيح الذي هربت به أمه إلى مصر.

الفكرة واحدة تناقلتها الأجيال في صور مختلفة قد تكون أساطير وقد تكون حقيقية، فهذا لا يعنيني، ما يعنيني هنا هى الفكرة المتأصلة داخل كل ديكتاتور، وهي الخوف من البديل السياسي الذي سيأتي يوما ويزيحه من السلطة.

يعيش الديكتاتور بهاجس دائم هو اللحظة التي سيتم فيها الإطاحة به، ومحاكمته أو قتله بسبب جرائمه في حق المواطنين. فهو يعرف أنه ضعيف ومكروه وأن الناس تنتظر اللحظة المناسبة لكي تتخلص منه بل وتنتقم من أفعاله. ولأنه ليس لديه ما يقدمه للناس، فالسلب والنهب والتسلط والفساد ورعاية مصالح من يحمون عرشه، لا يترك له مجال لتنمية وتطوير وتحديث المجتمع، لكي يحصل على الشرعية من الناس، وبهذا لا يكون أمامه سوى البطش، ومحاولة قتل أي بديل سياسي بمجرد ظهوره في محاولة لمنع مصيره المحتوم.

فالمستبد يتوجس من كل طفل ذكي ومبدع قد يظهر ويدمر سلطته الغبية، لذلك يسعى الطغاة دائما لقتل التعليم والإبداع والعلم والبحث العلمي، فالأذكياء لن يصدقوا دعايته السطحية الجاهلة بأنه خير من مشى على الأرض وأظلت السماء، وقد يصبحوا زعماء سياسيين في المستقبل يطيحوا به، وربما قتلوه عقابا على جرائمه.

وهو يتوجس من كل فكر يؤسس للحرية والإخاء والمساواة في عقول الناس وضمائرهم، فيسعى لقتله في مهده، بمنع الكتب المعبرة عنه، وسجن وقتل الداعين له، ومطاردة المؤمنين به. فهذه أفكار تهدد وجوده وتتسبب في سحقه تحت أقدام المواطنين الغاضبين.

وهو يرتعد من كل معارض سياسي يسعى لقتله إن لم يكن ماديا فمعنويا بالتشويه وإطلاق الحملات الإعلامية عليه وتهديده في عمله ودراسته. كما يعمل على قتل كل تنظيم سياسي لا يسير في ركابه ويدعم رؤيته العظيمة ويعمل بتوجيهاته الرشيدة، فيسلط مخبرينه على هذه التنظيمات السياسية السلمية لاختراقها وتدميرها من الداخل، كما يصدر أوامره لأتباعه لتشكيل التنظيمات السياسية المعارضة شكلا والمؤيدة مضمونا حتى يضمن السيطرة الكاملة على المشهد السياسي.

ببساطة يسعى الطاغية لقتل كل ما قد يمثل تهديدا لعرشه وسلطته، خوفا من أن يكبر ويكون البديل الذي يطيح به وبحكمه بتأييد من الشعب المسحوق.

ما لا يفهمه المستبد لأنه غبي، أو ما لا يعرفه لأنه جاهل، أنه قد يستطيع قتل كل البدائل السياسية، ولكن التاريخ والتجربة تقول أن لابد لأحد البدائل أن ينجو من القتل ويكبر ويقوي ويطيح به.

This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , . Bookmark the permalink.