الجمود الفكري .. الحرام

سارة سعيد عبد النور           العقل                  

لقد إنتشرت الكثير من البرامج الدينية القائمة على تلقي الأسئلة من المشاهدين ومن ثم الإجابة عليها. وقد لاحظت ان معظم الأسئلة تكون من نوعية هل حرام فعل كذا؟ هذه ليست المشكلة لكن المشكلة هي انك تجد أسئلة بسيطة جدا يتوقف عندها الناس لو أعملوا عقولهم لن يحتاجوا لطرح هذه الأسئلة.

دائما كنت أتسائل عن مفهوم التحريم هل هو إختبار للطاعة أم منع لضرر. يتكلم سلامة موسى عن كيف نشأت فكرة الطبو في المجتمع القديم والطبو هو المحرم ويقول “لما شرع الإنسان يخرج من الغابة ويزاول الزراعة أخذ يعتقد عقائد عن الأرض والسماء وأصل الناس ومصائرهم وكانت عقائده الأولى بعيدة عن ما نفهمه الآن من الدين . فنحن نفهم الآن من الدين أن الماء يطهر لذلك هو سبيل الوضوء. ولكنه كان يفهم أن الماء هو أصل النبات وأنه غسول يغتسل به الجسم من الأقذار. أي أنه بدأ ينظر نظرا علميا للأشياء نظر الحس والمشاهدة ………..

وكان في نظرته هذه عالما إن كانت وسائل التحقيق لديه غاية في الضعف”. وفي موضع آخر يقول الكاتب “إن تلك المشاهدات العلمية أصبحت بعد ذلك دين”. وأتفق معه تماما حين ينتهي إلى أن النظر الديني هو في الأصل نظر علمي لا شائبة فيه يقبل الجدل والتمحيص وأنه بعد ذلك صار نظرا دينيا قائم على الجزم لقلة وسائل التحقيق.                                                                                                        

بل وأعتقد أن هذا هو حال العرب مع الدين الإسلامي. ففكرة المحرم قائمة على أساس علمي لكن هناك أسباب جعلت من المحرمات مقدسات جامدة لا تقبل الجدل والتمحيص. ولا أقصد الجدل هنا لإباحة ما هو محرم ولكن أقصد هنا رد كل شيء إلى أصله من خلال منهج عنوانه إعمال العقل.

نلاحظ في القرآن الكريم أن التحريم كان مقترن بالايمان مثل

قوله تعالى:”يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون” (المائدة)

أو قوله تعالى: “يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا” (الحجرات)

أو قوله تعالى: “يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ̋ غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون”  (النور)

والسؤال هنا لماذا أقترنت الكثير من الأوامر والنواهي إلى أبسط آداب السلوك بالإيمان؟ ولماذا لم يتم توضيح الضرر كما أعتقد في القرآن؟

هناك أكثر من صعوبة تواجه أي فكر جديد. أولا̋ تعارض المصالح وهو ما حدث مع الدين الإسلامي فهناك ضرر إقتصادي كبير سوف يقع على القبائل من جراء تقبل هذا الفكر، مع إن تقبل الفكر لا يعني ضرورة الايمان به. لكن لم يكن هذا حال العرب بأي حال من الأحوال.

ثانيا̋ بعد الإيمان هناك صعوبة في الإمتثال للأوامر والنواهي وترك عادات وتقاليد مارسوها لعقود لها سلطة الدين وهو ما جاء في القرآن في قوله تعالى: “وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون” (البقرة)

 ثالثا̋ العامل الزمني الرسالة مدتها الزمنية هي فترة من عمر إنسان مهما طالت لا تمثل شيء مقارنة بعقود قبلها لن تستطيع تغيير طباع أحد إلا من خلال ربط شرطي بين الإيمان والفعل . وهو ما جاء في القرآن الكريم أن موسى (عليه السلام) يتعجب من معصية اليهود عندما تركهم لفترة قصيرة ثم عاد ليجدهم يعبدون العجل ويذكر قال تعالى: فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (طه)

 رابعا̋ العقلية القبلية البدائية التي لن تتقبل  ذكر حقيقة علمية لا سبيل لهم لإثباتها وهو ما يتلخص في ضعف وسائل التحقيق. تخيلوا مثلا ذكر الأضرار الطبية لشرب الخمر. ففي النهاية النص هنا يخاطب مجموعة من البشر ويراعي وضعهم. وإلا لما كان الإعجاز اللغوي والبلاغة في القرآن تحدي واضح ودليل على صدق الرسالة. وهو شيء لن يفهمه إلا العرب فالشعر هو محل تفوقهم. ولذلك كان للمعجزات شأن كبير في إثبات النبوة ولم يقتصر ذلك على الإسلام .

فإن كانت المعجزات هي السبيل لإثبات النبوة في كل الرسالات السماوية وذلك للأسباب التي أوردتها سابقا. لكن في نفس الوقت كان الحق عز وجل يأمر بالتأمل والتفكير وإعمال العقل كإستراتيجية يتم الأعتماد عليها لاحقا. إذا̋ وكأن هناك إتجاهين إعتمدهما الحق سبحانه وتعالى المعجزات وهي تمثل فترة مرحلية وقت الدعوة والإتجاه الآخر وهوالتأكيد على إعمال العقل وذلك لما بعد الرسالة. لكن من يتصدرون الدعوة والإفتاء قد جعلوا الدين عبارة عن عبادات وقوانين جامدة مما أدى إلى فصل الدين عن الحياة حيث أن من طبيعة الحياة التطور. ولأن النص القرآني في عصر النبوة كان تفاعلي تحدث مشكلة فينزل فيها نص، ولأن فترة النبوة كانت قصيرة فهي لن تسمح بتطور كبير لم تحدث مشكلة الجمود الفكري التي نعاني منها الآن.

 المشكلة أن إصرارنا على النظر الى الحياة بعيون من سبقونا قد جعل الدين يبدو كعقبة أمام التطور وهذا غير صحيح. فأصبح هناك إتجاهين إما أن تلتزم بالدين (بالمنظور القديم الجامد) وساعتها سيتوقف بك الزمن أو تهجر الدين من أجل التطور.

 فإذا أخذنا كلمة المحرم كأنها مقدسة سوف تنتهي بنا الى حالة من الهوس فنحتاج أن نسأل عن كل تفصيلة في حياتنا هل هي حرام ونحتاج الى دليل من القرآن والسنة. لكن إذا كانت تلك الكلمة مرادفة لمنع الضرر قد نستطيع الإجابة على الكثير من الأسئلة في حياتنا بعد إعمال عقولنا. فهذا الجمود الفكري الخانق للحياة أوقف عقارب الساعة عند العرب فأصبحوا أمة خارج الزمن وإذا شئت قل أمة خارج الخدمة في عداد الأموات تعيش عالة على المجتمعات المتقدمة التي أخذت بأسباب العلم.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Education تربويات and tagged , , , , . Bookmark the permalink.